رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
الوثيقة
الجمعة 25/ديسمبر/2020 - 04:46 م

«راح ضحيتها 3 آلاف قتيل وجريح».. مجزرة «الفرهود» نقطة التحول في تهجير يهود العراق

«راح ضحيتها 3 آلاف
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34159

رغم جذورهم الضاربة في العراق قبل 2500 عام، لا يمكن فهم النزوح الجماعي ليهود العراق إلا في سياق قيام دولة إسرائيل والصراع السياسي والعسكري الذي تمخض عنه، فالصهاينة يرون أن نزوحهم جاء نتيجة فترة طويلة من الاضطهاد والتمييز الاجتماعي والديني بحقهم، بالمقابل لم تلقَ قضية النزوح الجماعي هذه اهتماما من قبل الباحثين العرب.

أما القلة التي اهتمت بالقضية فتناولتها من باب أن سبب النزوح كان نتيجة للجهود والدعاية الصهيونية عقب قيام دولة إسرائيل، ولفشل اليهود العراقيين في الانخراط في الحركة الوطنية، واتخاذ مواقف نقدية من الحكومات العربية.. وإن كان يهود العراق قد شكلوا مجتمعا متجانسا تمكن من المحافظة على هويته الجماعية وثقافته على امتداد عدة قرون، لكنه عرف كيف يندمج في محيطه ويتجانس في تقاليده ولهجته.

فقد كان يهود العراق يستخدمون اللغة العربية حتى في تراتيلهم واحتفالاتهم الدينية ما يدحض ما ذهب إليه الباحثون العرب، خاصة أن يهود العراق لم يسجل عنهم أنهم عاشوا في "جيتوهات" مغلقة كما كان الأمر في أوروبا مثلا.

بعد أن هرب "رشيد عالي الكيلاني" إلى خارج العراق إثر انهيار المقاومة، أراد إيجاد وسيلة لإشغال العراقيين، ليتسنى للوصي عبدالإله ونوري السعيد ومن معهما المرور بشوارع بغداد بأمان ودون استفزاز رجل الشارع، وذلك يوم الأحد الأول من يونيو 1941، فكانت حادثة "الفرهود" التي سقط على أثرها نحو 3000 بين قتيل وجريح من يهود بغداد٬ دفعت الصدمة وتراجع حالة الأمان اليهود العراقيين إلى النزوح عن العراق خاصة مع إقرار قانون التخلي عن الجنسية ٬1950 والذي يمنح كل عراقي الحق بالتخلي عن جنسيته بإرادته إذا قرر الهجرة من بغداد.

وفي روايته الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية "اليهودي الأخير" يرصد الكاتب العراقي المقيم حاليا في أستراليا "عبدالجبار ناصر" ملامح التغير الاجتماعي والسياسي٬ الذي حول العراق من مجتمع خليط من المسلمين والمسيحيين٬ اليهود والصابئة٬ إلى مجتمع طارد متعصب٬ وهو ما غذته التعقيدات السياسية.

ففي حي البغدادي من ستينيات القرن العشرين٬ كانت كنيسة "أم الأحزان" تجاور الكنيس اليهودي الوحيد في المدينة٬ وهناك في حي البغدادي تقع عيادة الطبيب اليهودي "ناجي نعوم" الذي كان بعد وفاة شقيقته آخر من تبقي في المدينة من يهود السبي البابلي٬ ومع تعدد انتماءات سكان الزقاق الدينية٬ إلا أن أية طائفة منهم لم تهتم بتفاصيل ديانات الطوائف الأخرى، وكتاب التوراة وتعاليم الديانة اليهودية ظلت عند المسلمين سرا غامضا٬ لأنهم لم يعرفوا ولم يحاولوا معرفة طقوسها٬ وكذلك الأمر بالنسبة للصابئة المندائيين٬ وكتابهم المقدس "كنز ربا" وما تتضمنه ديانتهم من تراتيل وعبادات٬ لأن معرفة هذه التفاصيل غير مهمة بقدر أهمية الجوار المسالم والتعاون لحياة أفضل للجميع.

ناجي العراقي اليهودي٬ كان الرجل الوحيد الذي سمح له المتشددون الدينيون بالكشف على أجساد نسائهم المريضات٬ الذي اتخذ من مقولة "رالف والدو إيمرسون" شعارا ونهجا يتبعه في حياته٬ فلم يسلم قلبه للأحقاد أو الضغائن٬ ولم يفكر حتى في مساومة "مبجل قاسم" حاكم مدينة العمارة٬ الذي نكل به وأذاقه صنوفا من العذاب حينما ألقى به في المعتقل دون جريرة أو تهمة.. لكن ناجي لم يتأخر عن واجبه المهني والقسم الذي أقسمه بعلاج أي مريض حتى ولو كان صاحب سلطة غاشمة٬ وهو الجميل الذي حفظه له مبجل٬ وحذره ليهرب من المدينة قبل أن يقتلوه.

ناجي كان يضع أمام ناظريه سر سعادته في أن يكون مفيدا وشريفا٬ رحيما٬ صنع فرقا في حيوات المحيطين به جميعا طوال تاريخه٬ من أول "حمود" حارسه الذي لم يفارقه منذ الليلة الأولى التي استقبله فيها٬ واستضافه في بيته٬ أو"خالدة" ابنة الجيران غريبة الأطوار٬ التي اختارت الصمت والعزلة إراديا٬ بعد مقتل خطيبها٬ وتحكم أولاد أعمامها وعشيرتها فيها لإرغامها على الزواج بواحد منهم٬ يتقرب منها ناجي٬ يعالجها ويجمع بينها وبين سامي جاره اليساري فقير الأرومة٬ نديمه المثقف٬ الذي يهون عليه ليالي الوحدة الطويلة٬ يعالج ناجي خالدة٬ يكسر صمتها وعزلتها٬ بعدما استطاع أن يقنع والدها بدفع مقابل مادي لعشيرتها للسماح لها بالزواج من سامي.

خلق "عبدالجبار ناصر" معزوفة فنية أدبية٬ ما إن تستهل بصفحاتها حتى لا تتركها إلا بعد الانتهاء منها بسلاسة اللغة٬ وتدفق سردي نقل المشهد العراقي خلال ستينيات القرن المنصرم، عبر حبكته الروائية عن الأفكار المتعصبة التي غزتها الديكتاتوريات المتعاقبة على الشعوب العربية.. فرغم الانفتاح والتواصل والقبول بين معتنقي الأديان المختلفة٬ مما سمح بالتجاور والتواصل٬ إلا أن هذه الحالة الإنسانية سرعان ما انقلبت بفعل السياسة ولاعبيها٬ فكما كانت حادثة الفرهود نقطة التحول في تهجير يهود العراق٬ إلا أن ناجي نعوم أصر على أن يمضي في حياته في العراق وطنه الذي لم يعرف غيره٬ رغم أنه فقد حبيبته "تمام" في تلك الحادثة٬ والتي قلبت حياته رأسا على عقب٬ فلم تعد له في الحياة سوى شقيقته٬ بعدما رحل كل أصدقائه ومعارفه من العراقيين اليهود إلى الهند عبر إيران٬ لكنهم أودعوا لديه مفاتيح بيوتهم على أمل العودة مرة أخرى إلى وطنهم العراق.

ناجي الذي أحبه جيرانه ومرضاه٬ وكل أهالي مدينة العمارة٬ لم يتردد أحدهم فى تحمل آلام الجلد والصلب ولا أن يبصق على وجهه كما أمره جلاد المعتقل٬ وكم كان هذا المشهد شديد الحرفية والعفوية في آن.

"اليهودي الأخير" وثيقة تاريخية اجتماعية قدمها عبدالجبار ناصر٬ أودع فيها طرفا من استبداد الأنظمة العربية التي جثمت على صدور شعوبها طويلا٬ وعن الانقلابات التي تقلبت على العراقيين٬ وتوالت معها الاعتقالات والضغوط الأمنية٬ من ترصد وتلصص على المواطنين: "ألقى إسماعيل نظرة مطبوعة بالوعيد هاتفا: أجهزة الأمن تعرف عن الناس أكثر مما يعرفون عن أنفسهم"٬ وبالطبع لا تكتمل تلك القبضة الأمنية الاستبدادية إلا بالتحالف القديم الجديد المستمر طوال الوقت بين رجال السلطة ورجال الدين٬ فقهاء السلطان وتبريرهم٬ قمع السلطات الحاكمة وعسفها: "شرطة العمارة وأنا شخصيا٬ اكتسبنا سمعة جيدة في دوائر الحكومة٬ في بغداد، ليس فقط لأننا مخلصون كل الإخلاص لوطننا وديننا الحنيف٬ وفتاوى علماء الدين٬ بل لأننا أيضا متفانون في أداء مهمتنا المقدسة٬ وهي محاربة الخطر الشيوعي".

كشفت "اليهودي الأخير" عن ضلوع السلطات الحاكمة المتعاقبة في العراق٬ ودورها في تهجير مواطنين عراقيين من اليهود عن وطنهم٬ فقط لأنهم يعتنقون ديانة أخرى مغايرة٬ وهو ما سرعان ورأيناه منذ بداية الألفية الثانية وتجلى في تهجير المسيحيين عن العراق.