رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الجمعة 29/يناير/2021 - 09:16 م

الباحث في شئون الإسلام السياسي أحمد سلطان

من دفتر أحوال الإسلام السياسى.. «أمان» يرصد واقع ومستقبل الإرهاب مع باحثى الملف (حوار 4)

الإرهاب
الإرهاب
عبدالله مصطفى
aman-dostor.org/34271

على الرغم من اختلاف التفسيرات حول المعنى الحقيقى لمصطلح «الإسلام السياسي» وبدايته الفعلية، إلا أن المعروف عنه أنه يعبّر عن جميع التيارات الأيديولوجية والسياسية التى تهدف إلى إقامة ما يسمى «دولة الخلافة» تقوم على مبادئ الإسلام، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع.

لكن يبدو أن «الإسلام السياسي» مؤخرًا يستعمل للتعبير عن الراديكالية الدينية والعنف الإرهابي، فيما أشارت بعض المراجع إلى أن الإسلام السياسى هو مفهوم نشأ فى السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين لتوصيف ظاهرة عودة الدين إلى المجال السياسي، كرد فعل على الأنظمة العلمانية بالدعوة إلى العودة للشريعة وإقامة دولة إسلامية.

وهناك باحثون كثيرون فى مجال الإسلام السياسى وجماعاته الإرهابية كالإخوان وطالبان وداعش وتنظيم القاعدة وغيرها من التنظيمات، لكن ما هى المخاطر وراء العمل كباحث فى شئون الإسلام السياسي؟ وما هى توقعات الباحثين فيما يخص مستقبل تلك الجماعات المتطرفة؟

«أمان» ينشر فى هذه السلسلة عددًا من الحوارات مع باحثى ملف الإسلام السياسى والمتخصصين فيه، وإليكم الحوار الرابع مع الباحث في شئون الإسلام السياسي، أحمد سلطان، وإلى نص الحوار..

• متى بدأت رحلتك المتعلقة بالبحث في شئون الإسلام السياسي؟
فيما يخص رحلتي في البحث مع الإسلام السياسي أؤرخ لها بحرب العراق في 2003.. بالنسبة لي، في مرحلة مبكرة من عمري، كانت حرب العراق واحدة من الأحداث المفصلية التي شكلت وعيي.

ما أعقب الغزو الأمريكي للعراق من ظهور حالة المقاومة المسلحة ضد الأمريكيين وخروج أنظمة جهادية كتنظيم التوحيد والجهاد، بقيادة أبومصعب الزرقاوي، ثم تحوله بعد ذلك لفرع لتنظيم القاعدة في 2004، كانت من الأحداث الهامة بالنسبة لي.

في العام التالي صعد الإخوان إلى مجلس الشعب وحصلوا على نسبة 88 مقعدا من إجمالي عدد مقاعد مجلس الشعب.. كان الإخوان قد بدأوا بالنشاط في أماكن الريف المصري والكثير من المدن، وكان لهم صحف وممثلون برلمانيون وغيره، فكنت منشغلا في ظل ذلك، أي الأشخاص الذين يدعون إلى التوحيد والجهاد وأمور الدين ما هي أهدافهم الحقيقية؟ والناس الذين يقولون نحن إخوان ومسلمون ما هي أهدافهم؟ ما هي قصة الإسلام السياسي؟ وما الدافع لتكون مثل تلك التنظيمات والجماعات؟ باعتبار أني عشت في بيئة لا يوجد فيها أحزاب ولا تنظيمات.. الريف المصري كان هادئا بالنسبة للمنطقة التي أتواجد فيها.

كان ظهور حالة التحزب والتنظيم دافعا للبحث.. بدأت بعد ذلك أتابع ما يحدث في الأخبار، ما ينشر في الصحف والقنوات.. كانت تلك الجذور الحقيقية لرحلة البحث.

بعد ذلك، كنت من طلاب جامعة الأزهر، حيث كان هناك كتلتان كبيرتان في الأزهر، كتلة سلفية تمثلها أسرة طلابية تسمى "نبض الأزهر"، والتواجد الأكبر كان لجماعة الإخوان فيما يسمى "جيل النشر المنشود".. هذه الحركات الطلابية كانت تتنافس على الطلاب؛ يأتي الطالب المغترب، باعتبار أن دارسى جامعة الأزهر في القاهرة من المغتربين، يجد أن الإخوان والسلفيين يوفرون السكن.. أنا شخصيا لم أكن معهم في السكن.

بدأت أرصد حركة الإخوان والسلفيين عن قرب، وفي بداية العام الجامعي الأول قررت أن أتخصص في مجال دراسات الإسلام السياسي، وبدأت قراءة سلسلة قراءات مطولة في الكتب المؤسسة للإخوان والسلفيين وغيرهم، وبدأت أرصد الفوارق الدقيقة، ثم انضممت للعمل الصحفي، وعملت فترة في تغطية الأنشطة الطلابية في الجامعة، وكان جزء من تغطية أنشطة الإخوان في الجامعات والمظاهرات وغيره، ثم انضممت إلى صحف أخرى في الباب المتخصص في الإسلام السياسي، عملت فترة على الأنظمة الجهادية خاصة تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بتنظيم "داعش"، وعملت مؤخرا على الإخوان، ومع مراكز دراسات عربية في عدد من الدول، وشاركت في كتب، ولي إصدارات إن شاء الله ستصدر قريبا في مصر.

• ما هي خطورة العمل كباحث في شئون الإسلام السياسي؟
أنت تمشي على جمر من نيران وتحيط بك التهديدات من كل جانب، أكثر من مرة تلقيت تهديدات من تنظيمات مسلحة كتنظيم داعش وتهديدات بالتصفية، ويصل الأمر أحيانا إلى تهديد أفراد من أسرتي.

كان هذا من المسائل المزعجة للغاية، خاصة أن الناس دائما يؤثرون السلامة ويحبون الابتعاد عن المشكلات، فتجد أهلك مهددين ونفسك أنت مهددا أكثر من مرة... هذا من خطورة العمل وضريبة ندفعها في سبيل دراستنا وبحثنا في الإسلام السياسي.. دائما الباحثون الحقيقيون يحملون أرواحهم على أكفهم في سبيل هذا المجال، ودورهم في حالة الحرب لا يقل عن دور الجندي الذي يحمل السلاح ولا عن الضابط الذي يبحث عن مخابئ الإرهابيين، بل أحيانا يفوق دورهم دور مؤسسات أخرى.

• ما هي إيجابيات العمل كباحث في شئون الإسلام السياسي؟
باعتبار أن حركات وتنظيمات الإسلام السياسي فاعل أساسي في المشهد وأحيانا ثانوي باعتبار السياق.. لكن، ما دام هناك علم بحالة هذه التنظيمات وبما تفعله، يمكنك أن تقدم رؤيا دقيقة على ما سيكون عليه المشهد السياسي والواقع الاجتماعي.

العمل انعكس على مستواي الشخصي في أمور محددة: إمكانيات الملاحظة والبحث وتعقب الجماعات والتنظيمات، وكيف يمكن أن تدرك التداخلات في المشهد مهما كانت معقدة، وأن تستشف المسقبل بناءً على المعطيات الحالية وتقديم تصور دقيق يفيد مثلا في مسألة مكافحة الإرهاب.. أنت تستطيع أن تقدم رؤيا استشرافية حقيقية تسهم في الحفاظ على الأمن والسلم الاجتماعي والتفكيك للأفكار المتطرفة وما إلى ذلك.

• ما الذي دفعك للبدء في اختصاص الباحث في الإسلام السياسي؟
كان لدىّ شغف داخلي شخصي للبحث في حركة الإسلام السياسي، وكنت أدرك أن هذه الحركات مرتبطة بالوضع المصري والوضع العربي بشكل عام وأنها فاعل مؤثر فيه، خاصة في 2011، فترة الاضطرابات في المنطقة العربية والثورات المسلحة في بعض الدول.. أدركت تماما أن تنظيمات وحركات الإسلام السياسي إما تسعى أو يتم توظيفها في تغيير المشهد السياسي العربي ثم المشهد السياسي العالمي وفرض واقع جديد ومعين يخدم أطرافا بعينها؛ مما دفعني إلى البحث ومعرفة حركات الإسلام السياسي.

• ما هي النقاط التي إذا اختفت في جماعات الإسلام السياسي تجعلهم يتحولون من جماعات مرفوضة دوليًا إلى مقبولة دوليًا؟
هذا السؤال جوابه بسيط؛ ألا تكون حركات إسلام سياسي.. إذا تحولت هذه الحركات إلى إطار دعوي أو إطار اجتماعي بعيدا عن السياسة، فبالتالي ربما يكون لها متسع في المجال الإقليمي والمحلي والعالمي، وهذا موجود في كثير من التجارب، والكثير من الدول تسمح لجماعات دعوية بالعمل حتى لو كانت تلك الجماعات عابرة للحدود القومية، شرط ألا تتدخل هذه الجماعات في العمل السياسي.

بالنظر إلى طبيعات التنظيمات وحركات الإسلام السياسي الحالية، نقول إن ذلك أمر مستبعد، فجماعة الإخوان رفضت أكثر من مرة أن تفصل العمل الدعوي عن العمل السياسي.. وتنظيمات أخرى كتنظيم القاعدة دون هذا العمل لن يكون لها وجود ولا دور.

هذه الجماعات إما أن تتحول إلى حركات غير سياسية تماما وغير راغبة في السلطة، أو أنها ستبقى مرفوضة.

• كيف ترى وضع جماعات الإسلام السياسي حاليًا؟
أعتقد أن الإسلام السياسي بجميع تكويناته وأطيافه يعيش أزمة حقيقية؛ البعض اعتقد أنه من بعد 2011 سيكون الباب قد فتح لعودة الحركات والتنظيمات الإسلامية إلى الواقع السياسي والاجتماعي وسيطرتها على مقاليد السلطة في بعض البلدان، خاصة ما حدث في ليبيا وسوريا والتجارب التي دخلت فيها أطراف وفواعل عديدة.

لكن بعد عدة سنوات من هذه الأحداث، نقول إن الإسلام السياسي وصل إلى مسار متعثر، فتجربة الإخوان في الحكم في مصر فشلت فشلا ذريعا، وفي الدول الأخرى تعاني سواء في الأردن أو تونس أو المغرب، هناك صراع بين جماعات الإسلام السياسي نفسها، في قلب جماعة الإخوان بين الجانب الدعوي والجانب السياسي.. وتحول تنظيم داعش بعد هزيمته إلى مجموعات تقاتل بنظام حرب الأشباح أو حرب العصابات المعقدة.

جميع مكونات الإسلام السياسي دخلت في أزمة كبيرة وتصارع الآن من أجل الخروج منها، لكن يبدو هذا الخروج بعيدا، ربما استعاد تنظيم داعش جزءا من الزخم الذي كان عليه، لكن ما زال بعيدا عن العودة بشكل كامل.

أيضا جماعة الإخوان تعيش أكبر أزمة في تاريخها حاليا.. نحن أمام جماعة مأزومة تتقاذفها الأهواء في كل اتجاه، ودخلت فيما يمكن أن نسميه حالة موت سريري.

• في حال انتهاء خطر جماعات الإسلام السياسي.. ما الذي سيكون الخطر البديل لها برأيك؟
أنا لا أعتقد أن الإسلام السياسي سينتهي طالما بقيت الأوضاع والمحددات الحالية كما هي.. الإسلام السياسي وجد بسبب ظروف ليست سياسية فقط بل أيضا ظروف اجتماعية وسياقات دينية وغيره.

فبالتالي الحديث عن انتهاء الإسلام السياسي أمر مستبعد تماما؛ نظرا لعدة أمور، منها طبيعة الدين نفسه ودور المؤسسات المعنية بتفكيك الأفكار التي قامت عليها جماعات الإسلام السياسي وطبيعة هذه التنظيمات وقدرتها على الاستقطاب وأمور عديدة متعلقة بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي نعيشه.

فبالتالي الحديث عن انتهاء الإسلام السياسي ووجود خطر بديل، أجده تعبيرا غير دقيق.. ربما الإسلام السياسي يعيش أزمة، لكن لن ينتهي ما دام لن تنتهي الأسباب التي أدت إلى خلقه.

• ما هي توقعاتك لتنظيم داعش الإرهابي والقاعدة فى 2021؟
أولا، إذا تحدثنا عن تنظيم القاعدة تحديدا نحن نتحدث عن تنظيم مركزي أو ما يسمى "قاعدة خوروسان"، ومجموعة من التنظيمات والجماعات المرتبطة به كالجماعات الموجودة في إفريقيا، مثل حركة الشباب أو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أو تنظيم حراس الدين في سوريا.

بشكل عام، تنظيم القاعدة تلقى ضربات أدت إلى خلخلة بنيته الهيكلية القيادية، وفقد عناصر فاعلة خلال السنوات الماضية، ونجحت خطة قطع رأس القيادة بنسبة ما.

ما حدث خلال الفترة الماضية جعل تنظيم القاعدة المنازع للصدمة، التنظيم الآن يعتمد بشكل أساسي على استغلال الصراعات المحلية، وبالتالي يمكن أن نقول إن فروعه المحلية في إفريقيا مثلا ستشهد صحوة أكبر وسيستمر العمل فيها.

أما في اليمن، فالتنظيم تراجع وتلقى ضربات مزلزلة لكن لا يزال موجودا وسيسعى لاستثمار الفوضى والرغاوي الأمنية الموجدة في البلاد لكي يعيد بناء وترميم نفسه.

في سوريا، التنظيم يحارب في أطراف عديدة وما زال عاجزا عن الوقوف على قدميه من جديد بعد الضربات والانشقاقات التي تعرض لها.. التنظيم منذ تسلم الظواهري قيادته وهو كل مدى يزداد وضعه سوءًا ولم يعد له حالة الزخم التي كان عليها سابقا، لا سيما أنه أصبح أمام منافس شرس على قيادة الجهاد العالمي أو الجهاد المعولم، وهو تنظيم الدولة الإسلامية.

فبالتالي تنظيم القاعدة لديه أزمة حقيقية، التيار التاريخي في القاعدة يسعى إلى أن يتقدم، لكن الظروف الداخلية له والظروف المحيطة به تمنعه.. ربما سيسوء وضعه، لكن بالتأكيد ستنتعش الأفرع الموجودة في إفريقيا وستستمر الصراعات المحلية في الانتشار.

فيما يخص تنظيم داعش، فإنه يتبع سياسية الصبر الاستراتيجي وفرض الفشل.. نجح في التحول إلى سياسة حرب العصابات بشكل كامل بعد خسارة آخر معاقله في قرية بغوص فوقاني في سوريا، في مارس 2019.

التنظيم تعافى بشكل كبير، لكن لم يتعافَ بشكل كامل، ما زال يخطط للعودة، لكن هو الآن يحاول استنزاف جميع مقاتليه في الأطراف المختلفة واستنزاف الحكومة العراقية والقوات الكردية في سوريا والنظام السوري برئاسة بشار الأسد.. لكن على الأقل خلال هذه السنة سيبقى على هذه الحال.

• ما تقييمك لجماعة الإخوان الإرهابية خاصة قياداتها الهاربين خارج مصر؟
ممكن أن نقول إن جماعة الإخوان في حالة موت إكلينيكي.. التنظيم تعرض لأكبر خلخلة على مستوى القيادة أو التنظيم الداخلي، تلقى ضربات أمنية قوية في مصر وفككت العديد من شبكاته الفاعلة في مصر وخارجها وأدرجت أخيرا حركة سواعد مصر المعروفة بـ"حسم" في قوائم الإرهاب الأمريكية، واثنين من القيادات المرتبطين بجماعة الإخوان في القائمة.

الجماعة يمكن أن نقول إنها تعيش في حالة أزمة وانقسام وتشظي.. قيادات الإخوان هم سر أزمتها الحقيقية، تعيش حالة جمود فكري وتنظيمي، تبقي على محددات عفى عليها الزمن.

الجماعة ستبقى في أزمتها، والتنظيم تحول إلى حالة الممات.. لكن لم تنتهِ، نحن ما زلنا بعيدين عن تفكيك الأفكار المؤسسة نتيجة لظروف عديدة.. وجود مشروع حقيقي لتفكيك الروافد الفكرية للإخوان وتجفيفها ما زال بعيدا، ونحن مقصرون للغاية في هذه الجزئية، وبالتالي يمكن أن نقول إن الجماعة إذا توافرت لها ظروف أخرى وسمح لها بأن تعمل في المجال العام من جديد، ربما تعيد بناء وتكوين نفسها، لكن هذا أستبعده على الأقل على المدى البعيد أو المتوسط، لكن هو ليس أمرا مستحيلا؛ فقد شهدنا تجربة سابقا في أعوام 1948 و1954 و1965، وكان جل أعضائها في السجون، لكن عندما عادت، عادت بأسلوب أقوى.

الخطورة الحقيقية في الإخوان تكمن في فكرها الذي لم يتم تفكيكه ولن يتم تفكيكه إذا واصلنا العمل بالطريقة الحالية.

قيادات الإخوان في الخارج فاسدة، تستخدم الجماعة لتحقيق مصالحها الذاتية والشخصية ومستفيدة من الوضع الحالي، بالتالي لن تسعى لتغييره.. في النهاية القيادة لا يهمها أعضاء التنظيم بل يهمها نفسها وألا تتأثر مصالحها، هذه القيادة هي الأسوأ في تاريخها.. نحن أمام سيولة تنظيمية داخل الإخوان وحالة موات سريري دخلت فيها الجماعة منذ فترة طويلة ولا يتوقع أن تخرج منها خلال الفترة الراهنة.