رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الأربعاء 10/فبراير/2021 - 04:18 م

«لماذا تركتهم؟».. مذكرات شاب إخوانى منشق: «عشت في أوهام.. وتصريحات الجماعة العنترية ضللت عقولنا» (3)

يسرد عبدالمعطى أحمد
يسرد عبدالمعطى أحمد رجب
aman-dostor.org/34304

ينشر «أمان» على مدار سلسلة من الحلقات اعترافات لشباب منشق عن تنظيم الإخوان الإرهابى، يكشفون فيها كيف انضموا للجماعة وسبب تركهم لها، بالإضافة إلى العديد من الأسرار التى تمكن الشباب من مواجهة فكرهم المتطرف وتحصين أنفسهم من الوقوع فريسة للإرهاب.

وفى الحلقة الثالثة، يسرد عبدالمعطى أحمد رجب، المنشق حديثا عن الإخوان، تجربته قائلا: «الجماعة الإرهابية كانت تنظر لمخالفيها من داخل التيار الإسلامى نفسه بأنهم "أمنجية" فلك أن تتخيل نظرتها تجاه التيارات غير الإسلامية.. فقد كانت مرحلة مليئة بالزيف والادعاءات الكاذبة».. وإلى نص اعترافه كما أرسله لـ«أمان»:

يعيش الإنسان مرة واحدة، فإما أن يحياها متسقا مع أفكاره ومبادئه التي يؤمن بها وإما أن يحياها تائها تتقاذفه الآراء يمنة ويسرة، وقتها لن يجد الإنسان نفسه بل ربما يخسرها للأبد، فمن أصعب الاشياء التي قد تمر على الإنسان أن يحيا الأوهام على أنها حقائق والاحلام على أنها واقع والسراب على أنه ماء.

في شريط الذكريات أقف متأملا أحاول نسج مواقفي التي مرت علىّ وكيف كنت وقتها وكيف كان حالي في تجربتي مع الاخوان، التي عشتها أجزم أني عشت الأوهام بل وساهمت في تصديرها للآخرين.. والمشكلة أني كنت مرة مقتنعا بما أقوله، سواء الشيء ونقيضه.

وما أقسى على النفس أن يجمع الإنسان بين المتناقضات ويوهم الناس بأنه في كلا الأمرين على صواب.. وكم من شباب صاغوا الحجج على قضية ما، ولما أتى عكسها أجهدوا ذهنهم لاختراع حجج أخرى مخالفة لما كان قائما.

ولا يوجد أقرب من مثال إلا انتخابات الرئاسة المصرية في 2012، حينما خرج المرشد العام للاخوان محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر للإعلان عن قرار عدم ترشح الاخوان للرئاسة ولا الدفع بأي من أعضائها للمنصب.. ولم يكن الاعلان مجردا حتى يتم تغييره بل كان إعلانا له حيثيات قوية منها أن الاخوان غير جاهزين بمفردهم لتحمل عبء الفساد الذي استمر 30 عاما، فضلا عن محاربة ما يسمي الدولة العميقة، بالاضافة إلى أن المجتمع الدولي غير مهيأ لأن يتولى أحد الإسلاميين الحكم في دولة محورية كمصر، مضيفا أن مصلحة مصر تقتضي هذا القرار.

حيثيات في ظاهرها بعد نظر وقراءة للواقع.. وقتها طرنا فرحا بمدى عقليات قياداتنا ومدى قراءتهم العميقة للمشهد وجعلنا نتداول هذه التصريحات من باب الفخر احيانا ومن باب طمأنة المخالفين لنا من التيارات الأخر الذين اتهمونا بالرغبة في الاستحواذ على كل شيء في مصر وعدم ترك الفرصة لغيرنا.. كنا وقتها نتغنى بحكمة القيادات ورجاحة عقولهم وفطنة مواقفهم وأنهم رجال المرحلة، كما ادّعى بعض المشايخ وقتها في تصريحات عززت لدينا الثقة.

لم يمر سوى شهور قليلة حتى تغير الوضع واتخذ الإخوان قرارهم المتسرع بالترشح للرئاسة تحت دعاوى أن الدولة تحاربنا وأن بعض المرشحين المستقلين، كالمستشارين الغرياني وطارق البشري، الذين عرض عليهم الاخوان الترشح للرئاسة رفضوا الأمر، وأن الدولة عازمة على حل مجلس الشعب، ووقتها سيكون الاخوان "لا طالوا بلح الشام ولا عنب اليمن" وضاع منهم مجلس النواب وسيضيع كرسي الرئاسة بناء على موقهم السابق.

وقتها حشدنا الجهود وأبرمنا العزم على التبرير للموقف الجديد تحت دعوى تغير الظروف، وليت شعري أي ظروف تغيرت في أقل من ثلاث أشهر أو يزيد قليلا، هل تم تهيئة الجماعة لمواجهة فساد الثلاثين عاما؟! أم أن الغرب أصبح مهيئا للحكم الاسلامي كما كان يروج القيادات؟

ما أصعب على الإنسان من أن يغيب عقله ويسير مثل القطيع بلا منطق ولا تفكير، وما أشق على النفس وأجهد للبدن أن يوضع الإنسان تحت مقصلة التناقض.

لم يكن هذا الموقف هو الأول من نوعه بل سبقه موقف آخر في 2010، عندما اتخذ الرئيس السابق قراره بإلغاء الاشراف القضائي على الانتخابات، وقتها ساد في أوساط شباب الاخوان أن الموقف الطبيعي والمنطقي والذي لا خلاف عليه هو القرار بمقاطعة تلك المسرحية الهزلية المعروف سلفا نتائجها، وكان كل من يقابلنا ويسألنا عن الانتخابات كنا نتكلم بلغة الواثقين أنه لا سبيل ولا قرار منطقي سوى المقاطعة، إلى أن أتى قيادي كبير من المحافظة كي يقنعنا بقرار الجماعة الجديد ألا وهو المشاركة!

كانت جلسة ساخنة في النقاش، فمعظم الحاضرين غير مقتنعين بهذا الرأي بتاتا، وكانت حجج المسئول ضعيفة جدا.. وفي نهاية هذا اللقاء أعلن المسئول أن الاخوان أخذوا شورى على الأمر ووصلوا لقرار المشاركة، وكانت أسئلتنا: أي اخوان هؤلاء ونحن جزءا منهم ولا يوجد من يوافقك في هذا الطرح، وقتها، كان الرد: "إخوانكم اللي فوق أكثر رؤية وأفقة منكم وعارفين كل حاجة".

وكم فعلت مقولة "إخوانكم اللي فوق" بنا الأفاعيل.. كم اتخذناها قاعدة ورسخت داخلنا الثقة المطلقة وسلبت عقولنا وعطلت تفكيرنا طالما من فوقنا اكثر دراية وأنضج فكرا وما نحن إلا قطيع يساق أو أحجار شطرنح يحركها هؤلاء.

ظلت حالة التغييب والمخدرات الفكرية والتنظيمة قائمة لم تغب في أي حدث من الأحداث، حتى جاءت أحداث ما قبل 30 يونيو، وقتها تم شحن العواطف وتهيجة المشاعر للدفاع عن الرئيس والذود عن حياض "المشروع الإسلامي"، كنا نتساءل دائما عن موقف أجهزة الدولة وبالأخص موقف وزير الدفاع، آنذاك، الرئيس عبدالفتاح السيسي من الأحداث.. كانت الإجابات تأتي بلغة الواثقين: "اطمئنوا الجيش مع الرئيس وكل شيء معمول حسابه".

وقتها ومن فرط الثقة رفعنا شعارات رنانة بأن الرئيس مرسي خط أحمر وأن الشرعية دونها الرقاب وأننا جميعا مشاريع شهادة!

أقف الآن مندهشا من كم السذاجة والجهل التي كانت تسيطر على تفكيري وقتها.. مشاريع شهادة ضد من؟!.. وأي جيش هذا الذي سيقف يدافع عن شخص مهما كان منصبه في مواجهة أغلبية شعبية حقيقية؟

وما كانت تلك السذاجة إلا نتاج للمعلومات المضللة والشعارات البراقة التي خدعتنا ولا زالت تخدع الكثيرين منهم وينساقون خلفها.

مرت الأحداث سريعا، وفوق منصة رابعة العدوية تقف القيادات المتهورة تطلق قذائف التصريحات التي توهم كل المعتصمين بأن الوضع مطمئن، وأن الرئيس سيكون في قصره قريبا جدا، وأن المسئولين في الدولة يتذللون لهؤلاء كيف يقبلون الجلوس معهم لكن القيادات هي من تضع الشروط وترفض تلك المقابلات.

مثل تلك التصريحات الكارثية كانت تتنزل على مسامعنا وكأننا قاب قوسين أو أدني من النصر، مما يدفعنا للتصعيد لآخر نقطة حتى وصلنا للمعادلة الصفرية مع الدولة، فدفع ثمن تلك التصريحات أرواح كثيرة أزهقت من الشعب ومن الجيش والشرطة.. أرواح برئية كانت ثمنا لحسابات خاطئة ومتهورة وكارثية لم تكن تصب في مصلحة مصر وشعبها أكثر مما كانت تصب في مصلحة التنظيم.

حتى خرج حمزة زوبع، أحد قيادات الاخوان، وفي لحظة صفاء، معترفا بأن اعتصام رابعة لم يكن بمقدوره إعادة الرئيس مرة أخرى، وما كنت شعارات "مرسي راجع وقريبا سيكون في القصر" إلا من باب الضغط على النظام للحصول على مكاسب سياسية من التفاوض.

وليت شعري من يتحمل كل تلك الدماء التي كانوا سببا فيها من كل تلك التصريحات العنترية التى ضللت عقول الأتباع وألبستهم ثياب الوهم؟ وبأي حق وأي صفة استحلوها لتحقيق مآرب سياسية؟! فمن المقرر شرعا وقانونا أنه كما أن هناك قتلا عمدا فإن هناك قتلا بالتسبب، وما أكثر ما تسبب فيه هؤلاء من دماء كان يمكن حقنها لو أنهم قدموا مصلحة الوطن على مصلحة الجماعة.

قد يستسيغ البعض الحياة داخل فقاقيع الأوهام من أجل تحقيق بعض المكاسب المعنوية وإضفاء حالة من النشوة والإنجاز على بعض أفعاله ومواقفه، قد يكون هذا مقبولا لبعض الوقت، أما أن يكون مآل تلك الأوهام هو تدمير الوطن وإراقة الدماء فهذا هو العبث بعينه والمتاجرة بأحلام وأرواح الناس، والذي لم ولن يكون مقبولا دينيا ولا سياسيا ولا قانونيا.