رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الخميس 10/ديسمبر/2020 - 02:08 م

كواليس صراعات وتكفير «البنعلية» و«الحازمية» لبعضهما داخل تنظيم «داعش» (تفاصيل)

كواليس صراعات وتكفير
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34095

لم يكن قرار محمد الفاهم، عضو تنظيم داعش الإرهابي، بالفرار من التنظيم تراجعا عن أفكاره أو صحوة فكرية تستنكر كل هذه الوحشية والدموية التي شهدها العالم منذ إعلان ما سمي بالخلافة الإسلامية٬ إنما بمآخذ الفاهم عن التنظيم وأنه لا يطبق "شرع الله" كما يجب! عندها توصل إلى أن داعش ليس الفرقة الناجية دون الـ73 فرقة الأخرى.

يشير "الفاهم"، في شهادته للكاتب التونسي هادي يحمد٬ لهذه الفترة التي سبقت قراره بالفرار قائلا: "طرح أسئلة قضية عدم العذر بالجهل يعني فيما يعني طرح السؤال حول شرعية اتباع الدولة هذا المنهج٬ نعم الدولة تعذر بالجهل فهل يعني أن منهجها على باطل؟ وأن قيادتها الشرعية وعلى رأسها "تركي البنعلي"، شرعي الدولة الأول، كافر لأنه لم يكفر الكافر؟! وأن أمير المؤمنين أبا بكر نفسه منحرف ضال لأنه أمير على دولة تعذر بالجهل؟ الأمر لن يتوقف على النظرة الشرعية لأمراء الدولة وقادتها بل يشمل كل المنهج من أصله٬ كان كل من يعذر بالجهل طبق نفس النظرية كافرا، ومن ضمنهم العلماء الذين يوجدون اليوم في سجون السعودية، مثل الشيخ ناصر العلون والشيخ الخضير".

وتابع: "طبقا للنظرية نفسها فإن عوام العالم أجمع بطبيعتهم جاهلون، وبالتالي كفرة مشركون، ومن يعذرهم من العلماء وشرعيي الدولة كفرة مشركون٬ ومن يأتمر على هؤلاء الشرعيين من مجلس شوري الدولة كفرة مشركون٬ إذن البغدادي الذي يقود الدولة يندرج ضمن هذا التصنيف! كان الأمر بالنسبة إليك هو ولوج دوامة من الأسئلة التي كثيرا ما هربت منها وأجلتها٬ انتهى بك الأمر إلى فهم أن هذه الفرقة الناجية التي هاجرت إليها وتركت الغالي والنفيس من أجلها تضم فرقة أصغر تعتبر نفسها ناجية، وقد يأتي يوم تخرج فيه من الفرقة الصغيرة الناجية طائفة (أنجي)، اكتشفت أن منطق التكفير بالتسلسل سوف يؤدي إلى تكفير الدولة وأمرائها وقادتها لأن الدولة لا تكفر بعض العلماء الذين يعتبرون من شيوخ الجهاد الذين بقوا على مساندتهم لتنظيم القاعدة".

واستكمل: "اكتشفت أن داخل داعش تكفيرا متبادلا بين تيارين، "البنعلية"، نسبة إلى شرعي الدولة الأول البحريني تركي البنعلي٬ وشيخ آخر له أتباع في الدولة وهو (أحمد بن عمر الحازمي) ويطلق على أتباعه الحازمية، وهي فرقة سرية تعتبرها الدولة من الخوارج الذين يستحل دمهم".

كما أضاف: "أما عن إعدام التنظيم لمحمد الزين أبودجانة، الذي كان ضمن كتيبة المهاجرين في مدينة "الدانا" وبايع البغدادي وأصبح من قادة الدولة في الشام وانضم فيما بعد لجهازها الأمني وأصبح من أشرسهم٬ فهناك حكايات كثيرة رويت عن تعذيبه المعتقلين وتنكيله بالأسرى وانتزاع الاعترافات منهم بالقوة.. كان يعلق المساجين بالمسامير من أيديهم وأرجلهم.. لا يعلم أحد متى تحول أبودجانة إلى تكفير العوام طبقا لمقولة (عدم العذر بالجهل)، بدأ يسلب أموال من يعتبرهم مرتدين ولم يتردد في قتلهم، وانتهى به الأمر إلى الاعتقال من قبل الجهاز الأمني الذي كان أبرز عناصره٬ اعتقله إخوان الأمس بعدما كفرهم فحاكموه، وانتهى به أمره بالقتل تعزيزا هو و500 تونسي آخر كانوا يتبعون نهجه في الغلو والتشدد".

وأوضح أنه عندما يتحدث قيادات داعش عن مسألة قتل التوانسة يقولون: "إخواننا رحمهم الله ولكن كان عندهم غلو!".. لم يكن الصراع بين البنعلية والحازمية في داعش صراعا بسيطا٬ أحدهما يعتقد أن الثاني على مذهب الخوارج والثاني يعتبر أن الأول كافر مشرك.. كان نفقا طويلا بلا نهاية. فهمت أنك أمام منهج متتال من التكفير سوف يؤدي بك إلى نتيجة مفادها تكفير بالتسلسل٬ الحازمي يكفر منهج الدولة التي ناقضت بدورها منهج القاعدة التي نهلت بدورها من منهج السلفية الجهادية والتي جاورت بدورها منهج الإخوان الذي ألغي بدوره منهج عوام المسلمين.. اكتشفت أنك في ماكينة التكفير الذي لا نهاية له، فرقة تكفر الأخرى، وفي نهاية الأمر لن يبقى من الإسلام إلا اسمه٬ وسوف ننتهي يوما إلى مقولة "المسلم الأخير" اقتداء بمقولة اليهودي الأخير الشهيرة.

واختتم: في هذه المرحلة لم يكن الأمر يتعلق بالنسبة للفاهم بمجرد انتقادات لتصرفات قادة الدولة وأخطاء الحروب وشبهات خيانات أدت إلى مقتل المئات من مقاتليها في كوباني وتل أبيض وغيرها، أصبح الأمر يتعلق بانتقادات لمنهج الدولة بحد ذاته والأسس التي انبنت عليها٬ إذا كانت تهمة الانتقادات الأولى (التخذيل) عقوبتها السجن والتعذيب فإن تهمة الشك في معتقدات الدولة سيؤدي بك حتما إلى القتل والصلب بتهمة الغلو أو الردة.. كانت عمليات التصفيات التي تجري ليلا في مطار (كشيش) هو التاريخ السري الذي لا يعلمه المهاجرون القادمون إلي ما يحسبونه دولتهم الإسلامية٬ هذه دولة تصفي كل من يخالفها المنهج حتى ولو كان من أبنائها".