رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الأحد 27/ديسمبر/2020 - 02:36 م

«لا حكم إلا لله».. حكاية شعار خرج على روح الدين وشريعة الإسلام

شريعة الإسلام
شريعة الإسلام
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34165

على الرغم من اختلافه الجِذري مع أفكارهم إلا أنه أشتهر بلقب "قاضي البراءة" علي خلفية قضية جماعة الجهاد التي نظرها عام 1984، وبرأهم مستندا في حكمه إلى ضعف تحريات الشرطة وعدم اقتناعه بتقرير مصلحة الأدلة الجنائية، وأثبت أن ما قُدِّم إلى هيئته لا يرقى إلى مستوى الأدلة القانونية التي تدين بريئا إلا أنه لم يسلم من دعاوي التكفير والتحريض علي قتله٬ أنه المستشار محمد سعيد العشماوي مؤلف كتاب "الإسلام السياسي" الصادر عن دار ابن سينا للنشر بل وتوجهت لجنة من مجمع البحوث الاسلامية بتاريخ 7 يناير 1992 إلى مقر دار سينا للنشر بمعرض الكتاب وحررت محضرا أثبتت فيه التحفظ على كتاب الإسلام السياسى ومعه اربعة كتب أخرى للمؤلف لمصادرتها.

ويعتبر المستشار العشماوي أول من أطلق مصطلح "الإسلام السياسي" بعدما لاحظ استشراء وتفشي خطر ظاهرة الجماعات المتطرفة ورفعها شعارات حاكمية الله والجهاد، والجهاد فريضة غائبة والقومية الإسلامية التى كانوا ينقدون بها الوطنية المصرية وأى انتماء لأى بلد عربى أو اسلامى فكتب بحوثا جمعها فى كتابه الإسلامى السياسى تتعرض بالنقد لكل أقاويل جماعات الإسلام السياسى بالتأكيد على الفصل بين الدين والسياسة على اعتبار أن غاية الدين تتعارض مع أسلوب السياسة، وهو أمر ثبت وتأكد فيما بعدَ٬ وبحسب العشماوي في توطئته للكتاب: "إن تسييس الدين أو تديين السياسة لا يكون إلا عملا من أعمال الفجار الأشرار، أو عملا من أعمال الجهال غير المبصرين".

تناول الكتاب أربعة محاور رئيسية هي: حاكمية الله: من أكثر المفاهيم المحورية التي أسهمت في التوجيه الفكري والحركي لكثير من التيارات الإسلامية وفيه يعرج علي الواقعة التاريخية التي رفعت فيها المصاحف بين جيشي علي بن أبي طالب ومعاوية ابن ابي سفيان والخديعة التي تعرض لها علي بمقولة "لا حكم إلا لله" والذي رفع في خصومة سياسية وبنهج الساسة وأسلوب الطغاة٬ وأن الحكم لله بمعني الحكم بالمشيئة والقوة والقضاء٬ بينما الحكم للناس والبشر في الحياة الدنيا بمعني الحقيقة والواقع والإرادة وإنما يراد برفع شعار الحاكمية لله من قبل المتأسلمين وعلي رأسهم الإخوان المسلمين والجماعات التكفيرية بغرض الجدل السياسي وطريق للوصول إلي الحكم.

وبين العشماوي أن شعار لا حكم إلا لله الذي رفعه "الخوارج" والذي يمكن إطلاقه ليس فقط علي الفرقة التي خرجت علي "علي بن أبي طالب" وإنما هي أصدق تعبير لمن خرج بذاته علي روح الدين وشريعة الإسلام٬ ثم يعرج العشماوي علي تتبع فكرة "حاكمية الله" تاريخيا ويكشف إنها فكرة لا علاقة لها بالقرآن أو السنة النبوية إنما بدأ منشأها في مصر القديمة حيث كان الحاكم الفرعوني صورة الله علي الأرض وحينما كانت تصدر أحكام بالإعدام ترفع إليه وبصفته اللاهوتية يكون له الحق في سلب الحياة من أي فرد من رعاياه وعندما كان الفرعون يصدق علي الحكم كان هذا الحكم بالمعني الحرفي "حكم الله" ويعد تنفيذه تنفيذا لحكم الله من هذة الفكرة لدي المصري القديم عن لاهوتية الفرعون كانت أحكامه القضائية والسياسية علي حد سواء تعد أحكام الله وكانت الشرعية الدينية والقانونية للحاكم الفرعون وحده دون سواه.

ثم تسربت الفكرة إلي أوروبا في العصور الوسطي عندما برر رجال الدين والفلاسفة إستبداد الحكام وطغيانهم فالملك أو الأمير أو أيا كان لقبه إنما هو ظل الله في الأرض وله حقا مقدسا في الحكم وأحكامه وقراراته تكون إلهية بالمعني الحرفي أو المجازي سواء بسواء.

دخلت فكرة الحاكمية المدمرة إلي الفكر الإسلامي علي يد الخوارج ثم تلقفها الخلفاء الأمويون والعباسيون ورددوها لتصبح جزءا من الفهم الإسلامي فتخدم أغراضهم وتوطد سلطانهم وتبرر لهم مظالمهم وتحقق إستعباد الناس من دون الله وكان تدشين الإستبداد والطغيان السياسي بتسيس الدين مع مقولة معاوية ابن ابي سفيان:"الأرض لله وأنا خليفة الله فما أخذت فلي وما تركته للناس بفضل مني" وتتجلي المغالطة في إعتباره نفسه خليفة الله وليس خليفة لخليفة خليفة خليفة رسول الله كما هو الأصل من إستعمال لفظ الخليفة بما يعني خلافة شخص لسلفه ولمن سبقه في الزمن أو الترتيب.

تلقف تيار اليمين المتأسلم المتطلع الطامع في الحكم والسلطة فكرة "حاكمية الله" ليزعم أنه يرغب في أن يكون الحكم باسم الله أو أنه يعمل من أجل حاكمية الله وفي حقيقة الأمر يفترون علي الله الكذب ويخرجون علي الإسلام باسم الإسلام إنما يتمسحون بالشعارات ليوهمون الناس بأنهم يسعون إلي تحقيق حكم الله بينما هم يقتلون ويتطلعون إلي الحكم والنفوذ لا تنفيذا لحاكمية الله إنما حاكميتهم هم٬ وهي الفكرة التي بلورها "سيد قطب" في كتابه معالم في الطريق وطرح في إطار مواجهة ما يسميه بالجاهلية المعاصرة التي كانت تدعمها الدولة الوطنية في مصر وما ترتب عليها من تكفير المجتمعات المدنية الحديثة.

الجهاد في الإسلام: وهو من أهم المرتكزات التي قامت عليها جماعات الإسلام السياسي للانطلاق بدعوتها ونشر أفكارها والانقلاب على المجتمع والنظام والحياة العامة في كل عصر وفي كل أرض فكان الجهاد المذكور في القرآن والسنّة هو الوسيلة الشرعية التي استند عليها الأصوليون من أجل هدم الواقع الذي رفضوه وإعتبروا أن الحرب ضد الآخرين غير المسلمين ينخرط في إطار الجهاد المسموح شرعا، ولا يحق لأي شخص أن يطعن في الجهاد أو ينهى عنه٬ ولذا فمن وجهة نظر جماعات الإسلام السياسي فإن الجهاد قائم ولا يمكن إزالته من الحياة أبدا، والغاية النهائية هي انتصار الإسلام وسيادته على كل العالم، وذلك كله رغم الضوابط الفقهية التي تحدد علاقة دار الإسلام مع دار الحرب والتي هي هنا بقية دول العالم، متغافلين عن قواعد وشروط الجهاد، ومحاولة جعل الجهاد شكلا من أشكال الإيمان اليقيني وضبط النفس، ومجاهدة الواقع بالصلاح والتقوى. أما الجهاد بالمعني الذي يعتنقه التكفريين من قتل وإغتيال ونسف وتدمير فهو خارج عن أصول ومعنى الجهاد الحقيقي المذكور في القرآن تقف ورائه تنظيمات تهدف للوصول إلى السلطة والحكم وليس تطبيق الشريعة وروح الدين، إن الجهاد لا يمكن أن يكون تحت أي ظرف من الظروف وطبقا لأي تفسير عاقل سليم قتلا أو اغتيالا أو نسفا أو تدميرا٬ وإن هذا الفهم الضال المضل لمعنى الجهاد وجعله قتلا من المسلم للمسلم، أو من المسلم لغيره علي دين آخرغيرّ من الدعوى الإنسانية فجعل منها اتجاها لا إنسانيا.

ثم يعرج "العشماوي" لحقيقة شعار الإسلام دولة ودين وفيه يوضح إن عدم إشارة القرآن والسنة لنظام الحكم ومؤسسة الخلافة دلالة على أنّ الدولة الإسلاميّة أو الخلافة ليست واجبًا دينيًا، وأن الإسلام قد ترك للبشر حرية اختيار النظام السياسي الذي يلائم عصرهم٬ أما عبارة "الإسلام دين ودولة" فهي عبارة ببغاويه، لا أساس لها على الإطلاق في العقيدة الإسلامية، ولا في التاريخ الإسلامي، ففي القرآن إشارة للمسلمين بأنهم أمة، والأمة لفظ من أصل عبري، يعنى القبيلة وقد رفع الإسلام معناه لتكون الرابطة بين أمة المسلمين، تقوم على الوشائج الروحية والمنساك المعتقدية والأخوة الإيمانية، بدلًا من رابطة الدم القبلية، وكان أعداء النبي يتصورون أنه ملك أو أنه يسعى إلى الملك، وهذا ما جاء عن لسان أبى سفيان عندما قال للعباس عم النبي يوم فتح مكة: "إن ملك ابن أخيك اليوم عظيم" فرد عليه العباس قائلًا:"إنها النبوة وليست الملك"، غير أن أبا سفيان قال:أما هذه ـ يقصد النبوة ـ ففي نفسي منها شئ، أي أنه لا يعتقد فيها. ومثل أبو سفيان كثيرون، رأوا أن الإسلام مْلك خاصة وأن الخلفاء والأمويين والعباسيين عززوا هذا المفهوم، وفى كل الولايات التي انفصلت عن السلطة المركزية كانت التسمية لها إمارة' أو'سلطة أو'مملكة لكن واحدة منها لم تتسم باسم الدولة أبدًا. فلفظ الدولة لم يرد في القرآن ولا معاجم اللغة العربية، الذي يوجد في القرآن هو لفظ دْوَلة قال تعالي'كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم"، بمعنى التداول وصار يجرى على ألسنة بعض الناس عمن تدور له الدنيا، أي تعطيه الدنيا المال أو الأولاد أو السلطة، أن الزمان دال له، أو أن هذه الأيام هي دولته.