رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الإثنين 30/نوفمبر/2020 - 12:54 م

صاحبها رشيد رضا.. جريدة «المنار» حصان طروادة لدخول الوهابية مصر

صاحبها رشيد رضا..
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34051

إبان القرن الحادي عشر، وصف عالم الاجتماع ابن خلدون مصر بأنها حاضرة الدنيا وبستان العالم، يومئذ كانت القاهرة قِبلَة الفكر الإسلامي فى المشرق والمغرب، ولبلاطها الشهرة الواسعة فى حماية العلوم والآداب.. وهى القاهرة نفسها التى ستصاب بالذعر والهَلَع تحت قصف مدافع الحملة الفرنسية وبارودها، ويصرخ قاطنوها كما ورد فى تاريخ الجبرتى: «يا خفى الألطاف نجِّنا مما نخاف».

الصدمة الحضارية التى نتجت عن لقاء الشرق الغارق فى غيبيّاته وعلومه الجامدة التى اقتصرت على النقل، بالغرب الذى بدأ يجنى ثمار عصر التنوير بقضائه على تدخل الكنيسة فى الشئون العامة، سواءً فى السياسة والحكم أو المجال العام للمجتمعات الغربية.

وكان اختراع آلة الطباعة على يد «جوتنبرج» ثورة فارقة فى تاريخ الغرب، لا تقل عن ثورته الصناعية، واكتشاف المحركات البخارية، وبينما يبدأ الازدهار الحضارى المعرفى الغربى نجد حضارة الشرق تتجه نحو الأُفول، ويعد تقلُّد محمد على حكم مصر بداية لمشروع التحديث الذى نهض به محمد على خلال ما يزيد على أربعين عامًا من الحكم، كان أبرز ما فيه اهتمام محمد على بالتعليم كأساس نهضَوى، فأرسل البعثات التعليمية إلى أوروبا، وما ترتب عليها من تأسيس النهضة الفكرية التى شهدتها مصر نهاية القرن التاسع عشر وحتى الأربعينيات من القرن العشرين، وظهور جيل التنويريين؛ أمثال: رفاعة الطهطاوى، على مبارك، الشيخ على عبدالرازق، لطفى السيد، طه حسين، والشيخ محمد عبده الذى تزامن اعتزاله العمل السياسى مع تفرغه للإصلاح الدينى والفكرى، داعيًا إلى الاجتهاد، وهو ما استعدى عليه رجال الأزهر بأفكارهم الجامدة النقلية.

انتقد الإمام محمد عبده الأفكار الوهابية المتزمّتة التى كان قد دشنها محمد بن عبدالوهاب فى الجزيرة العربية، وبدأت أصداؤها تتردد فى العالم الإسلامى.

ووضع الإمام محمد عبده أصولا تخالف الوهابية، على رأسها قيام الإيمان على العقل، وتقديم العقل على ظاهر الشرْع عند التعارض بينهما، وهدْم السلطة والدولة الدينية، فليس فى الإسلام سلطة دينية وإنما دولة مدنية، ولم يجعل الإسلام لأى فرد أو جماعة سلطة على العقائد وتقرير الأحكام والابتعاد عن التفكير.

مع رحيل الإمام محمد عبده، خلفه تلميذه محمد رشيد رضا، الذى خان مسيرة شيخه الإصلاحية بما يحمله من أفكار سلفية شديدة الكُره تجاه المسيحيين، وعن طريق رشيد رضا تسلل الفقه البدوى الوهابى إلى مصر، عبر الجمعية الشرعية ومساجدها التى انتشرت فى مصر، وهى أضخم جمعية فى مصر وتسيطر على أكثر من ألفى مسجد وآلاف الأئمة والوُعاظ وملايين الأتباع، كانت ولا تزال الاحتياطى الاستراتيجى لجماعة الإخوان، جمعية أنصار السُّنة، وأسسها أحد الأزهريين عام 1927، ويُدعى حامد الفقى، كما أنشأ منزلا فى حى عابدين اتخذه مقرًّا للدعوة الوهابية، وتخصصت هذه الجمعية فى نشر الفكر الوهابى ومؤلفات ابن تيمية وابن القيم، كما أصدر مجلة «الهدى النبوى».. جمعية الشبان المسلمين أنشأها محب الدين الخطيب، رفيق رشيد رضا فى الدعوة السلفية، وكان حسن البنا من أبرز أعضائها، واستطاع بها إنشاء خمسين ألف شعبة للإخوان من الإسكندرية إلى أسوان.

وخارج نطاق هذه الجمعيات أسس رشيد رضا مدرسة «الدعوة والإرشاد» لتخريج الدعاة، كما كانت مجلته «المنار» ذائعة الصيت متخصصة فى الدعوة الوهابية ونشر الفكر السلفى المتشدد، وعن طريق مطبعة المنار، نشر الكثير من مؤلفات ابن حنبل وابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبدالوهاب.

انتقل المنهج الوهابى إلى مصر من خلال سيطرة الإخوان والسلفيين على الأزهر ومناهجه الدينية، ومنه إلى العالم العربى والإسلامى، حيث ظهر أبوالأعلى المودودى فى باكستان، ونادَى بإحياء الجهاد واللجوء إلى العنف المسلح من أجل تحقيق الغايات، ووضع نظامًا سياسيًّا بتحريف كامل للآية «إن الحكم إلا لله»، فالمفسرون القدماء أشاروا إلى أن هذه الآية إنما أنزلت للتعبير عن عجز الأوثان التى كان المشركون يعبدونها إلى جانب الله، بينما المودودى فسَّر كلمة «حكم» بمعنى السلطان والإمارة، وبهذا التحريف التفسيرى نقل المودودى بنسبته السلطان إلى الله مجمل الحقل السياسى إلى الحيز الإلهى، ليخوض الحرب على جميع الأنظمة السياسية، انطلاقًا من هذا التسويغ القرآنى، فلا شرعية إلا بالله، وهى الفكرة التى التقطها تلميذه سيد قطب، وصكّ مصطلح «الحاكمية»، وقصرها على الله وحده، وأنكر أشكال الحكم والسلطات الزمنية.

وتصاعد المد الدينى فى عقد السبعينيات، حيث استعان السادات بالتيارات اليمينية المتأسلمة لمواجهة والقضاء على التيار اليسارى والناصرى، وقد ولّدت إعادة الشرعية إلى الأصولية المترافقة مع ازدياد مريديها وضعًا متفجرًا، ففى الوقت الذى أعلن فيه السادات أنه رئيس مؤمن لدولة العلم والإيمان كان يتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية ويعقد الصلح مع إسرائيل، وبرزت على الظواهر الأصولية على سطح المجتمع المصرى ظواهر تدين شكلى زائفة، اتخذت شعارات دينية مخادعة، منها ظاهرة البنوك الإسلامية وشركات توظيف الأموال وفق الشريعة التى تحظر تقاضى الفوائد على أنها فوائد ربوية، وفات على من جروا وراء موضة توظيف الأموال أو البنوك الإسلامية أن ثروات الوهابيين الهائلة من البترول تستثمر ويضارب بها فى المراكز والبورصات المالية العالمية، إلا إذا أفتى أحد بأن تلك المراكز قد غيرت قوانينها المالية حسب الشريعة الإسلامية!.

وانتقلت الأصولية الوهابية من القول إلى الفعل، فخطفت الجماعة الإسلامية الشيخ الذهبى وقتلته، وحاول الفلسطينى صالح سرية اقتحام الفنية العسكرية، وقد انتقل «سرية» من الأردن للعراق ومن بغداد مطرودًا إلى القاهرة، حيث اتصل بقيادات الإخوان، خصوصًا حسن الهضيبى وزينب الغزالى وسعيد رمضان، مؤسس التنظيم الدولى للإخوان وزوج ابنة حسن البنا، وشكّل «سرية» حزب التحرير الإسلامى الذى أعلن أن استعادة الخلافة الإسلامية هى هدفه الأسمى، وظهرت جماعة التكفير والهجرة بقيادة شكرى مصطفى، تلميذ صالح سرية، ونفذت عدة عمليات إرهابية، وجاء اغتيال السادات فى حادثة المنصة ذروة المد الوهابى وأفكاره التكفيرية المتشددة.. وشيئًا فشيئًا طمست معالم الحداثة والتنوير التى كانت قد بزغت أوائل القرن العشرين مقابل تغوُّل معالم البداوة القاحلة، سواءً فى الزى المسمى بالإسلامى للرجال من جلاليب بيضاء قصيرة، وإطلاق لحى وزبيبة الصلاة التى تقتصر على المصريين أو فرض الحجاب على النساء، مع صعود نجوم التأسلم وتلميعهم إعلاميًّا من أول الشعراوى ومصطفى محمود وليس انتهاءً بياسر برهامى ومحمد حسان، حيث يتم تربية المجتمع عبر المواعظ وتوجيه الفضائيات التى ستأخذنا إلى الجنة فى ظل تغييب كامل للعقل النقدى.