رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الثلاثاء 12/يناير/2021 - 04:14 م

العمامة المستنيرة.. روشتة عبدالمتعال الصعيدي لإصلاح الأزهر

عبد المتعال الصعيدي
عبد المتعال الصعيدي
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34221

الشيخ عبدالمتعال الصعيدي أحد أكبر المجددين في الأزهر، حيث اتبع منهجا جديدا في التدريس يغاير الطريقة الأزهرية السائدة، مستعينًا بثقافته الواسعة والمنفتحة، فكتب "الأجرومية العصرية"، ثم أخرج كتاب "نقد نظام التعليم في الأزهر الحديث" عام 1924؛ وهو ما كان مثار جدل بين الأزهريين، فقد أثارت آراؤه ودعوته الإصلاحية تيار الجمود، فطالب بعضهم بفصله، وتكونت لجنة للتحقيق معه وانتهت إلى معاقبته بخصم نصف مرتبه.

وفي كتابه "العمامة المستنيرة.. تجديد الفكر الديني عند عبدالمتعال الصعيدي" يذهب مؤلفه الباحث الدكتور أحمد محمد، سالم أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربي الحديث بكلية الآداب جامعة طنطا، إلى أن " الصعيدي" أفرد العديد من الكتب لقضية إصلاح الأزهر، فضلًا عن تناوله القضية في أجزاء أخرى متناثرة من كتب، وهو ما ينم عن مركزية هذه القضية في فكره، حيث رأى أن التعليم في الأزهر لا يساير حركة الاجتماع، وأن المؤسسات التعليمية التي تركز في تعليمها على علوم الدنيا قد حصل خريجوها على مكانة هامة في المجتمع وبالمقابل تراجع دور خريجي الأزهر في الحياة العامة، هذا فضلًا عن التخلف الواضح في طريقة التعليم الديني السائدة في الأزهر.

وعن رؤية الشيخ الصعيدي لإصلاح وتطوير الأزهر، يقول المؤلف: يبدأ الشيخ الصعيدي بتشخيص الأسباب المؤسسة للجمود في الأزهر والتي أسهمت في عجزه عن تطوير نفسه، ومسايرة حركة المجتمع وتطوره، فيرى أن سيادة العقيدة الأشعرية كسنية بالأزهر أحد الأسباب الرئيسية لهذا الجمود، حيث ترسخ كتب الأشاعرة للتعصب المذهبي لمذهبهم، كما أنها تقصى وتكفر باقي المذاهب الإسلامية في العقيدة باعتبار أنها وحدها العقيدة التي تملك الصدق المطلق، والحق المبين، وما عداها على باطل، فيقول الصعيدي: "وأول هذه الأسباب التقيد في العقائد بمذهب الأشعرية فيتربى الطلاب في الأزهر على الجمود على هذه العقيدة، وتأخذهم كتب التوحيد بالتعصب بها، وقد يصل بها التعصب إلى حد أن يدرك بعض المؤلفين ضعفًا في مذاهبها.. هذا الجمود على عقيدة الأشعري يجعل بعض الأزهريين لا يطيقون أن يروا مخالفًا لأنهم يرون أن كل من يخالفهم فاسق آثم، مع أن في العقائد مسائل كثيرة فيها مجال للاجتهاد، ويجب أن نعذر من يجتهد فيها فيخطئ في اجتهاده".

وإذا كان الصعيدي يعتبر التقيد بالمذهب الأشعري أول أسباب الجمود في الأزهر فإنه يرى أن تقيد الأزهر بالمذاهب الفقهية الأربعة ثاني أسباب الجمود في الأزهر، لأن الفقه هنا يقتصر فقط على الاجتهاد السني وحده، ولا ينفتح على اجتهادات بقية المذاهب الأخرى، فكان الصعيدي من دعاة الانفتاح على كل الاجتهادات الفقهية لدى كل الفرق الإسلامية والاستفادة من هذه الاجتهادات، فيقول الصعيدي:" إن ثاني أسباب الجمود التقيد في الفروع بالمذاهب الأربعة المشهورة فيتربى الطلاب في الأزهر على الجمود عليها أيضًا، مع أن هناك مذاهب فقهية غيرها، قد يكون فيها من الأحكام ما يكون أصح للعمل بها منها، ولكن الأزهريين يدعون أنه قد انعقد الإجماع على العمل بهذه المذاهب الأربعة دون غيرها، فيجب الاقتصار عليها وحدها، وهذه الدعوة باطلة لأن المذاهب الفقهية لا يزال معمولًا بها غير المذاهب الأربعة كمذهب الزيدية في اليمن، ومذهب الإمامية في بلاد فارس".

والواقع أن قناعة الصعيدي بأهمية المذاهب الفقهية في الفرق الأخرى قد دعته إلى الاستعانة بموقف الخوارج في اجتهاده حول مسألة الحدود في الإسلام، مما يعني أن الصعيدي أراد للأزهر الانفتاح على جميع المذاهب الفقهية لدى كافة المذاهب الأخرى.

ويرى الصعيدي أن من الأسباب الأخرى لجمود الأزهر هو وجود تشريعات فيه بعقوبات تقيد حرية العقل، وحرية التفكير، وتقيد الرأي المخالف تحت مسمى الحفاظ على النظام وشرف العلم والدين، فيقول: "إن من أسباب الجمود أخذ العلماء بعقوبات على أمور غير محددة، فقد جاء في باب العقوبات في قانون رقم (10) لسنة 911، وسنة 1929 أن من يرتكب أمرًا يخل بالنظام أو المروءة أو بشرف العلم والدين، أو يقع منه ما لا يناسب وصف العالمية يعاقب بقطع راتبه أو العزل من الوظيفة أو تنزيله إلى درجة أقل من درجته، والذي يخل بشرف العلم أو لا يناسب وصف العالمية غير محدود، وأهل الأزهر معروفون بشدة محافظتهم، وكثيرًا ما يرون أمورا تدخل في ذلك، مع أنه لا شيء فيها عند غيرهم".

والحق أن الأزهر قام بمعاقبة الشيخ الصعيدي نفسه بمثل هذه المواد من القوانين حين قدم اجتهاده المميز في قضية الحدود، حيث تم تكييل الاتهامات له في عريضة كبيرة، بناء عليها عزل من مناصبه وأعيد للإشراف على التعليم في الجامع الأحمدي، ثم خصم جزء من راتبه.

ويواصل الباحث: ولعل أهم الأسباب الأخرى التي طرحها الصعيدي حول جمود الأزهر وتخلفه هو نفسه أهم أسباب إعاقة تطوير الفكر الديني وهو تقديس الأسلاف وعلومهم، وتقديس اجتهاداتهم بالحد الذي يعجز معه أي معاصر من السعي نحو تقديم اجتهاد حقيقي نتيجة لتغير حركة الزمن، وتطور حركة المجتمع، وتغير المستجدات المعاصرة، في حين أن الشيوخ على اختلاف طوائفهم لكل منهم مقدساتهم، فالسلف يقدسون أعمال ابن حنبل وابن تيمية، وابن عبدالوهاب، والأشاعرة يقدسون أعمال الأشعري ورموز المذهب، والشافعية يقدسون الشافعي ورموزهم ويؤلفون حول طبقات الشافعية، وهكذا كان تقديس القدماء أحد أهم الأسباب المعيقة لتطور الفكر الديني، فيقول الصعيدي: "إن من أسباب الجمود المبالغة في تقديس الأسلاف وعلومهم، فالأسلاف عند أهل الأزهر أعلى من أن يؤخذوا بنقد، وعلومهم لا يذكر بجانبها علوم غيرهم، ولا يمكن أن يسمح الزمان بمثلهم وبمثل علومهم".

ولا شك أن تقديس الأسلاف وعلومهم إنما يعكس مدى استقالة العقل والتفكير في أروقة الأزهر لأنهم منحوا السلف الحق أن يفكروا بديلًا عنهم، بدعوى قفل أبواب الاجتهاد أمام العلماء، والتي هي حق أصيل لكل عالم حتى نربط الدين بتطور المجتمع، وضرورة تطوير الفكر الديني بما يوافق تطور حالة المجتمع.

ولقد مر ما يقرب من قرن على اجتهادات الصعيدي حول أسباب الجمود في الأزهر، وما زالت هذه الأسباب قائمة في أورقة الأزهر، وكان الصعيدي حريصًا على الدعوة إلى ضرورة تفكيك مثل هذ الأسباب حتى نهيئ فضاء الأزهر للتجديد والإصلاح، فيقول: "يجب أن يقضى على هذه الأسباب التي أدت بنا إلى ذلك الجمود العلمي والديني، لنفسح عقول أهل الأزهر للبحث والنقد، ولا نقابل كل رأي جديد بالإنكار والاعتراض، ويكون هذا بأن نطلق لهم الحرية في اختلاف الفرق الإسلامية، وفي اختلاف المذاهب الفقهية في الفروع، وبألا يكون عليهم مثل تلك العقوبات التي تحدد حريتهم، وتجعل للرؤساء سلطة واسعة عليهم، وبأن نقتصد في تقديس أسلافنا، ولا نهاب الأخذ بالنقد النزيه، ووضع علومهم موضع البحث والتمحيص".

ونلاحظ أن إصلاح الجمود بالأزهر لا يتم إلا عبر إرساء دعائم العقلانية والتفكير المستقل القائم على النقد والبحث والتمحيص، وضرورة قبول التعددية الدينية على مستوى العقائد والفقه لأن في التعدد ثراء وتنوع للرؤى، وعدم إرهاب العقل الحر بأي سلطة تشريعية لقوانين جائرة على حق العقل في التفكير الحر، أو أي سلطة دينية للرؤساء تقيد التفكير وتقمع العقل، وكذلك يركز على أهمية إزاحة القداسة عن السلف وعلومهم حتى تكون اجتهاداتهم محل نقد وتمحيص، ولا شك أن هذه هي روح علمانية واضحة في فكر الشيخ الصعيدي، روح يسيطر عليها مركزية العقل الإنساني، وحرية الإنسان في التفكير والاجتهاد والإيمان بالاختلاف والتعدد والتنوع وقيمته.