رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ما وراء الخبر
الأحد 28/مارس/2021 - 04:48 م

«تراث الاستعلاء».. دور الحركة الإسلامية في إشاعة النفور تجاه الديانات الأخرى

«تراث الاستعلاء»..
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34453

في كتابه "تراث الاستعلاء.. بين الفولكلور والمجال الديني"٬ والذي تأهل اليوم للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب٬ في فرع التنمية وبناء الدولة٬ ضمن دورتها الخامسة عشرة لعام 2020-2021- يذهب مؤلفه الدكتور سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للثقافة، إلى أن ملامح تراث الاستعلاء تبدأ داخل التراث الشعبي بصور التمييز الثقافي بين البشر؛ حسب خصائصهم وانتماءاتهم والتعالي على الآخرين بمقتضى اختلافهم، ومع ظهور التمايزات الاقتصادية الحادة تنشأ صور من الاستعلاء تميز بين الناس على أساس المكانة والحظوة الاقتصادية.

ويصل التمييز الثقافي إلى أقصاه في حالة الاستعلاء الديني، في حين تتولى حركات دينية تأصيله من قلب التراث الديني وتفعيله في الواقع بالقوة والوصاية الدينية أملا في استعادة مجتمع متخيل ليس له حدود.

وحول ملامح تراث التعصب الديني المتبادل بين المسلمين والأقباط، يؤكد المصري: نظرا لوجود قواسم مشتركة في الثقافة الشعبية المصرية بين المسلمين والمسيحيين في المعتقدات والعادات والتقاليد والأدب الشعبي والفنون الشعبية والثقافة المادية٬ فإن حدة الفجوة بين الطرفين حديثة نسبيا٬ وقد ازدادت عمقا في السنوات الأربعين الأخيرة مع انتشار تيارات الإسلام السياسي بعمق داخل المجتمع المصري.

وحسب نتائج استطلاع رأي حديث لمركز «بصيرة»، فإن نسبة الذين يؤيدون أن تفرض الغالبية المسلمة ثقافتها وقيمها على الآخرين، بمن فيهم المسيحيون، تصل إلى 25% وأغلب هؤلاء من الذكور٬ وفي المرحلة العمرية من 31 إلى أقل من 50، وفئة التعليم المتوسط٬ وهي نسبة ليست بالقليلة٬ وتعبر بصورة أو بأخرى عن قطاع من السكان لديه ميول تعصبية تنكر حق الآخرين في أن يعبروا عن معتقداتهم بحرية.

ويلفت إلى أنه في مسح عن التحول الديمقراطي عبّرت النتائج عن أن من يؤيدون حصول غير المسلم على حقوق أقل بلغت نسبتهم 12%، أغلبهم من الريف٬ ومن فئة التعليم الأقل.. ونظرا لعدم وجود نصوص قانونية صريحة تكرس استبعاد المسيحيين فإن مشاعر التمييز ضدهم تظل قائمة في فضاءات ثقافية٬ ولهذا ليس غريبا أن تجد بعض الناس يشير إلى طبيب كفء بالقول: "ده مسيحي.. بس كويس"، ما يعني إقرارا بالجدارة مع بقاء الاعتقاد في الازدراء الديني٬ وأن يكون الأدني في المنزلة متمتعا بالكفاءة٬ وهو أمر مثير للتأمل ويندر وجوده إلا في المجتمعات التي تتفشى فيها العنصرية بقوة٬ وقد دعا ذلك البعض إلى التهكم على هذا التعبير واصفا المجتمع المصري بأنه "عنصري بس مش واخد باله".

وفي هذا الصدد يوصف الأقباط، كغيرهم من الديانات الأخرى٬ بأوصاف لا تخلو من التمييز٬ حيث يطلق عليهم في الثقافة الشعبية "النصاري" الذين يوصفون بأنهم قوم منعزلون٬ لهم إيمانهم الخاص لا يعلنون عنه وثابتون عليه مهما تغيرت الأقوال والأفعال٬ ومن ثم من الصعب أن تحولهم إلى إيمان أو إلى فعل مغاير على نحو ما يشير المثل القائل: "قالوا يا كنيسة اسلمي قالت اللي في القلب في القلب".. وهناك مثل عامي آخر يقول: "اللي ياكل عيش النصراني يضرب بسيفه"٬ أي أن من أكل طعامهم صار منهم، يسري عليه ما يسري عليهم٬ ويستخدم المثل تعبيرا عن انتقاد التابعين للنصارى٬ الآكلين على موائدهم٬ الموالين لهم٬ والمعادين للمسلمين٬ وهو نفس المعنى للمثل الوحيد الذي يجمع بين اليهود والنصاري٬ وهو كون المجموعتين من الغرباء وليسوا من أولاد البلد٬ قد يتبعهم الناس طمعا في أموالهم وتخفيا عن أعين الناس٬ مثل «اليهود والنصاري ولا أولاد الحارة».

ــ الحركات الإسلامية وإشاعة النفور من المسيحيين
يشدد المصري على أن انتشار الحركات الإسلامية منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي ساهم في إشاعة النفور من المسيحيين، بسبب الادعاء بكفرهم ودعوة الناس للحد من التعامل معهم في البيع والشراء والمجاملات٬ وعدم دخول المسيحي بيت المسلم٬ واقتران ذلك بخروج الملائكة والبركة من البيت ليحل محلها الشياطين٬ وعدم تناول أي طعام أعده مسيحي أو تناول الطعام مع المسيحيين٬ وعدم دخول بيوتهم٬ والتمييز بين المسلم والمسيحي في طريقة التحية ومفردات اللغة اليومية والملبس٬ وبالأخص ارتداء الحجاب وعدم اقتناء الرجال الذهب.. إلخ.

وفي هذا المناخ المعبّر عن الكراهية الدينية كان طبيعيا أن ينتشر التعبير القائل: "عدوك.. عدو دينك"، ويقصد به معاداة المسيحي بمقتضى عدم اعترافه بالعقيدة الإسلامية٬ وفي ضوء ذلك بدت مظاهر حرمان بعض الأقباط من حقوقهم في التوظيف والمناصب القيادية العامة تطفو على السطح٬ على الرغم من أن القوانين السائدة لا تنص على ذلك٬ بل تؤسس للمواطنة الكاملة٬ غير أن الثقافة السائدة المعادية للمسيحيين هي التي كانت تقف حائلا دون التطبيق العادل للقوانين في حصول بعض المسيحيين على فرص في الحياة متساوية مع المسلمين٬ وانتشرت محاولات المتعصبين الإسلاميين لفرض الدين الإسلامي على المسيحيين والتضييق على ممارسة المسيحيين شعائرهم داخل الكنائس٬ وصاحب ذلك تقييد الدولة فيما سبق لحق المسيحيين في بناء الكنائس في مقابل إطلاق هذا الحق للمسلمين في بناء المساجد٬ وفرض الثقافة الإسلامية في مقررات التعليم داخل المدارس.

وبلغت حدة التمييز أقصاها في محاولات الاعتداء على الكنائس وحرقها٬ وفي حالة المنازعات بين المسلمين والمسيحيين يسوى النزاع في جلسات عرفية٬ تباركها المؤسسات الرسمية أحيانا٬ وفيها يُجبر المسيحي المعتدى عليه على التصالح أو معاقبة المسيحي المدان بالتهجير القسري خارج بلدته.. وهناك اتهامات لم يحسم الجدل بشأنها حول قيام الإسلاميين بعرقلة الناخبين الأقباط في قرى الصعيد للتصويت في انتخابات 2012، وفي الاستفتاء على دستور 2014.