رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 07/ديسمبر/2020 - 01:47 ص

الشاعر إبراهيم المصري يكتب لـ«أمان»: الميثاق والمُضحكات

الشاعر إبراهيم المصري
الشاعر إبراهيم المصري
aman-dostor.org/34080

"أقسم بالله العظيم أن أعمل بهذا الميثاق وما جاء به وسوف أطبقه على نفسي أولًا وأن أقف ضد مَن ينتهك الثوابت الدينية أو الأخلاقية أو الوطنية بالقانون، والله على ما أقول شهيد".

هذا القَسَم كتبته سيدة تكتب الشعر العمودي، تعليقًا على ما قال أحد المشتغلين بالكتابة إنَّه "ميثاق شرف الكلمةـ ورقة للحوار" ونشره على صفحته في «فيسبوك»، داعيًا "كل الحكماء من كتَّاب مصر والعالم العربي والإسلامي إلى التعاطي مع هذا الميثاق، وتحريك ماء الثقافة بإدارة حوارٍ راشدٍ موسَّعِ حوله، والتوقيع عليه، قبولًا أو رفضًا".

وخلاصة هذا الميثاق، إن استثنينا تناقض مقدمته مع ما يدعو إليه، أن صاحبه يقف "بانحياز كامل في صف حرية الإبداع والتعبير".. لكن ثمة خطوط على الجميع عدم تجاوزها وهي "الله، الأنبياء، الوطن، ويتوسع صاحب الميثاق في مغزى الوطن ويضيف إليه ما قال إنه الثلاثية المقدَّسة: الأرض، الأسرة، الأخلاق".

وبوسعنا وصف الميثاق بأنه إطار ديني يعبِّرُ عن قناعات صاحبه، وله الحق بالطبع في أن يقتنع بما يشاء وأن يدافع عمَّا يقتنع به، لكن الميثاق كله خروجٌ صريح على مفهوم الدولة الحديثة، ووصاية تامة في الحديث باسم نحو مليار ونصف المليار مسلم في العالم.. ولا أعرف أحدًا تواتيه الشجاعة إلى حد أن يكتب ميثاقًا كهذا، ظنًَّا منه أنه يخاطب "الأمة الإسلامية" بل ويتحدث بثقة قائلًا: "لأنُّه في البَدءِ كانَتِ الكلِمةُ، كلِمةُ النُّورِ، كلمةُ الحقِّ والخَير والجَمالِ، كلمةُ البناءِ والتَّعميرِ والتَّنميَةِ، كلمةُ الإنسانِ بما هُو خليفةُ اللهِ وصُورَتُه في الأرضِ، ولأنَّنا المصطفَونَ الأخيَارُ المختَارُون لحَملِ هَذا الوِسَام الإلهيِّ الخالد: «كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أخرجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بالمعرُوفِ وَتَنهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤمِنُونَ باللهِ» (آل عمران: 110)".

فماذا إذن لو رفض قليلٌ أو كثيرٌ من الناس هذا الميثاق؟.. هل يعني ذلك خروجًا من صف "المصطفين الأخيار المختارين"، وإذ يبدو الميثاق كله ذا صبغة دينية مفرطة في الحماس السلفي لبشر لا يرون غيرَهم على الأرض، فإن هذا الميثاق يتعارض معارضة مباشرة مع المادة الأولى من الدستور المصري: "جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شيء منها، نظامها جمهوري ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون".

الأساس هنا إِذَن هو المواطنة وسيادة القانون لا "المصطفون الأخيار المختارون" أيًَّا كان دينهم وعقيدتهم، وبالتالي لا يحق لأحد سوى الدولة أن تنظم أحوال الناس بما في ذلك أحوال الكلمة وحرية التعبير، ولدى الدولة بالفعل ترسانة قوانين في الزجر أو حتى السجن باسم "ازدراء الأديان أو التعدي على قيم الأسرة المصرية، وصولًا إلى القوانين المجرمة للخيانة العظمى" أي خيانة الوطن والدولة والأرض.

إن هذا الميثاق أيًَّا كانت أهدافه، ينطلق من "العقل الديني"، وهو عقل يظن نفسه فوق المجتمع والقانون والدولة، وبوسعه أن يُشرِّع ما يظن أنه "كلمة الحق"، ولعلَّه من الدلالة أن نقرأ ما انتهى إليه الميثاق: "هذا وعدُ اللهِ، وإنا بوعدِه مؤمنُون، عقَدنا عقائِدَنا الجَماليَّةَ عليهِ، علَى هَذا نَحْيا، وعليهِ نمُوتُ، وعليهِ نلقى اللهَ يومَ الدَّينُونةِ الحقَّةِ، لتُجزَى كلُّ نفسٍ بما كسَبتْ جَزاءً عدلًا وِفاقا! هذا، واللهُ مِن وَراءِ القَصْد".

وإن كان هذا "وعد الله" فماذا بوسع إنسان أن يفعل سوى أن يقسم القسم أعلاه، وإن كان هذا "وعد الله" فبأي دليل أعطاه الله، عز وجل، لرجل يعيش في زمن انقطاع الوحي والنبوة لكي يكتب باسمه ميثاقًا ويعمِّمه على الناس للموافقة أو الرفض؟.. والإجابة هي: "تنطع العقل الديني" في رؤية ذاته ضمن مساره فقط، لا إلى البشرية كلها على تنوع أديانها ودساتيرها وقوانينها وثقافاتها، في زمن ليس زمنَ تأسيس ديني ولا زمن نبوة ولا زمن وحي.. لكن علينا أن نصدق حتى نكون من "المصطفين الأخيار المختارين" أن وعد الله تلقاه إنسان يعيش في مدينة مصرية قد لا يسمع بها معظم المسلمين في العالم، ووجد في نفسه الثقة الكافية ليكتب ميثاقًا باسمهم، وإنني أغبطه على هذه الثقة، لكن ما لا أغبطه عليه هو نزوعه إلى "التشريع" الذي هو في بلدٍ كمصر من مهام البرلمان، ولا أعرف كذلك كيف واتت كاتب الميثاق الشجاعة وكتب عبارة كهذه "هَذا هُو ميثَاقُ شرَفِ الكَلِمَةِ، وهَذِه هي المسَائِلُ الثَّلاثُ الَّتي يُجَرِّمُ الميثَاقُ التعدِّيَ على حرُماتِها المصُونة المحترَمَة"؟.

وصدق المتنبي حين قال: وكَم ذا بمصرَ من المُضحكاتِ ولكنَّه ضحكٌ كالبُكا.

يا أبا الطيب، في مدينة طنطا المصرية، ارتكتب مواطنٌ مصريٌّ واحدةً من هذه المُضحكات.