رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قاعدة بيانات
الأحد 21/مارس/2021 - 05:53 م

كيف حاربت نوال السعداوي جماعات الظلام وحذرت من اللعب بورقة الإسلام السياسي (تقرير)

نوال السعداوي - ارشيف
نوال السعداوي - ارشيف
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34432

لم تكن معركة الدكتورة نوال السعداوي، التي رحلت عن عالمنا منذ قليل، قاصرة على دفاعها عن حقوق المرأة فقط، بل تعدت كتاباتها إلى تفكيك ما عرف بمشروع الإسلام السياسي، وهاجمته بضراوة في أكثر من كتاب من كتبها الكثيرة التي صدرت خلال مشوار عمرها الذي ناهز التسعين.

ومن بين هذه الكتابات كتابها الصادر بعنوان «المناطق المحرمة بالخوف والإثم»، وتشير فيه إلى أن تعبير الإسلام السياسي أصبح شائعا منذ تولي رونالد ريجان الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية وحكم السادات في مصر في السبعينيات من القرن العشرين، حيث أدت سياستهما إلى تصاعد قوى التيارات الدينية السياسية الإرهابية، ومنها الجماعات الإسلامية مثل تنظيم القاعدة وطالبان وداعش وبوكوحرام والإخوان المسلمين وحماس وغيرهم، ويجب أن ندرس تاريخ كل تيار سياسي، سواء كان إسلاميا أو يهوديا أو مسيحيا أو غيره، لنعرف كيف نشأ وما هي القوى الدولية والمحلية التي ساعدته ماليا وعسكريا.

وتوضح: «مثلا وضع الاستعمار الفرنسي خطة للسيطرة على مصر عام 1798، سميت المخطوط السري لغزو مصر، من تأليف الفيلسوف الألماني ليبنز، الذي رأي أن الدين سلاح مهم لضرب الشعوب لا يقل أهمية عن السلاح العسكري، تعلم ذلك من الحروب المسيحية في أوروبا خلال القرون الوسطي، وكان نابليون بونابرت قد تعلم ذلك أيضا وتوجه إلى مصر يغزوها عسكريا واقتصاديا معلنا في الأبواق للشعب المصري هذه العبارة "الفرنساوية أيضا مسلمون مخلصون" وكاد يعلن إسلامه رسميا من أجل خداع الشعب».

وتتابع السعداوي: «تمرس الاستعمار البريطاني في استخدام الدين لخداع الشعوب، لا ننسي مقولة الفلاحة الإفريقية "جاء الإنجليز إلينا فأعطونا الإنجيل وأخذوا الأرض"، وتعلمت إسرائيل الدرس من الإنجليز، وشجعت حركة حماس الإسلامية لضرب حركات المقاومة الشعبية الفلسطينية، ومنها منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، وورث الاستعمار الأمريكي الجديد خبرة الاستعمار البريطاني القديم، في استخدام الإسلام كأداة في الصراع السياسي والعسكري لإشعال الفتن الطائفية في العالم العربي، وتم استخدام الدين في السياسة في كل مراحل التاريخ البشري منذ نشوء الدين».

وتضيف: «لو درسنا اليهودية والمسيحية والإسلام أو غيرها ندرك أنها حركات سياسية واقتصادية منذ البداية، وكان حاكم الأرض يسيطر على الشعب متنكرا في صورة الإله السماوي، ويلعب الكهنة أو رجال الدين دورا في تجهيل الشعب بالتربة الدينية والإيمان الأعمي منذ الطفولة، ولو درسنا الكتب الدينية الثلاثة التوراة والإنجيل والقرآن ندرك أنها كتب سياسية أساسا تتخفى تحت كلمات الرب، وتعجز عقول الشعوب عن كشف الخداع بسبب نظم التربية والتعليم منذ الطفولة، وقد يكتشف العقل الناضج الخديعة لكن الإيمان الديني يظل قابعا في الوجدان أو ما يسمي الروح.. في التوراة العهد القديم هناك عهد إلهي وآية مقدسة صريحة واضحة يعطي بها الإله السماوي أرض فلسطين لبني إسرائيل مقابل قطع غرلة الذكر، هذه العملية الجراحية التي تسمي ختان الذكور، والتي ثبت طبيا أن لها مضاعفات وأضرارا صحية واجتماعية متعددة».

وتقول: «احتلال أرض فلسطين بالسلاح هو عمل سياسي اقتصادي عسكري يتم تبريره دينيا كعهد إلهي في كتاب التوراة.. فرض الحجاب أو النقاب للنساء ونسب الأطفال للأب هذه ممارسات سياسية اقتصادية "جنسية" تتم تحت اسم الدين، وقضي أبي عمره يدرس الأديان في معاهد متعددة منها الأزهر ودار العلوم والقضاء الشرعي والمعلمين العليا إلى جانب قراءاته خارج المقررات، لم يدرس الإسلام فقط بل درس الأديان السماوية وتاريخها وبعض الأديان الأرضية منها البوذية والهندوكية، وقرأ للفلاسفة والشعراء ومنهم ابن سينا والجاحظ وابن رشد والمتنبي وأبونواس وبشار بن برد وأبوالعلاء المعري وطاغور وجبران وطه حسين وغيرهم، وكنت أستمع إليه بسرور وبهجة لأن كلامه كان يملؤني بعزة النفس كإنسانة، يختلف تماما عما أسمعه من مدرسي الدين والمشايخ في الراديو والجوامع، وينقبض قلبي لكلامهم عن المرأة وتغرقني المهانة، وكان أبي يقول: "جوهر الأديان واحد.. يتسق مع العقل والعدل والصحة والحرية والسعادة والإبداع والجمال والحب والكرامة للإنسان الرجل والمرأة على السواء".. لكن المدرسين والموظفين في الحكومات وفي المؤسسات الدينية في جميع الدول من الكهنة والحاخامات والقسس والمشايخ والأولياء ينصرفون لخدمة القوى السياسية المسيطرة، يتجاهلون جواهر الأخلاق (العدل والمساواة والكرامة والحرية) إلى الاهتمام بالطقوس الدينية واللحية والحجاب والكهنوت والهيكل واللاهوت، لهذا يغرق العالم في الحروب الدينية السياسية في آن واحد، ولا تنتهي الصراعات بين المصالح والمذاهب والعقائد والسياسات والنصوص المقدسة المحفوظة عن ظهر قلب، القائمة على التفرقة بين البشر عرقيا وجنسيا ودينيا وقوميا وطبقيا وعضويا وطائفيا».

وتختتم السعداوي: «أخذت عن أمي وأبي منذ الصغر حب القراءة والاستطلاع والسفر والبحث في التاريخ والعلوم والفنون، عشت في الهند خلال السبعينيات من القرن العشرين، وقابلت الأدباء والأديبات منهن كاملة داس وأمريته بريتام، قابلت أنديرا غاندي وناقشتها في أفكارها، تمددت مع الهنود فوق المسامير، عشت بعض الليالي القمرية في أشرم غاندي، قابلت فيلسوفة هندية في الأشرم، وقالت لي: "لم يفرق غاندي بين الدين والسياسة، وقال لو أراد الله أن يؤمن به الهنود فلا بد أن يظهر لهم على هيئة رغيف الخبز"، عكفت عدة أيام في نيودلهي أقرأ كتاب "الجينا" وهو فلسفة الدين الهندوكي والمنبع الذي نهل منه كثير من علماء النفس والسياسة في العالم الحديث، لكن تظل الفلسفة الدينية وإن تقدمت عاجزة عن مواكبة التقدم السريع في العلوم، ويظل الدين سلاحا في الحروب الطبقية الأبوية العنصرية حتى اليوم».