رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأحد 17/يناير/2021 - 02:53 م

حوار مع الباحث الجماعات المتطرفة مصطفى أمين عامر

من دفتر أحوال الإسلام السياسي.. «أمان» يرصد واقع ومستقبل الإرهاب مع باحثين (الملف 1)

مستقبل الإرهاب
مستقبل الإرهاب
عبدالله مصطفى
aman-dostor.org/34234

على الرغم من اختلاف التفسيرات حول المعنى الحقيقي لمصطلح "الإسلام السياسي" وبدايته الفعلية، إلا أن المعروف عنه بأنه يعبر عن جميع التيارات الأيديولوجية والسياسية التي تهدف إلى إقامة ما يسمى بدولة الخلافة تقوم على مبادئ الإسلام، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع.

 

لكن يبدو  أن "الإسلام السياسي" مؤخراً يستعمل للتعبير عن الراديكالية الدينية والعنف الإرهابي، فيما شير بعض الماجع إلى أن الإسلام السياسي هو مفهوم نشأ في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين لتوصيف ظاهرة عودة الدين إلى المجال السياسي، كرد فعل على الأنظمة العلمانية بالدعوة إلى العودة للشريعة وإقامة دولة إسلامية.


هناك باحثون كثيرون في مجال الإسلام السياسي وجماعاته الإرهابية كالإخوان وطالبان وداعش وتنظيم القاعدة وغيرها من التنظيمات، لكن، ما هي المخاطر وراء العمل كباحث في شئون الإسلام السياسي؟ وما هي توقعات الباحثين فيما يخص مستقبل تلك الجماعات المتطرفة؟

"أمان"سينشر عدد من الحوارات مع باحثي ملف الاسلام السياسي والمتخصصين فيه، وكانت البداية من الباحث المتخصص في الجماعات الجهادية والإسلامية، مصطفى أمين عامر، حول رحلته مع الإسلام السياسي، وإليكم نص "الحوار"..

• متى بدأت رحلتك المتعلقة بالبحث في شئون الإسلام السياسي؟
بدأت العمل في ملف الإسلام السياسي منذ حوالي 12 سنة، وكنت أغطي ملف الإخوان المسلمين تحديدا، وكما تعلم أن الجماعة آنذاك كانت لها ظروف خاصة باعتبارها كانت في مجلس الشعب وقتها، واستطعنا في ذلك الوقت الحصول على الأخبار والتقارير والمعلومات المتعلقة بالجماعة فيما يخص تكوينها وشكلها التنظيمي.

تلك الفترة كونت لدىّ تكوينا معرفيا مهما حول جماعة الإخوان وتحالفاتها وتاريخها ومنظميها، وتفاصيل متعلقة بهيكلها التنظيمي، ومواعيد انتخابات الجماعة، ومواعيد اختيار مكتب الإرشاد، والصراعات أو الاختلافات أو التداخلات داخل جماعة الإخوان في ذلك الوقت، والذي كان منها اختيار محمد بديع لمحمد مرسي.

كان ذلك عملا مهما بالنسبة لي لأنه، وكما قلت، كوّن لدىّ معرفة بجماعة الإخوان والأمور المتعلقة بهيكل الجماعة وتنظيماتها وغيرها.

بعد ثورة 25 يناير ودخول التيار السلفي وتدخله في الحكم مع الإخوان كجزء من الحراك السياسي وقتها في ظل حكم جماعة الإخوان، في الفترة من 25 يناير حتى 30 يونيو 2013، بعد تلك الفترة، ركزت أكثر على الجماعات السلفية الجهادية، وتتبعت ظاهرة نشأة وتكوين تنظيم داعش في 2014، وإعلان البيعة له، وما ارتبط بهذا التنظيم من ولاءات وبيعات مختلفة على مستوى العالم.. واستمر الموضوع معي إلى الآن أصبحت مهتما بالجماعات الراديكالية التي تحمل السلاح والجماعات الأخرى مثل الإخوان وغيرها، لكن، بالأخص الجماعات الراديكالية الحاملة للسلاح وعلى رأسها داعش والقاعدة والجماعات التي خرجت من اعتصامى رابعة والنهضة، وبدأ الموضوع يدخل معي في تفاصيل أدق متعلقة بالجماعات الإرهابية التي تحمل السلاح أكثر.

• ما هي خطورة العمل كباحث في شئون الإسلام السياسي؟
في الوقت الحالي، العمل في ملف الإسلام السياسي له خطورة كبيرة، وبالذات بعد استهداف داعش والتنظيمات الإرهابية لبعض الصحفيين، خاصة في المناطق الجغرافية التي كانت تتبع لها، حيث كان هناك دعوى من أبوبكر البغدادي لقتل الصحفيين واستهداف المؤسسات الإعلامية.

بالطبع، من الخطر أن تكون في موقع الاستهداف بشكل مستمر، ناهيك عن أنك تكون متعرضا للقذف المتعلق بمنصات الفتنة وجماعة الإخوان التي تصب غضبها على جميع المتخصصين في هذا الملف.

أيضا يتم رصدك من تلك الجماعات ومن الممكن أن تكون موجودا في إصدار مرئي لتنظيم داعش أو تنظيم القاعدة أو مرصود من قبلها.. لكن، نحن في النهاية نقوم بواجب وطني من خلال العمل في هذا الملف، ونقدم ما نعرفه ونفهمه كباحثين ومتخصصين في ملف الإسلام السياسي.
أنا أرى أن الذين يقدمون أرواحهم من رجال القوات المسلحة والشرطة المدنية ليسوا أقل وطنية منا، أن نقدم أرواحنا في حال استهدافنا فتلك المسألة مرتبطة بضمير العمل لدينا وضمير المهنة وضمير ما نقدمه، وأمانة الكلمة التي يجب من خلالها أن نكشف زيف وعبث وظلم وكذب هذه الجماعات.

• ما هي إيجابيات العمل كباحث في شئون الإسلام السياسي؟
الإيجابيات أنك تكون ملما بتفاصيل متعلقة بهذه الجماعات وتفاصيل مخططاتها اتجاه الدولة، ومواجهة تلك الأفكار سواء فكريا أو عمليا من خلال ما تقدمه، بالإضافة إلى قدرتك على المناقشة في أكثر ملفات العمل السياسي تعقيدا وصعوبة؛ لأنك تكون في مواجهة خصوم الدولة وخصوم الوطن، وتحاول باستمرار أن تكشف للدولة مخططات تلك الجماعات وأفكارها وتوجهاتها.

• ما الذي دفعك للبدء في اختصاص الباحث في الإسلام السياسي؟
في البداية، استهواني العمل في ملف الإسلام السياسي في 2008، استهوتني كثيرا جماعة الإخوان وتنظيمها والتفاصيل المتعلقة بالتنظيم وخصومته مع الدولة، وكونه دائما ما يقدم معارضة للدولة المصرية تستفز أحاسيسك البحثية والصحفية..
هذا الملف لا توجد فيه الرتابة، دائما تجد فيه الديناميكية والتفاعل والعناوين الصحفية والتفاصيل المتعلقة بالبحث، دائما ما تجد الموضوع يدفعك للبحث في هذا الملف.. عندما يتحدثون عن مشروع الخلافة أو مشروع الدولة الإسلامية أو نظام الاقتصاد الإسلامي كل ذلك يستفزك كباحث أن تبحث عن مفهومهم لنظام الاقتصاد الإسلامي أو الخلافة أو التكفير أو غيره.. كلها تفاصيل تستفز الباحث ليقرأ ويتعمق ليفهم تفاصيل هذا الملف المثير الذي يحتاج إلى قراءة وثقافة معينة.

• ما هي النقاط التي إذا اختفت من جماعات الإسلام السياسي تجعلهم يتحولون من جماعات مرفوضة إلى مقبولة دوليًا؟
مسألة رفضهم دوليا متعلقة بمشروع ومدى استفادة المجتمع الإقليمي والدولي من وجود تلك الجماعات، فمثلا تركيا وقطر مستفيدتان وظيفيا من وجود جماعة الإخوان المسلمين، لذا فهي ليست بالمرفوضة بالنسبة لهما، بل بالعكس، جماعات يحققون لهما أهدافا وظيفية معينة في تعاملها مع الدول الإقليمية مثل مصر والسعودية والإمارات وغيرها، فبالتالي هم مقبولون في أنظمة مثل تركيا وقطر وأنظمة أخرى.

أما دوليا، فمسألة رفضهم تختلف، فهى مسألة نسبية إلى حد كبير لوجود دول تقبل وجودهم ومشاركتهم في جمعيات مدنية وجمعيات حقوقية في كثير من دول العالم التي تتقبلهم داخل نسيجها، لكن رفضهم هو مسألة داخلية لدينا لتجربتهم السيئة في الحكم في مصر وفي كل الدول التي لها تجربة مع حكم الإخوان.. لكن المجموعات الراديكالية مرفوضة في المجتمع الدولي لحملهم السلاح واتباعهم العنف، وجميع مشاريعها ضد الدولة في الأساس، وذلك ما تم مع تنظيمى داعش والقاعدة.

• كيف ترى وضع جماعات الإسلام السياسي حاليًا؟
جماعة الإخوان وجميع جماعات الإسلام السياسي في الوقت الحالي في وضع حرج للغاية.. تجاربهم في الحكم في مصر وتونس والمغرب وتركيا ودول أخرى أعتقد كانت غير ناجحة؛ مما ترتب عليها وجود خصومة بينها وبين العديد من المجتمعات الدولية.

أما المجموعات الراديكالية المسلحة فوضعها يتفاوت على حسب كل تنظيم، فتنظيم داعش يختلف وضعه حاليا عن تنظيم القاعدة، ووضع تنظيم القاعدة يختلف عن الجماعات الأخرى في مناطق عدة.

فمثلا تنظيم داعش في الفترة الأخيرة يحاول إعادة تموضع نفسه بوضع استراتيجيات جديدة كمحاولته للاستفادة من الخلايا النائمة وانتشاره في مناطق جغرافية واسعة كمنطقة الصحراء الكبرى ووسط آسيا، ومحاولة التموضع بشكل دعائي وإعلامي، وهذا ما نراه في الوقت الحالي، وأعتقد أنه سيستمر إلى المستقبل.

على الجانب الآخر، تنظيم القاعدة يحاول إعادة وضعه السابق مرة أخرى عن طريق محاولة الانتشار في الصحراء الإفريقية، ومحاولته أن يكون له دور في منطقة وسط آسيا وبدئه في التوجه الى استراتيجيات جديدة بعد تولي سيف العدل قيادة التنظيم ومحاولة وجوده على الساحة الجهادية العالمية.

جماعة الإخوان في الوقت الحالي أعتقد أن وضعها مزرٍ للغاية.. حلفاؤها ينحسرون عنها تقريبا، وتحاول الاستفادة من أي وضع سلبي موجود في المجتماعات العربية والإسلامية، لكن مستقبلها متعلق بما إذا كان سيوجد دولة قد تضعف لتكون فرصة للإخوان لإعادة قوتها.

• في حال انتهاء خطر جماعات الإسلام السياسي.. ما الذي سيكون الخطر البديل لها برأيك؟
إذا انتهى خطر الإسلام الساسي، أعتقد أن الخطر القادم سيكون المجموعات الفوضوية التي تظهر مع الفوضى.. رأينا تلك المجموعات بعد ثورة 25 يناير، تلك المجموعات تقوم باستغلال أي فوضى ناجمة عن تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في الدول.

تلك الجماعات عشوائية فوضوية ليس لها رأس مسيطر عليها، وتؤذي المجتمع إلى حد الدمار الشامل، فبالتالي جماعات الفوضى هي الخطر الأكبر على الدول.

أعتقد أنه من الصعب اختفاء جماعات الإسلام السياسي؛ لأن جماعات الإسلام السياسي موجودة على مر التاريخ منذ نشأة الخوارج في حقبة معينة في التاريخ الإسلامي، والتي استمرت عن طريق إفراز جماعات وتجمعات بأسماء مختلفة، حتى انتهى بنا الحال إلى تنظيم داعش الأحدث والأكثر دموية على مر التاريخ.

• ما هي توقعاتك لتنظيمى داعش الإرهابي والقاعدة فى 2021؟
تنظيم داعش يحاول بشكل مستمر أن يكون موجودا على الساحة الجهادية العالمية من خلال العمليات التي يقوم بها بشكل شبه مستمر في دول العالم أو الولايات التي يدعي أنها تابعة له في العالم.

لكن، أنا أقيّم مستقبل تنظيم داعش بشكل جزئي ووفق المناطق الجغرافية المتواجد فيها، أي وضع داعش في سيناء يختلف عن وضعه في الصحراء الإفريقية أو الصحراء الكبرى، ويختلف وضعه أيضا في آسيا الوسطى، وكذلك خلاياه الموجودة في أوروبا ودول الغرب وضعها يختلف، فبالتالي كل مجموعة تابعة للتنظيم لها وضع مختلف.. جميع المجموعات التابعة للتنظيم متروك لها مسألة التعاطي مع الوضع الموجود على الأرض فيما يخص عملياتها.

الحكم على مستقبل التنظيم يحتاج إلى تفاصيل عدة وفهم لطبيعة ولاياته وطبيعة السيطرة القائمة في القيادات المركزية للتنظيم.. لكن بشكل عام، التنظيم في 2021- 2022 قد يشهد صحوة، وربما يقوم بموجات من العمل الإرهابي خلال 2021- 2022.

أعتقد أن فرص تنظيم القاعدة قد تكون ضعيفة في مواجهة تنظيم داعش الذي سحب البساط من تحت أقدام تنظيم القاعدة، وسيستمر في تلك المسألة لفترة ليست بالقليلة.. لكن، ربما يشهد تنظيم القاعدة صحوة ما خلال العام الحالي من خلال مواجهته مع القوات الفرنسية في آسيا الوسطى أو في سوريا.

• ما تقييمك لجماعة الإخوان الإرهابية خاصة قياداتها الهاربين خارج مصر؟
جماعة الإخوان بلا شك تعاني في الوقت الحالي من مشاكل عدة، أولاها المشكلة المتعلقة بالانفصام بين قادة الجماعة، وعلى رأسهم إبراهيم منير، وشبابها.. أعتقد أنها مشكلة شائكة ومعقدة للغاية.

شكل الجماعة وانضباطها اختلف بسبب وجود تيارات عدة داخل الجماعة.. مجموعة داخل السجون وأخرى في تركيا والثانية في قطر وأيضا مجموعة في الداخل المصري، كل ذلك جعل رؤى الجماعة تختلف وربما تتناقض إلى حد الصراع، مما يجعل قراءة مستقبل الجماعة قراءة ضبابية.. فنجاح الجماعة في المستقبل معتمد على وجودها على الأرض، وأعتقد أن تلك المسألة قد اختفت من الأرض المصرية في الوقت الحالي، وإن وجدت بقايا للشكل والهيكل التنظيمي للجماعة من أسر وشعب ومكاتب إدارية، لكنه غير قادر على الحركة والتفاعل مع الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مصر.. وتحولت الجماعة إلى مجرد أبواق من خلال منابرها الإعلامية الموجودة في تركيا، لكن قدرة الجماعة على التحرك والنشاط الفاعل في المجتمع المهني والسياسي والثقافي والاقتصادي أعتقد أنها قد شُلّت إلى حد كبير بسبب الضربات التي وُجهت لها، ورفض المصريين بشكل عام لها، مما يشكل صعوبة في مستقبل الجماعة.

المحنة الحالية هي الأصعب والأعقد على مدار تاريخ الجماعة، وأعتقد أنها لن تخرج منها كما كانت.. المسألة الآن مختلفة جدا، وإرهاصاتها في المستقبل ستكون كارثية على وضع الجماعة، حتى في حال عودتها إلى وضعها الطبيعي في مصر، وهو أمر مستبعد بشكل تام في الوقت الحالي، سيكون وضع الجماعة أيضا مختلفا في الحياة السياسية المصرية، وحتى في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها.