رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الخميس 04/مارس/2021 - 12:48 ص

باحث باكستاني: «الصوفية» جسر يربط بين الإسلام والعقائد التي كانت سائدة قبل ظهوره (2ــ 2)

باحث باكستاني: «الصوفية»
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34371

يواصل الباحث الباكستاني دليب هيرو، في كتابه "الأصولية الإسلامية في العصر الحديث"، رصد دور الصوفيين في دعوات تجديد الخطاب الديني، موضحا أن حسن البصري كان أول شخصية صوفية عرفت في التصوف الإسلامي، والذي اتخذ طريق الزهد والتقشف البسيط، وفي ذلك الوقت ظهر نوعان من الصوفيين: المتقشفون والمتأملون، وأعلن الصوفي المتقشف الحسين بن منصور الحلاج: "أنا الحق أنا الله"، فتم تنفيذ الإعدام فيه على أساس أنه كافر ومتمرد على التعاليم الاسلامية.

وكان أبوحامد محمد الغزالي هو أشهر المتصوفين المتأملين، وكانت أول طريقة صوفية هي القادرية، وقد أسسها عبدالقادر الجيلاني، وانتشرت طريقته فيما بعد إلى مسافات بعيدة حتى إنها وصلت إلى غرب إفريقيا وجنوب شرق آسيا، وفي غياب أي منظمة اجتماعية خارج نطاق الأسرة الموسعة نجد أن الطرق الصوفية قد قدمت البرنامج الاجتماعي، إذ كانت الطريقة الصوفية تتكون من المريدين أو الدراويش الذين يحلفون اليمين بالولاء والإخلاص للشيخ الخاص بهم، وشيخ الطريقة يكون مرتبطا بسلسة من البركات الموروثة أو القرابة من الشيخ المؤسس للطريقة الصوفية، وتلك السلسلة ترجع إلى أوائل الصوفيين المؤسسين مثل حسن البصري، ومن خلالهم ترجع إلى بيت النبي أو النبي محمد نفسه.

ونظرا لأن الطرق الصوفية عادة ما كانت تخلو من التأثيرات الطائفية فإنها أصبحت تتلقى وتستقبل الطاقة الذهنية والثقافية التي كانت تستهلك من قبل في النزاع السني الشيعي، وهذا بدوره أعطى نوعا من التنشيط للصوفية، ومنذ منتصف القرن الـ12 فصاعدا أصبحت الصوفية منتشرة في كل مكان حتى إنها صارت مندمجة داخل التيار الرئيسي للإسلام بحيث يتعذر تمييزها عن ذلك التيار، إذ توقف الصوفيون عن الابتعادعن السياسة وانهمكوا في الحملات السياسية والعسكرية، مثال ذلك أن الدراويش الصوفيين شاركوا في عام 1453 في الاستيلاء الناجح على القسطنطينية، كما قامت الطريقة الصفوية الصوفية المتمركزة في أردبيل بالاستيلاء على تبريز عام 1051، ووضعوا الأسس لأسرة الصفوية الملكية في إيران.

ويشير "هيرو" إلى أنه كان هناك دائما توتر بين الفقهاء المدركين للدور الذي يقومون به من حيث هم "فقط" المرشدون الروحيون الوحيدون المؤهلون لذلك، ومشايخ الطرق الصوفية الذين يعتمدون على نداءات تهبط عليهم من الله أو من الرسول من خلال حلم أو رؤية وتدعوهم إلى الاضطلاع بمهمة القيادة الروحية دون أن يكونوا بحاجة لتلك الدراسات العميقة الشاقة للكتب المقدسة التي يقوم بها الفقهاء.

وتابع: كان للقوى العجيبة الموروثة التي تمتع بها مشايخ الصوفية بليغ الأثر في الاعتقاد بقدسيتهم التي تظل متواجدة عقب وفاتهم عند القبور الخاصة بهم التي تحولت إلى أضرحة تمارس عندها طقوس تقديس المشايخ، مما كان يسبب القلق والهم لدى الفقهاء، وعدوها هرطقة وبدعة في الاسلام، إلا أنها لاقت تأييدا كبيرا من جانب الناس الجدد الذين اعتنقوا الاسلام والذين ينتمون لمجتمعات متعمقة في مثل تلك التقاليد، وهكذا نرى أن الصوفية أصبحت بمثابة جسر يربط بين الإسلام والعقائد التي كانت سائدة قبل ظهوره، مما ساعد على دخول الكثيرين من الناس الجدد في الإسلام، هذا بالإضافة إلى أن الفقهاء التقليديين كانوا يعجزون عن أن يقدموا للشخص المؤمن نموذجا للسلوك الاجتماعي، أما مشايخ الصوفية فكانوا يلائمون الأحكام الشرعية بالعادات والتقاليد المحلية، في حين كانت الطقوس الإسلامية صارمة.

وشدد هيرو على أنه بوجه عام نجد أن الطرق الصوفية قدمت إطارا تمارس فيه طقوسا دينية غنية بالألوان ونابضة بالحياة، مليئة بالغبطة والنشوة الدينية التي تلائم معتنقي الإسلام الجدد، فالطريقة الرفاعية الصوفية التي نشأت في بغداد هي نموذج يعبر عن ذلك تماما، فأتباع هذه الطريقة كانوا يدخلون في نوبات يقومون خلالها بركوب حيوانات خطيرة أو يمشون داخل النار ويهاجمون الثعابين السامة لكي يظهروا مدى سيادة الروح على المادة.

ومع اتصال الإسلام بالحضارات المتقدمة، مثل الهندوسية والبوذية، قامت الطرق الصوفية مثل النقشبندية والقادرية بهمزة الوصل بين الهندوسية التي تنادي بتعدد الآلهة والإسلام الذي ينادي بالتوحيد من أجل أن يكسب المزيد من المعتنقين الجدد، ونظرا لأن النقشبندية ازدهرت في طاجيكستان فقد شقت طريقها عبر التتار المعتنقين للدين الاسلامي، وقد أقرت الطرق الصوفية وأيدت نظرية "وحدة الوجود" التي أعلنها بوضوح محيي الدين بن عربي.

فوفقا لما أورده بن عربي، لا توجد هناك ثنائية بين الله والكون الخاص به، ولقد قام مشايخ الصوفية بالهند في التوسع في نظرية بن عربي، حيث ذهبوا في تقديراتهم إلى أنه ما دام الله هو الحقيقة الوحيدة فإن كافة الأشياء المادية ليست سوى مظاهر، وهذه فكرة تشبه كثيرا المفهوم الذهني الهندوسي، وعلى ذلك النحو قام مشايخ الصوفية بتشييد كوبري ثيولوجي ديني أتاح الفرصة أمام الهندوس الساخطين المتمردين للعبور عليه إلى الإسلام وتوليف بعض الممارسات السابقة على الإسلام مع الممارسات الإسلامية.

كما وصلت عملية التوليف هذه إلى أوجها في عهد جلال الدين محمد الأكبر، الذي قدم الرعاية والتشجيع لمشايخ الصوفية وكان وثيق الصلة مع الطريقة الشستية التي اشتهرت بسعة أفقها ووجهة نظرها العالمية، وقد بذل محمد الأكبر محاولات للتغلب على الفوارق بين الهندوسية والإسلام وذلك من خلال تطبيق المساواة التامة بين رعاياه من الهندوس والمسلمين، وهو أمر يتعارض مع الشريعة الإسلامية بل لم يسبق أن قام حكام مسلمون من قبل بتطبيق مثل هذه المساواة التامة، وتغلب على هذه المشكلة بأن قال عن نفسه إنه "رئيس المجتهدين في الإسلام أو أعظم الممارسين للاجتهاد في الإسلام".

وبذلك يكون هو الذي ألغى ذلك الحظر الذي فرضه الفقهاء منذ القرن العاشر، فقام بتغيير فقرات من الشريعة التي وردت بها تفرقة ضد الرعايا من غير المسلمين، ثم قام بإلغاء ضريبة الرءوس "ضريبة تفرض على كل شخص من البالغين ممن لم يدخل الاسلام"، وأعلن أن النساء الهندوسيات لسن في حاجة إلى اعتناق الإسلام عندما يتزوجن من المسلمين.

ونظرت دوائر الفقهاء إلى اجتهاد محمد الأكبر على أنه بدعة وخروج عن الخط الإسلامي القويم، وكان من المحتم أن ينجم عن ذلك ردود فعل أصولية، وحدثت بالفعل، وقادها شيخ نقشبندي يسمى "الخواجة أبوالمؤيد راضي الدين باقي بالله" وتلميذه الشيخ "أحمد سير هندي"، وألقي باللوم على نظرية "وحدة الوجود" التي نادي بها محيي الدين بن عربي مكررا نفس موقف النقشبندية القائل بأن السبيل الوحيد لإدراك الله يكون من خلال الشريعة، وهو نفس الكلام الذي سبق وقاله من قبل أبوحامد الغزالي من خلال النظرية التي نادي بها وهي "وحدة الشهود".. وقصاري القول إن سير هندي يرى أن الشريعة لها اليد العليا سواء في الممارسات والتجارب الصوفية الجوانية للمؤمن أو في ممارساته وتجاربه الخارجية، وهذا الرأي قد منع تواجد أي فرصة للمصالحة بين الإسلام والهندوسية.

وهكذا نرى أن سير هندي قد كبح جماح الاتجاهات التوليفية في المجتمع الإسلامي الهندي، ووضع طابعا قويما راشدا على الإسلام في الهند، وبذر بذور "الطائفية الإسلامية" التي نجم عنها عقب مرور 350 عاما خلق دولة باكستان لكي تكون دولة خاصة بالمسلمين في شبه القارة الهندية.

وعلى الجانب الآخر، ظهر "شاه ولي الله"، حاكم مدينة دلهي، وهو شيخ نقشبندي نادى بالتركيز على المزيد من الإصلاح الديني الإسلامي، وكان يعتقد أن جوهر الإسلام له طابع الخلود والأبدية ولكن ممارساته التفصيلية ليست لها ذلك الطابع ومن ثم تظهر الحاجة إلى اللجوء إلى الاجتهاد باستمرار، وهو موقف يتعارض تماما مع المؤسسة الدينية، واقترح عمل مراجعة وتمحيص دقيق للمذاهب الأربعة السنية وفقا لنصوص القرآن والسنة، وهذا الاقتراح في حد ذاته يتخذ طابع الأصولية، ولكي يتيح الفرصة أمام المسلمين المتعلمين العاديين الذين يعتمدون على الفقهاء وأئمة المساجد المحليين في توجيههم وإرشادهم للدخول في اتصالات مباشرة مع القرآن فإنه قام بترجمة القرآن إلى اللغة الفارسية التي هي لغة المثقفين المسلمين، وكانت هذه الخطوة هي الأولى من نوعها حيث لم يسبق لأحد أن قام بترجمة القرآن حتى ذلك الوقت.. ويبقي الأهم أنه أشار إلى أنه سيكون هناك حاجة مستمرة إلى اللجوء إلى الاجتهاد لمواجهة المشكلات الجديدة التي ستظهر في الأفق مع توسع الأمة الإسلامية وازدهارها وتقدمها، وربما كان هو أول مفكر إسلامي يتحدث بصراحة عن ضرورة أن يتفاعل الفكر الإسلامي مع الظروف الاجتماعية المتغيرة.