رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قاعدة بيانات
الخميس 25/مارس/2021 - 03:39 م

السمات النفسية للمتطرفين كما قدمها الراحل شاكر عبدالحميد.. رحلة فى كتابات وزير الثقافة الأسبق (تقرير)

السمات النفسية للمتطرفين
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34445

لم تقتصر مؤلفات وزير الثقافة الأسبق الدكتور شاكر عبدالحميد، الذي فارقنا قبل أيام، على تناول مجالات الفن والإبداع من منظور نفسي فقط، وإنما تطرق لتشريح ظاهرة الإرهاب والتطرف أيضا من خلال نظريات علم النفس في كتابه "التفسير النفسي للتطرف والإرهاب".

وفيه يقدم توصيفا نفسيا للذهنية التكفيرية وسمات المتطرفين النفسية، مشيرا إلى أن عددا من الباحثين يرى أن الإرهابيين يعانون من مشكلات سيكولوجية عميقة، وأنهم عدوائيون، وجامحون، ومختلون، وأيًضا سيكوبائيون (السيكوبائي شخص متبلد المشاعر يقوم بسلوكيات عدائية ضد المجتمع ولا يستفيد من خبراته ومنغلق التفكير بعيد عن المرونة شديد التصلب).

ومن الصفات الأخرى التي ألصقت بالإرهابيين أنهم يقتلون بدم بارد، وأنهم ضد الحضارة والتقدم وأشرار.. إلخ.. في الغالب يكون اهتمام الباحثين هنا متعلقا بسمات الشخصيات واضطرابها، لكن المنحى الأكثر قبولا هو ذلك الذي يرى أن الإرهابيين أفراد يعانون من مزيج من السيكوبائية والسيوسيوبائية، أي مزيج من السيكوبائية الاجتماعية النفسية.. وقد وصل الأمر لدى أتباع هذا الرأي أن وصفوا كتاب التشخيص الإحصائي الرابع الخاص بجمعية الطب النفسي الأمريكية والمسمى "Statistical Manual of Mental Disorder DSMV"، وصنف الأفراد الذين يعانون، من مثل هذا الاضطراب، على أنهم يعانون من اضطرابات شخصية معادية للمجتمع، وأنهم يميلون إلى الانتهاك والاستيلاء على حقوق الآخرين بالقوة وأنهم يفشلون في الشعور بالتعاطف مع ضحاياهم.

هكذا صنف بعض الباحثين أمثال كوبر وبيرسي، خلال سبعينيات القرن الماضي، تحت الفئة التشخيصية الخاصة بالسوسيوباثية Sociopathy.. وقال باحثون آخرون إن النرجسية شائعة بين الإرهابيين، ويتجلى ذلك من خلال شكل ملابسهم، وأغطية رءوسهم، وأعلامهم، ورموزهم الخاصة، وطرائق عيشتهم، وتعبيراتهم عن أنفسهم من خلال صور خاصة يبثونها على المواقع الإلكترونية وغير ذلك من الأمور.. وعلى نقيض ذلك يقول باحثون آخرون إنه لا توجد سمات خاصة تميز الإرهابيين عن غيرهم، وإن أكثر أهمية من الصفات السابقة هو ذلك المنطق السيكولوجي الذي يقومون بتكوينه، وذلك من أجل تبرير تلك الأفعال التي يكونون مدفوعين سيكولوجيًا للقيام بها.

هكذا ينجذب الأفراد، في ضوء هذا الرأي، إلى الإرهاب من أجل القيام بسلوكيات عنيفة، يبررونها من خلال ذلك المنطق الخاص الذي يقف وراء أفعالهم، والذي يمتد بجذوره بعمق في تكوينهم السيكولوجي والاجتماعي ويعكس خطابهم الخاص المبررات لأفعالهم العنيفة.

ويقول آخرون أيًضا إنه لا يوجد ما يمكن أن نسميه «الشخصية الإرهابية»، لكن هناك تلك الاستعدادات الشخصية التي تكون موجودة لدى بعض الأفراد، مثل الميول إلى العدوان أو المخاطرة أو غيرها، والتي تتفاعل عبر عمليات التربية مع الظروف البيئية والدينية، فتجعل شخصا ما يميل إلى مثل هذا السلوك المتطرف العنيف.. وقد وجدت دراسات أخرى أن شيوع الأمراض العقلية والسيكوبائية واضطرابات الشخصية بين الإرهابيين لا يفوق ظهور مثل الاضطرابات لدى غيرهم من الناس.

هكذا يرى بعض الباحثين أيًضا أن وصف البعض للإرهابيين بهذه الصفات السلبية إنما يمثل محاولة لإلصاق وصمات نفسية مرضية خاصة بهم، ويمثل أيًضا نوًعا من الابتعاد عن الطريق الصحيح، الذي قد يوصلنا إلى نوع من الفهم، الأكثر دقة، لهذه الظاهرة الخطيرة المنتشرة في العالم، الآن، خاصة عندما نجد أن سلوك القتل الوحشي، العنيف، قد يقوم له أفراد لا ينتمون إلى مثل هذه الجماعات (أعمال القتل والعنف في المدارس الأمريكية مثلا، حادث ملهى المثليين الذي وقع في شهر يونيو 2016 في الولايات المتحدة مثلا).. إن مثل هؤلاء الأفراد قد تكون لديهم دوافع للقيام بالسلوك العنيف، وقد تكون دوافع فردية خاصة، ولا تتماثل مع تلك الدوافع الجماعية التي تحفزها معتقدات وقيم وأهداف واستراتيجيات خاصة ببعض هذه الجماعات.

ويضاف إلى ذلك كله أن الجماعات الإرهابية نفسها تتسم بنوع كبير من السرية والحيطة والحذر؛ بحيث إنها تتجنب كثيرا أن تقوم بتجنيد أفراد يعانون من اضطرابات نفسية؛ حتى لا يمثلوا خطرا يفضح أسرارهم وخفاياهم في أية لحظة وعلى نحو غير متوقع.

كذلك قال عالم الاقتصاد "رونالد ونتروب" إنه على الرغم من وجود اختلافات كبيرة بين الحركات المتطرفة، فيما يتعلق بالأيديولوجيات التي تتبناها، فإنها تشترك، جميعها، في عدد من الخصائص التي قال إنها متشابهة بين الأصوليين اليهود ومتطرفي حماس (وفقا لمصطلحاته طبعا)، وهي:

1- يقف هذان الطرفان في موقف معارض لأي حل وسط أو تسوية تتضمن الطرف الآخر؛ حيث يعتقد كل طرف منهما أن وجوده على الأرض، وفي الحياة، يعتمد في جوهره على فناء الطرف الآخر أو إبادته.
2- يعتقد كل طرف منهما أنه على صواب تام فيما يتعلق بقضيته التي يتبناها ويدافع عنها.
3- كلاهما يتبنى استخدام العنف لتحقيق أهدافه.
4- يتسم كل طرف منهما بوجود نزعة قومية التوجه أو أممية الطابع.
5- لا يتسامح أي منهما مع المخالفين له في الرأي أو المعارضين داخل جماعته.
6- يقوم كل جانب منهما بـ«شيطنة الآخر» على أنحاء شتى.

ويتابع عبدالحميد: وهناك تفسيرات أخرى قامت بالنظر إلى التطرف على أنه أشبه بالوباء أو الطاعون، هكذا قال "أرنو جرين" إن الافتقاد إلى الهوية لدى المتطرفين عامة هو محصلة لعملية التدمير الذاتي والكراهية الذاتية التي تقودهم نحو الشعور بالانتقام تجاه الحياة نفسها، وكذلك نحو القتل لإخوتهم من البشر على نحو قهري أو أشبه بالوسواس القهري المستمر.. هكذا يمكن النظر إلى التطرف ليس بوضعه أيديولوجيا أو تكنيكا أو استراتيجية بل على أنه مرض باثولوجي يتغذى على التحطيم للحياة.

كذلك اعتقدت الدكتورة "كاثلين تايلور" أن الأصوليين المسلمين هم مرضى قابلون للشفاء.. وهذه وجهات من النظر تتسم بالسطحية والتبسيطية الواضحة، كما تفتقر أيًضا للعمق، وتبتعد كثيرا عن التفسير العلمي الصحيح؛ وذلك لأن التطرف لا يرتبط بدين دون غيره، هذا على الرغم من شيوع تلك السلوكيات المتطرفة لدى كثير من المسلمين الآن.

هناك من رأى أيضا أن التطرف هو نوع من التصريف أو التنفيس الانفعالي للمشاعر العنيفة المتراكمة التي نتجت عن خبرات مستمرة متواصلة من الكبت، والشعور بعدم الأمن، والإذلال والمهانة، والاستياء والخسارة والغضب، مما يترتب عليه ظهور حالة يفترض أنها تقود الأفراد والجماعات نحو التبني لاستراتيجيات لحل الصراع؛ يعتقدون أنها تناسب التعبير عن مثل هذه الخبرات.