رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الخميس 17/ديسمبر/2020 - 08:32 م

«الكل يحكم بهواه باسم الدين».. كيف سيطرت أسطورة الخلافة على الذهنية التكفيرية؟

«الكل يحكم بهواه
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34132

كان لتأسس مصطفى كمال أتاتورك جمهورية تركيا الحديثة، وإلغاء الخلافة الإسلامية وإعلان علمانية الدولة 1924، بالغ الأثر على حسن البنا، بما يشبه انهيار العالم والتاريخ٬ بحد تعبير الدكتور محمد عفيفي، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة.

وقال عفيفي، في لقاء كنا قد أجريناه معه: "من عيوب جماعة الإخوان الإرهابية منذ بداية تأسيسها، والتى استمرت معها حتى هذه اللحظة، هو غياب النقد التاريخي، فالتاريخ لدى الجماعة مقدس وليس لديهم نقد تاريخي، لذا يكررون أخطاءهم، بالتالى فكرتهم عن الخلافة مقدسة وكيف للعالم أن يعيش دونها، ولم يدرس أحد من جماعة الإخوان التاريخ، وأن الخلافة تحولت إلى ملك عضوض على يد الدولة الأموية، لم يدرس أحد منهم ليعرف أنه كان هناك أكثر من خليفة فى نفس الوقت، وعلى سبيل المثال كان هناك الخليفة العباسى فى بغداد وفى الوقت نفسه هناك الخليفة الفاطمى فى مصر والخليفة الأموى فى الأندلس، وخلفاء آخرون أعلنوا الخلافة فى مناطق صغيرة جدا".

وتابع "عفيفي": لم يدرس أحدهم أن الخليفة العباسى قبل سقوط الخلافة على يد المغول كان قد تحول إلى نموذج أقرب للفاتيكان، يجلس فى بغداد بينما بقية العالم الإسلامى تحول إلى دول، لم يدرس الإخوان التاريخ ليعرفوا أن المماليك فى مصر لكى يضفوا الشرعية على حكمهم جلبوا أحد أبناء الدولة العباسية ونصبوه خليفة فى مصر وأصبح مجرد منصب شرفى، تختزل صلاحياته فى الشكليات، كأن يخرج فى الأعياد والمناسبات والاحتفالات ولكن ليس له دور فى الخلافة أو الحكم، وهذا حدث لمدة مئات السنين.

إحياء الخلافة الإسلامية، قميص عثمان، الذي يشهره الإسلام السياسي وفي القلب منه الجماعات والتنظيمات المتطرفة منذ تأسيس البنا للجماعة المحظورة مرورا بالجماعات المتطرفة، منها تنظيم القاعدة وطالبان وبوكو حرام وصولا إلى تنظيم داعش الإرهابي وأبوبكر البغدادي، وأسطورة الخلافة الإسلامية لا تغادر الذهنية التكفيرية والإسلام السياسي برمته٬ جاهلين أو متجاهلين حقيقة تلك الخلافة الدموية والمجازر البشعة التي ارتكبتها في حق الشعوب٬ وهو ما يكشفه مجاور الأزهر الكاتب الراحل سليمان فياض في كتابه "الوجه الآخر للخلافة الإسلامية".

وأكد "فياض" أن الفشل الذريع الذي منيت به تجربة الخلافة الإسلامية منذ بداياتها في العصر الأموي من القرن الأول الهجري مرورا بعصور العباسيين والفاطميين وانتهاء بسقوط الإمبراطورية العثمانية في عشرينيات القرن المنصرم٬ خلافة لأسر ملكية حاكمة، أموية كانت أو هاشمية، أو تركية عثمانية، ارتدت قناع الدين والحكم بالتفويض الإلهي بدعاوى تطبيق الشريعة بينما كانوا في حقيقتهم ملوكا دنيويين، يرتدون مسوح الدين لإخضاع وتوريث الأرض بمن عليها لأبنائهم جيلا بعد جيل البلاد، ويهدمون مقاصد الدين من العدل، وحرية الاعتقاد، والأمن، والتكافل الاجتماعي، والإخاء والمساواة، واستقلال بيوت أموال المسلمين عن بيوت أموال الأسر الحاكمة.

ومع سقوط آخر معاقل الخلافة الوهمية بسقوط الإمبراطورية العثمانية ظن دعاة تيار الدولة المدنية أن الطريق صار معبدا أمام دولة العقد الاجتماعي وقوانينه المدنية المنظمة للعلاقات بين الشعوب وحكامها٬ لكنهم اصطدموا بفقهاء وسدنة هذه الخلافة المتباكين على ضياعها متجاهلين تاريخها المتخم بالقهر والاستعباد وغزو شعوب الأرض باسم الدين، وفرض الجزية على كل من أسلم من أبناء هذه الشعوب، مخالفة بهذا الفرض أوامر الدين بأنه لا جزية على من أسلم٬ وراح هؤلاء المتباكون يكتبون ويخطبون بعودة هذه الخلافة المزعومة لدى ملوك الأسر الحاكمة، كما حدث مع الملك فاروق في مصر وأسرة آل سعود في الجزيرة العربية٬ لكن مساعيهم خابت أمام التيار المدني الحداثي حتى أواسط القرن العشرين.

بصعود نجم حركات الإسلام السياسي وجماعاته اليمينية المتطرفة خلال سبعينيات القرن العشرين، علت الدعوات مرة أخرى لعودة الخلافة، واصطنعت هذه الدعوات لنفسها تنظيمات إرهابية ترفع شعار الجهاد، وتكفر الأنظمة المدنية الحاكمة وكل المسلمين في هذه الأنظمة، متجاهلين ومنكرين "منطق العصر" وحتمية القطيعة المعرفية مع نظام حكم فرضته ظروف وأدوات عصر انقضي٬ وضرورة تداول السلطة وآليات الديمقراطية كل عدة سنوات لدفع مفسدة السلطة المطلقة طويلة المدى، وضمانا لمراقبة تصرفات الحكام ومحاسبتهم مع الأخذ بحقوق الإنسان والتي هي من مقاصد الدين.

وأورد الكتاب تسلسلا لسنوات الحكام في السلطة بداية من معاوية بن أبي سفيان الذي حكم 20 عاما، وحكم عبدالملك بن مروان 20 عاما، وهشام بن عبدالملك 19 عاما.. وفي الخلافة العباسية مكث كل من أبوجعفر المنصور والمأمون 20 عاما والمعتمد 22 عاما.

وأعاد كتاب "الوجه الآخر للخلافة" قراءة 40 كتابًا فى تاريخ الخلفاء، وقدم فى لغة سهلة بسيطة مباشرة تميز بها سليمان فياض، وخلص إلى نتائج مقلقة: لقد كانوا فى أغلبهم يريدون أن يكون الناس "بلا تفكير، ولا معرفة، ولا ذاكرة" الكل كان يحكم بهواه باسم الدين، النزاعات والمذابح والخلافات الفقهية الحقيقية والمكذوبة كانت ستارًا لجمع الخراج، ولحياة الترف والبذخ الأسطورى الذى عاش فيه أغلبهم.. للقتل والتعذيب والاضطهاد فى تاريخ الدولتين الأموية والعباسية أساطير لا تصدق وكلها كانت تتم تحت ستار الدين والخلافة، وفى وجود الفقهاء وأصحاب الفتوى والرأى الذين أوصلونا إلى ما نحن فيه الآن.

نجح "سليمان فياض" في هذا الكتاب أن يستخلص من كتب المؤرخين المسلمين، القدماء والمعاصرين، ومن تحليلاتهم صور الوجه الآخر لخلافات القهر، الوجه القبيح للحكم الاستبدادي الشمولي بنزوعاته الإمبراطورية، وسعيه للتوسع دائما باسم الدعوة للدين، ووضعها للمتلقي العادي ودعاة العودة إلى نظام الخلافة خاصة في العالم العربي، والعالم الإسلامي، حتى يكتشفوا أنه نظام لا ينبغي للمسلمين أن يعودوا إليه مرة أخرى، فهو نظام فرضته العصور الوسطى، وكان طبيعيا أن يوجد في تلك العصور.