رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الأحد 07/فبراير/2021 - 03:20 م

«أمريكا وحركات الإسلام السياسي» يكشف كيف وظف جورج بوش الدين لخدمة السياسة

«أمريكا وحركات الإسلام
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34293

في كتابه «أمريكا وحركات الإسلام السياسي»، الصادر عن دار العربي للنشر والتوزيع، يذهب الباحث أيمن محمود السيسي إلى أن صانع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية وقع تحت تأثير الدين عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، مشيرا إلى أن العلاقة بين الدين والسياسة متشابكة، فبالرغم من أنهما يفترقان في ساحة العمل فإن الأهداف واحدة، فمثلا دعم أمريكا اللا محدود لإسرائيل باعتبارها الأرض التي سيتحقق عليها القدوم الثاني للمسيح، مما يضفي أهمية على منطقة الشرق الأوسط وعمل التيارات من خلال جماعات الضغط والرأي المرتبطة بها للتأثير في السياسة الأمريكية وتفاعلاتها على المستوى الإقليمي أو الدولي، خاصة إزاء منطقة الشرق الأوسط في ظل تحالف الصهيونية والمسيحية على أساس فكرة «أرض الميعاد».

في ذات الإطار فإن التداخل بين الدين والسياسة قد يصل بينهما إلى حد تصبح معه القيم المحددة رسميا داخل النظام السياسي المحدد مستمدة من الدين أو تعبيرا عن قيم دينية في المجتمع، إضافة إلى أن القيم التي ينشئها أو يؤيدها النظام السياسي تتخللها آراء دينية.

ويوضح السيسي: من أهم القضايا التي توضح أثر الدين في السياسة الأمريكية، خاصة تجاه منطقة الشرق الأوسط والحركات الإسلامية، ما يسمى "مكافحة الإرهاب"، اكتسب هذا المفهوم أهمية بالغة خلال عهد "بوش الابن"، حيث قال المؤرخ في الجامعة الأمريكية بواشنطن آلان ليتشمان: "إن ما قام به بوش الابن من خلط بين السياسة والدين هو أمر لا سابقة له بالنسبة لرئيس تسلم الحكم من أسبوعين". 


وفي السياق يرجع تأثر بوش الابن بالدين لاعتناقه أفكار اليمين المسيحي حول المنطقة التي يعتبر الإسلام فيها مصدرا روحيا للإرهاب العالمي، ويظهر ذلك من خلال تحليل الخطابات الدينية وأدبيات الجمعيات الإنجيلية، حيث تحدث بوش خلال حملته الرئاسية للعهدة الثانية وهو يصرح بكل قناعة إيمانية: "لا يمكن أن أتصور أنني رئيس ليس لي علاقة مع الرب".

من ناحية أخرى، أحداث 11 سبتمبر وما وفرته من فرصة سانحة لتصبح منطقة الشرق الأوسط الحيز الجغرافي الذي يحقق فيه بوش الابن التفوق والزعامة.

ــ الدعم الأمريكي لإسرائيل
يتطرق الكتاب إلى خلط الدين بالسياسة الأمريكية، خاصة فيما يخص إسرائيل، موضحا: «لعب الدين في قضية الصراع العربي الإسرائيلي دورا مهما في إدارة الصراع منذ بدايته، تمثل هذا الدور فيما يسمى "الوعد الإلهي" كأساس لشرعية العودة للأرض المقدسة، فقد بدا تأثير "البروتستانتية" جليا ممثلة في حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر وكالفن، وأخذت بنظرية العصمة للكتاب المقدس، وتري أن مملكة الرب في الأرض ووعد الله المقدس لليهود وأنهم شعب الله المختار، والسعي لتطبيق الحق الإلهي بعودة يهود الشتات إلى فلسطين وتدعيمه ماديا ومعنويا من أجل تحقيق النبوءات التوراتية تحت مسمى "المسيحية الصهيونية" التي تعتبر حاملة لرسالة المصير المحتوم، مما يشي بظهور فاعلية الدين في تحديد الدعم الأمريكي لإسرائيل، وحتمية الخيار الأمريكي في المفاضلة بين مصالحه في الشرق الأوسط وعلاقته بالدول العربية دون نسيان المحدد الأيديولوجي الديني للاستراتيجية كسياق تتحرك فيه الولايات المتحدة الأمريكية.

ــ دور الدين في السياسة الأمريكية
يلفت الباحث إلى أنه عند تحليل دور الدين في السياسة الأمريكية لا بد من التطرق إلى دور مؤسسات المجتمع الداخلية في التأثير على شكل السياسة، فضلا عن العلاقة بين الدولة والمجتمع وقوة الدولة نفسها.

وبالتطبيق على دور الدين في السياسة الأمريكية، فإن الدين يمثل واحدة من أهم القضايا في المجتمع الأمريكي، فعلي الرغم من أن الدستور الأمريكي وتعديلاته يؤكد العلمانية والفصل بين الدين والدولة، فإن الدين كان وما زال عنصرا أساسيا من عناصر خصوصية المجتمع الأمريكي، فالحياة الأمريكية تخضع لنظام من القيم تتفاعل داخله العديد من الأديان، ولكن بدرجات مختلفة تفصل بينها مسافات اجتماعية واتجاهات مذهبية وفكرية تؤكد هذه التعددية.

لقد حمل المهاجرون الجدد البيوريتانيون (التطهيريون) العقيدة البروتستانتية التي كانوا يحاولون تطبيقها في إنجلترا، ولكنهم طردوا واضطهدوا فهاجروا إلى أمريكا، ولأن المهاجرين الجدد كانوا من البروتستانت فقد كانوا قوة غالبة، فسادت كنيستهم وساد مذهبهم.

من ذات المنطق فإن تأثير الدين موجود منذ البدايات لتكوين المجتمع، فأصل المجتمع الأمريكي يعود إلى المستعمرات التي أسسها (البيوريتانيون) الهاربون من الاضطهاد الديني في أوروبا الغربية كي يعبدوا الله على طريقتهم الخاصة في العالم الجديد الذي طالما حلموا به، فالمجتمع الأمريكي مجتمع من المهاجرين كان الدين جزءا من تكوينهم الأيديولوجي.

لذا فإن التداخل بين الدين والسياسة أمر لا بد منه لأنهما متعلقان بحياة الأفراد والجماعات، وإن الولايات المتحدة الأمريكية إبان تولي بوش الابن الرئاسة قد وظفت الدين لأغراض سياسية، وإن فكر اليمين الديني المحافظ الأمريكي قد أصبح هو الأيديولوجية النظرية والمؤثر السياسي الرئيسي في عهد إدارة بوش الابن، فضلا عن استناد الأخير إلى قاعدة مسيحية شعبية عريضة في الولايات المتحدة الأمريكية، تؤمن بأن التوراة هي الأساس للديانة المسيحية، وأن الإنجيل مكمل لها وليس متطورا عنها ومغيرا لكثير من المفاهيم والمعتقدات والتشريعات الدينية والحياتية.

ويؤكد السيسي: «نجحت جماعة اليمين المحافظ في الولايات المتحدة الأمريكية في توظيف الانتماء والشعور الديني في السياسة، مستغلة مزج اليهودية بالمسيحية عند فئة عريضة في المجتمع الأمريكي، فكان التوظيف للدين في شن الحرب التي أعلن بوش الابن، بعد أحداث 11 سبتمبر، أنها حرب الصليب.. وكانت أساسا للحشد الذي جمعته الولايات المتحدة الأمريكية لغزو العالم الإسلامي وأجزاء أخرى من الوطن العربي».

اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية توظيف الدين داخل الشعوب المعنية بالعدوان وانتهجت بذلك خلق كيانات وأحزاب دينية، وقد تجلى ذلك بشكل كبير في السياسة الدينية والطائفية التي استخدمتها ومارستها في اختراق وتفتيت المجتمع العربي والمجتمعات الإسلامية، فقد وظفت أمريكا ذلك في أوساط الأحزاب الدينية بخلق تيار فكري كبير من المتطرفين، فالولايات المتحدة الأمريكية لها الدور الأساسي في كل الاحتقان والعنف والاقتتال الديني والطائفي الحاصل في العالم العربي.

ويخلص السيسي إلى أن المحدد الديني في السياسة الأمريكية قد تم دعمه بقوة في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الديمقراطية والحرية اللتين هما قيمتان مستمدتان من الدين، فضلا عن أن السياسة الأمريكية شملت بعدا دينيا خلال فترة بوش الابن، حيث تجلى دور المحدد الديني من خلال تلاقي الأهداف بين اليمين المسيحي، وحاول أن يقدم القوة للدين في المجتمع ويمزجه في شخصية الدولة وتيار المحافظين الجدد، حيث نجد أن البعد الديني في السياسة الأمريكية كان له الأثر في عملية صنع القرار الأمريكي تجاه الشرق الأوسط، إذ عكست قضية مكافحة الإرهاب بعدا دينيا واضحا في السياسة الأمريكية، عبّرت عنه طريقة معالجة الولايات المتحدة الأمريكية هذه القضية تجاه الحركات الإسلامية.