رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأربعاء 10/فبراير/2021 - 05:53 م

الباحث نوري جاسم العراقي يكتب: التصوّف الكسنزاني رسالة حب وأمان للمجتمعات العالمية

شيخ الطريقة الكسنزانية
شيخ الطريقة الكسنزانية بالعالم
aman-dostor.org/34306

التصوف الحقيقي والواقعي في فكر ومنهج الطريقة الكسنزانية هو واقع ملموس من خلال سلوك منهج التربية والترقي الروحي فيها، ومن أبرز سمات هذه الطريقة هو خطابها العقلاني بأبعاده الروحية والأخلاقية والإنسانية، المبني على التقوى في كل جوانب الحياة، وهو حاجة ملحة وضرورة لإيجاد حالة التوازن بين غذاء الروح والمادة في عالم اليوم وبمنهجية متسلسلة رائعة، وتتعدد صوره بأشكالٍ وألوان ووجوه واضحة المعالم ولافتة للنظر، تنظر للأمور والكون بحالة من الشعور بالعظمة لجلال القدرة في الخلق والإيجاد، ولروعة الإبداع الرباني في الأفق الواسع والعظيم لجمال الكون الذي ليس له حدود، فهو الحقيقة المطلقة لقدرة كن فيكون.

وتبقى تأثيرات وسلوك منهج الطريقة الكسنزانية في حياة إنسان اليوم أيضًا مختلفة ومُتباينة من فردٍ إلى آخر، ومن مجتمعٍ إلى آخر، ويعتمد التقييم في ذلك على حالة الاستعداد للمتلقي الذي يروم خوض غمار التجربة الروحية بعقل واعٍ وقلب صادق سليم، وبتوازن فكري روحي صوفي صافٍ، وبعقلية التلميذ الذي يطلب العلوم من الأستاذ المعلم، كي يحصل على المقصود من أهل الاختصاص والصنعة، وتؤكد الحقائق العملية من أصحاب التجربة الروحية ضرورة الاستلهام من الفكر الصوفيّ الكسنزاني بشكل مباشر وبالتجربة الشخصية، لأنّ الإنسان والمجتمع اليوم بأشدّ الحاجة إلى القيم الروحية في توجهاتها وتجلّياتها وأبعادها الإيجابية، وتأثير ذلك على تحسين حياة الناس والمجتمع، وهذا ما يدفع الباحثين للتساؤل وطرق الموضوع بأسئلة ضرورية، أهمّها في الغالب الأعمّ هو مدى أهمية وموقع الفكر الصوفيّ الكسنزاني في عصرنا اليوم، ومدى حضور الخطاب الصوفيّ الكسنزاني في هذا العصر، وما الذي يمكن أن يُقدّمه أو يُضيفه التصوّف الكسنزاني للإنسان اليوم في العالم ككل؟، وهل يمكن القول إنّ الفكر الصوفيّ الكسنزاني يُعيد الإنسان إلى جوهره الحقيقي الكوني والكينوني الذي أقل ما يُقال عنه إنّه الجوهر الذي يُضيء وينور الطريق إلى الله سبحانه وتعالى؟.

ويستشرف العالم ويكون له دور ريادي في حل معاضل ومشاكل اليوم، وكذلك هل يطابق هذا الفكر الواقع وسياقاته العامة والخاصة؟، وكذلك هل يواكب الحاضر ومستقبله؟، وللأجابة عن كل هذه الأسئلة، يؤكد واقع المجتمعات العالمية اليوم أن المادية الجافة والمصالح الدنيوية الضيقة، وأتباع الهوى وحب الشهوات وبلا خطوط حمراء وحدود والتي تجاوزت حد الطبيعة البشرية، هذه الصفات السلبية طغت على أغلب بني البشر بمختلف أجناسهم ولغاتهم وألوانهم، والتي جعلت من حياة الناس عبارة عن ثمرة جوفاء ميتة بلا لب ولا روح ولا طعم، لهذا فنحن أحوج ما يكون في هذا العصر للرجوع إلى القِيَم الروحية، وتحديدًا إلى التصوّف السليم، "اسمعوا إلى وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، أندريه مالرو، صاحب (كتاب إغواء الغرب) عندما يقول: (إنّ القرن الحادي والعشرين إما أن يكون غيبيًا روحيا أو لا يكون)، في رد على مَن قالوا "إنّ شمس الأديان قد غربت بعد أن قالوا قبل ذلك إنّها أفيون الشعوب"، وفعلًا فقد شهدنا في العقود الأخيرة اهتمامًا بالتصوّف لم يقتصر على عامة الناس من مختلف الفئات بل تجاوزهم إلى فلاسفة ومفكّرين ودارسين، ممَن لا يتّسع المجال لذِكرهم، فلقد شدّتهم روحانية التصوّف القوية وبهرت عقولهم وغمرت أرواحهم وقضى كثير منهم أعمارهم في دراسة آثار وأعمال وفكر كبار رجال التصوّف وشيوخه، ولقد اكتشفوا حقيقة ما يبحثون عنه ويحتاجون إليه، ووصلوا إلى النتيجة الآتية وهي أن ما يحقّق للإنسان توازنه وسعادته الحقيقية الأبدية في الحياة الدنيا يجدها في فكر وروح وسلوك منهج الطريقة والتصوف الكسنزاني القادري العلوي".

وهذا هو عين ما تحتاج إليه كلّ المجتمعات البشرية في هذا الزمان وفي كل عصر، لأن المجتمعات العالمية أرهقتها المادية المُجحفة التي لا أخلاق لها ولا دين، وقد طغت مخاطرها لتمزق كل شيء جميل في الإنسان، وهي تحاول أن تمزق المكون الرئيسي للمجتمع وهي الأسرة التي اذا تمزقت تدمر المجتمع وانتشرت الأمراض والاضطرابات النفسية وحب الأنا، وسيطرت الأفكار الشاذة والغش والكذب وتجاوز كل خطوط الأمان والاستقرار للمجتمع، وهذا فيه الخطر العظيم لتدمير منظومة الأخلاق، وضياع القيمة الحقيقية للإنسان، وهذا ما يحصل اليوم في أغلب المجتمعات العالمية.. إنّ الأزمة الأخلاقية والاجتماعية في عصر العولمة وزوال الحدود والضوابط، حيث أصبح العالم قرية صغيرة.

وما نراه على امتداد الساحة العالمية من هَرجٍ ومَرجٍ وفوضى واضطراب، بلغ درجة الاقتتال وسفك الدماء وقتل الأبرياء، ليس إلاّ نتيجة للفراغ الروحي والاضطراب النفسي الذي عم المجتمعات العالمية، فنحن اليوم بأمس الحاجة إلى إعادة النظر في البحث والتقصي إلى أفضل المسالك الروحية لإعادة هيكلة وإصلاح وبناء النفس البشرية بحالة من التوازن في ظلّ صمّام الأمانٍ الذي يتمثّل في ورثة الأنبياء، أصحاب التجربة الروحية العملية الصادقة من سلسلة مشايخ الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، الذين كانوا وما زالوا نجومًا في سماء الكون يُنيرون الظلام وينشرون المحبة والسلام والتسامح والإيمان بين بني البشر، ويدعون إلى الله على بصيرة.. إنّهم الصالحون الربّانيون أهل الله العارفون الذين جمعوا بين الشريعة التي كانوا فيها مُتبحّرين ومُجتهدين والحقيقة التي كانوا لها سالكين.. "إنّ الاهتمام بالجانب الروحي كفيلٌ بحل الكثير من المُعضلات التي يتخبّط فيها الإنسان المعاصر، وأن القِيَم الروحية التي هي أساس منهج التصوّف الكسنزاني، كفيلة بتقديم العلاج لأمراض المجتمع المعاصر".

وفي هذا المجال نشير إلى الشيخ محيي الدين بن عربي، الذي نادى بأخوّة الفكر الإنساني، وجعلها شرطًا من شروط المحبة الإلهية، التي هي جوهر الفلسفة الصوفيّة الكسنزانية، وهي تتمثل ببساطة في الإيمان المُطلق بالله سبحانه وتعالى.. إنّ تعاليم الحبّ الصوفيّة الكسنزانية تلعب اليوم دورًا هامًا في تغيير ورأب الصدع في الصراعات بين الأديان والمذاهب، وضمن هذا المسعى يحتاج عالم اليوم إلى شخصيات روحية متميزة مجددة ومؤثرة في رسم النموذجية الروحية في فكرها وبعدها الروحي، وتمتلك التصوّر الجديد الذي يبحث عن القواسم المشتركة التي تجتمع حولها الأديان والمذاهب، بدلًا من الخلافات والعداءات التي تصنعها قضايا كثيرة، كقضية الأديان والمذاهب الناسخة والمنسوخة.

ولن يتحقّق هذا المسعى إلا عن طريق أرباب الحقيقة، أصحاب دين الحبّ الذي هو من أعلى درجات الفكر الصوفيّ الكسنزاني، وهو الفكر الأعلى والأرقى الذي تحتاجه الإنسانية اليوم، وهو أصل شريعة المُحمّديين الحقيقيين، لأن تعاليم سيدنا محمد، صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، هي نهر الحب العظيم الذي لا يزول ولا ينقطع، وتصبّ فيه شلالات التعاليم الروحية للحقيقة المحمدية النورانية المباركة، وهي عين التعاليم الموسوية والعيسوية والإبراهيمية، ولكل الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وهي تتوارث مستمرة بالأذن الرباني في أيدي السلسلة الذهبية النورانية المباركة لمشايخ الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، أصحاب رسالة الإرشاد والحب والذوق الروحي الراقي الصوفي والعرفاني النوراني، حيث تنتهي ضمن إطار هذا الحبّ كل مظاهر الاختلاف التي تسبّب الخلاف ثمّ العداء فالاقتتال بين الأديان والمذاهب والقوميات، لتلتقي الأرواح بالأرواح في بحر الحبّ الجامع، وهذه هي حقيقة وجوهر رسالات الأنبياء والمرسلين وكمالات الأولياء والصالحين، التي تنطلق من رؤية شهود الحقّ في كلّ الصوَر، وبالوحدة الرّوحيّة من دون حلول أو اتّحاد، بين كلّ الأديان والمذاهب والقوميات، وعقيدة الحبّ التي دائما يؤكد عليها مشايخ الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، ومنهم الخليفة السلطان محمد المحمد الكسنزان الحسيني قدس سره.

وكذلك الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان الحسيني، قدس سره، رئيس الطريقة العلية القادرية الكسنزانية في العالم، حيث يؤكد دائما ويقول: "إن رسالة الحب والإيمان الإلهية تجمعنا" لأنّها تعترف وترحّب بالآخر، والانفتاح على الجميع، لما فيه خير ونفع البشرية، وعليه فإن التصوف الكسنزاني يؤكد ضرورة إحياء أدب الحب ونشر قيم المحبة والسلام والتسامح والإيمان بين الناس، لأنّ هذا هو السبيل الوحيد والأفضل والأرقى في عصرنا اليوم، وهذا يؤدي إلى إصلاح النفوس البشرية، وبناء الإنسان، والتصوف الكسنزاني هو صمام الأمان والاستقرار للمجتمعات العالمية..
وصلى الله على سيدنا محمد، الوصف والوحي والرسالة والحكمة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.