رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الجمعة 18/ديسمبر/2020 - 03:24 م

«رحلة الدم».. رواية تكشف المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي

«رحلة الدم».. رواية
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34134

على طريقة "الفلاش باك" السينمائية٬ أي العودة للوراء٬ يستهل إبراهيم عيسى روايته "رحلة الدم.. القتلة الأوائل"٬ والصادرة عن دار الكرمة للنشر٬ بهذه العتبة النصية يفتتح روايته٬ وعبدالرحمن بن ملجم، قاتل علي بن أبي طالب٬ تتناوشه ملامح امرأته "قطام بنت الشجنة"، حسب الطبري في «البداية والنهاية»٬ التي أفتاها بأن معاينة عريها الكامل طلبا لزواجها حلال!

حافظ القرآن ومحفّظه للأطفال والصبية٬ الممتلئ كراهية للإمام علي بن أبي طالب٬ كان على قناعة راسخة ويقين بأن قتله لعلي ليس بحثا عن نصر في حرب أو مغنم٬ وإنما دفاعا عن القرآن ودين الله! ولا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نفصل بين اغتيال علي بن أبي طالب على يد بن ملجم٬ ومئات الحوادث الإرهابية الدموية التي عرفها التاريخ الإسلامي٬ بدءا من اغتيال عثمان بن عفان٬ مرورا بقتل علي بن أبي طالب وصولا لمئات الحوادث المشابهة في عصرنا الحديث٬ القتل باسم الدين وتحت رايته نصرة لله والدفاع عنه٬ وكأن الله- حاشاه عز وجل- قليل الحيلة ضعيف يحتاج لمن يدافع عنه.

بن ملجم لا يختلف بمقدار شعرة عن الإرهابيين، سواء جماعة الإخوان التكفيرية أو الجماعات الإسلامية٬ مثل القاعدة وبوكو حرام٬ وأنصار الشريعة وداعش.. إلخ، فكلهم يؤمنون بأنهم يطبقون شرع الله في الأرض٬ يعتنقون امتلاك الحقيقة المطلقة٬ وأنهم يدافعون عن الدين وعن الله وينصرونه.

يرصد "عيسى" في روايته تاريخ بن ملجم من أول ابتعاثه إماما للجند المتواجد لغزو مصر في الصلاة٬ وكيف أنه منذ بداياته الأولى وعقليته جامدة تتمسك بحرفية النصوص٬ بل يصل به حد ما يشبه التأليه لصحابة الرسول أن يرى الواحد منهم بألف رجل بالمعنى المادي وليس المجازي فحسب: "حين أتم بحثه وشاهد مسلمة بن مخلد والمقداد بن الأسود فأكمل الأربعة معاينة٬ لم يعد أمامه إلا الشك في عقله٬ فذهب وسأل مسلمة ذات ليلة وقد نهب الشك قلبه: لقد تابعتك مع صحبك منذ جئتم٬ ولم أعرف لماذا عدكم ابن الخطاب واحدكم بألف٬ فهل تحنو على أخيك بالإجابة؟ ثم أضاف: أين التسعمائة والتسعة والتسعون رجلا الآخرون فيك؟" الرواية صفحة 34.

لم يستطع عقل بن ملجم التقي الورع مقيم الليل، صلاة وذكرا٬ أن يستوعب أن صحابة رسول الله بشر مثله ومثلنا٬ يخطئون ويصيبون٬ يأكلون مثلنا ويشربون.

هنا عقلية بن ملجم لا تختلف أيضا عن عقلية السلفيين الذين يكادوا يؤلهون الصحابة٬ ويرونهم فوق أي نقد أو مراجعة٬ بل يفتكون بمن تسول له نفسه أن يشير لذلك ولو من بعيد٬ وليس الدكتور طه حسين٬ ولا الشيخ علي عبد الرازق، وصولا لفرج فودة ونصر حامد ببعيدين.

وتابع عيسي في رحلته فصول الفتنة الكبرى٬ وما شهدته من دماء وقتل، من أول اغتيال علي بن أبي طالب٬ وصولا لذبح عثمان بن عفان٬ وما بينهما من حوادث٬ مثل اشتراك السيدة "أم سلمة"، زوجة الرسول، في الحصار الذي ضُرب على بيت عثمان بن عفان.

وتحريض عائشة بنت أبي بكر على قتل عثمان وهي تصيح: "اقتلوا نعثلا فقد كفر"٬ ومن بعد قتله وتولي علي خلافة المسلمين تستدعي ما كانت "صرته" في قلبها ناحية علي، عندما قال للرسول أن يطلقها على خلفية حادثة الإفك٬ فتعود لتحرض عليه هذه المرة رافعة قميص عثمان المدمي الذي قُتل وهو يلبسه٬ مطالبة بالقصاص لدمه٬ حتى إنها شاركت بنفسها من فوق هودجها في معركة الجمل التي سميت على اسم الناقة التي كانت تحملها وتقود من فوقها المعركة ضد علي بن أبي طالب، والتي قتل فيها طلحة بن عبيدالله، أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة.