رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قاعدة بيانات
الأربعاء 23/ديسمبر/2020 - 03:50 م

أحدث ضحاياهم «أصل الحجر الأسود».. لماذا يكره المتطرفون الكتب؟

أصل الحجر الأسود
أصل الحجر الأسود
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34152

لم تكن واقعة منع كتاب "عبادة الأحجار عند الساميين وأصل الحجر الأسود"، للمفكر السوري الكبير فراس السواح، عن المشاركة في معرض العراق الدولي للكتاب، دورة مظفر النواب، والتي عقدت في الفترة من 9 حتى 19 من الشهر الجاري، ونظمته مؤسسة المدى الثقافية العراقية- الأولى أو الأخير في مسلسل مصادرة الكتب وكراهيتها وإتلافها بالحرق أو التغريق وغيرها من أساليب إبادة الكتب بأفكارها، حيث تعرض منزل الباحثة التونسية الدكتورة آمنة الرميلي، مطلع الشهر الجاري، لمحاولة سطو من قبل مجهولين، أضرموا النيران في مكتبتها المنزلية، وسطوا على ما فيها من ملفات وعلب أرشيف ورسائل دكتوراه.

الكتاب مر خلال القرون والعقود الماضية بعدد من الوقائع التي وصفها البعض بالكراهية، منها «الحظر والتدمير والحرق والمنع من التداول»، الأمر الذي دفع لطرح سؤال حول: لماذا يكره المتطرفون الكتب؟، وبتتبع تاريخ «كراهية الكتب»، يرصد التقرير التالي عددا من الوقائع، والتي تعد أشهرها على الإطلاق:

ــ حرق كتب ابن رشد بداية نهاية دولة الأندلس
كان سقوط دولة الخلافة في الأندلس حتمية تاريخية بدأت منذ أن أحرق الخليفة أبويوسف يعقوب المنصور كتب ابن رشد، واتهمه بالكفر والضلال والمروق وزيغه عن دروب الحق والهداية، ولم يغضب أهل غرناطة لابن رشد أو حاولوا الدفاع عنه، كما أغضبهم جدار النار الذي أضرمته فرقة جنود إسبان عام 1499 في نحو مليوني مخطوط من مكتبات غرناطة لم تستثن منها سوى 300 مؤلف في الطب.

ــ «451 فهرنهايت» للكاتب الأمريكي«راي براد بري»:
إعدام من يقتني رواية «451 فهرنهايت» الكابوسية للكاتب الأمريكي «راي براد بري»، التي تحولت إلى فيلم عام 1966 للمخرج الفرنسي «فرانسوا تروفو»، وقد مُنع تداولها في دول عدة وفي المدارس في كافة أنحاء العالم.

تدور الرواية حول مستقبل تحظر السلطات فيه كل الكتب، ونشر الكتاب في عام 1953م خلال الحقبة المكارثية، واعتبر وقتها كتابًا يتحدث عن المرحلة، وينتقد الرقابة على المطبوعات.. كانت الرواية ردا من«براد بري» على الإرهاب الثقافي الذي مارسه السيناتور «جوزيف مكارثي» على الكُتّاب والمثقفين في أمريكا.

ـ مصر.. تاريخ من الرقابة على المطبوعات
حادثة وقعت قبل صدور قانون الرقابة على المطبوعات بشكل رسمي عام 1881م، الذي سنته سلطات الاحتلال الإنجليزي، ولم يكن قد مر شهر ونصف الشهر على مظاهرة«أحمد عرابي» أمام سراي عابدين، عندما اعترض الخديو إسماعيل عام 1870م على مسرحية يعقوب صنوع «الضرتان» لأنها اشتملت على تعريض بمن يتزوج بأكثر من واحدة، فمست الخديو ذاته وعلاقاته النسائية المتعددة دون قصد، وفي عام 1909 كتب خليل مطران محتجا على قانون المطبوعات قصيدته الشهيرة: «كسروا الأقلام هل تكسيرها.. يمنع الأيدي أن تنقش صخرًا؟».


ـ «الإسلام وأصول الحكم ».. و«في الشعر الجاهلي»:
هل تُقتل الأفكار بحرق الكتب؟ كانت البداية الحقيقية لمطاردة الكتاب بشكل رسمي من قبل الدولة والسلطات الرسمية المتمثلة في الملك «فؤاد» مع كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، الصادر في أبريل سنة 1925م، والذي كتبه الشيخ على عبدالرازق، قاضى محكمة المنصورة الابتدائية الشرعية حينذاك، ووُجه الكتاب بقائمة اتهامات طويلة على رأسها الكفر والإلحاد.

جاء الكتاب في العام الذي تليه سقوط الخلافة العثمانية 1924، وفيه يفصّل مفهوم الخلافة، وهل هي خلافة الله أم خلافة رسوله.

واقعة أخرى في تاريخ كراهية الكتب وقعت عام 1926م، عندما صدر كتاب «في الشعر الجاهلي»، للدكتور طه حسين، المدرس حينذاك بالجامعة المصرية، وقامت القيامة على الكتاب ومؤلفه، ولم تقعد حتى الآن للدرجة التي دفعت الدكتور طه حسين إلى إرسال خطاب لمدير الجامعة بتاريخ 12 مايو 1926 يؤكد فيها إسلامه!!

وفي كتابه «في الشعر الجاهلي.. الكتاب والقضية»، للناقد الدكتور عبدالمنعم تليمة، يذهب إلى أن: "الكتاب في منهج التاريخ للغة والأدب وطرائق نقد النصوص وتصحيح نسبتها إلى منشيئها، وقد فتح الكتاب- وهو يعالج مادته الأدبية- بابًا واسعًا في النظر إلى التراث، ودعا إلى مناهج جديدة لدرس هذا التراث وتقويته، وأثار جملة هامة من المسائل الدقيقة التي تتصل بأنظار ومفهومات ثقافية وتاريخية وفكرية وعلمية".

ويذهب «تليمة» إلى أن: « مجمل ما يصل إليه طه حسين في هذا الشأن أن الكثرة من الشعر الجاهلي بين مرفوض ومشكوك فيه، وأن قلة منه هي شعر مضر في حاجة إلى تحرٍ وتدقيق وتحقيق، أما النثر الجاهلي فلا قيمة له ولا غناء فيه».

ـ حكاية نجيب محفوظ مع «أولاد حارتنا»:
في سنة 1959 حدثت أشهر المصادرات، وهي مصادرة رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، حيث اشتعلت أزمة مجتمعية لم تهدأ إلا باتصال من «حسن الخولى»، الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية، بنجيب محفوظ واستأذنه في عدم نشرها في كتاب داخل مصر، ووافق نجيب محفوظ لكن الرواية ما زالت ممنوعة رسميا حتى الآن.

ـ «مقدمة في فقه اللغة العربية».. وكواليس مصادرة كتاب لويس عوض:
أصاب المنع كتاب «مقدمة في فقه اللغة العربية» للمفكر والناقد لويس عوض، والذي صودر سنة 1981م، وانتفض الفقهاء وثار الأزهر لأن الكتاب تناول اللغة العربية كأي لغة أخرى كظاهرة اجتماعية تتطور بتطور المجتمعات وتضمحل وتتجدد وتتلاقح، وكان على المسيحي لويس عوض أن يناله من المصادرة جانب».

ويذهب الكاتب «نسيم مجلي»، في كتابه «لويس عوض ومعاركه الأدبية»، إلى أن "كتاب «مقدمة في فقه اللغة» موسوعة فكرية ولغوية ضخمة، واختراق قوي لعوامل العزلة والجمود التي تفصل بيننا وبين عهود ازدهار الفكر والحضارة العربية، ولا يملك أي دارس لحياة لويس عوض وإنتاجه الفكري والأدبي إلا أن يطيل الوقوف والتأمل أمام هذا الجهد الهائل محاولا التعرف على مضمونه ومرماه وفهم ما ثار حوله من مطاعن واتهامات وصلت به إلى هذه النهاية المأساوية المتمثلة في مصادرة الكتاب وعدم تداوله في مصر، ولا يزال الكتاب ممنوعًا في مصر من عام 1981حتى الآن".

من جانبه، كشف الكاتب الصحفي«حازم هاشم»، دور «السادات ورشاد رشدي» في مصادرة كتاب فقه اللغة العربية، في مقاله بمجلة «القاهرة» ديسمبر 1992 تحت عنوان «أسرار جديدة حول كتاب مقدمة في فقه اللغة العربية»، قال فيه إنه كتب مقالا صغيرا بجريدة الشعب، يدعو فيه إلى مناقشة آراء الدكتور لويس عوض الخاصة باللغة العربية والدين الإسلامي.

ـ أبناء الخطأ الرومانسي:
بعد ثماني سنوات من مصادرة كتاب لويس عوض "في فقه اللغة العربية" 1981، أتى الدور على المصادرة التي انتهت باغتيال الدكتور «فرج فودة» على خلفية كتاباته المستنيرة التي تلقي الأفكار في بحيرة الحياة الفكرية الآسنة، القائمة طويلة تضم كتب المستشار «محمد سعيد العشماوي» وهى: «الإسلام السياسي والخلافة الإسلامية وأصول الشريعة ومعالم الإسلام والربا والفائدة في الإسلام، والكاتب علاء حامد «مسافة في عقل رجل»، وإغلاق مجلة «إبداع» على خلفية نشرها قصيدة «شرفة ليلى مراد» للشاعر حلمي سالم، وطلبات الإحاطة التي قدمت في مجلس الشعب ضد رواية «وليمة لأعشاب البحر» من مدعي الشهرة محمد عباس، الذي حرض على الرواية وكاتبها السوري حيدر حيدر، مما أشعل جامعة الأزهر بالمظاهرات، وخروج طلابها يبتغون رأس كل من ساهم في ظهور«الوليمة» بدءا من مؤلفها وليس انتهاء بالمسئولين عن نشرها.

بالإضافة إلى تحويل الكاتبين إبراهيم أصلان، وحمدي أبوجليل، للتحقيق، حيث كان يشغل «أصلان» منصب رئيس تحرير سلسلة «آفاق عربية» التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، رغم أن الرواية كانت قد نشرت قبل هذه الزوبعة بأربعة أشهر!.

و في عام 2001 اشتعل الجدل في الأوساط الثقافية عقب ما تعرضت له ثلاث روايات جملة واحدة، صدرت أيضا عن هيئة قصور الثقافة، وعرفت حينها بـ«أزمة الروايات الثلاث»، وهي روايات:« أحلام محرمة لمحمود حامد، وأبناء الخطأ الرومانسي لياسر شعبان، وقبل وبعد لتوفيق عبدالرحمن»، حينما تقدم محمد عباس، عضو جماعة الإخوان الإرهابية، باستجواب في مجلس الشعب لوزير الثقافة المصري في ذلك الوقت «فاروق حسني» يتهم الروايات بانتهاك الآداب العامة.

وفي عام 2010 ألقت الشرطة القبض على الروائي إدريس علي، على خلفية نشره روايته «الزعيم يحلق شعره»، التي تتناول جانبا من الأوضاع الاجتماعية في ليبيا في نهاية السبعينيات.

وفي أبريل من عام 2011 قامت مجموعة من المنتمين للتيارات الدينية برفع دعوى قضائية ضد الكاتب «كرم صابر» يتهمونه فيها بازدراء الأديان؛ لإصداره مجموعته القصصية «رأيت الله»، وأنها تدعو إلى الإلحاد وسب الذات الإلهية وتحض على الفتن وإهدار الدماء، حسب وصفهم.

وفي تتبع رحلة قمع ومطاردة الأفكار والكتب لا ننسي الروائي الجزائري محمد شكري، وروايته «الخبز الحافي»، التي لا تزال ممنوعة في بعض الدول العربية، ويبدو أن سلسلة "محرقة الكتب" والإبداع لم تنتهِ بعد وحتى إشعار آخر.