رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
الخميس 26/نوفمبر/2020 - 10:03 م

«تصيب غير المؤمنين وبعضهم يرفض الدواء».. علاقة الجماعات المتطرفة مع الأوبئة (ملف)

الوباء والجماعات
الوباء والجماعات الارهابية
عبدالله مصطفى
aman-dostor.org/34045

الأوبئة والجوائح تضر باقتصادات الدول مهما بلغت قوة اقتصادها، حيث تخسر حكوماتها المليارات من الدولارات. بل وتكشف مدى كفاءة الكوادر الطبية في بلدٍ عن الآخر، فها هي الولايات المتحدة الأمريكية تفقد السيطرة على الوباء وتحتل المركز الأول في عدد الإصابات والوفيات بفيروس كورونا المستجد، بينما مصر لا تزال متمكنة من السيطرة على الوباء.

ومع وجود التطرف والفكر الإرهابي لبعض الجماعات الموجودة في الساحة، تزداد الأمور صعوبة على حكومات الدول التي اهتم بعضها بمحاربة الإرهاب وأهمل الاهتمام بالوباء والعلاج، فأصبح خطر الوباء أشد وأفتك من الإرهاب.

لكن، كيف يفكر أصحاب التطرف والإرهاب؟ هل يخشون أيضًا من الوباء؟ أم أنهم يرونه فرصة ذهبية لكي يعودو إلى سابق عهدهم وقوتهم؟


تقصت "أمان" إجابة السؤال عن طريق متابعة ما حدث وما يحدث على الساحة العربية ووجود الجماعات الإرهابية فيها كداعش. حيث بدى واضحًا من أن تلك الجماعات الإرهابية التي تتحجج بتبرير أفعالها بتباع الإسلام، أنها قد سخرت هذا الوباء لما يعينها على القيام والنهوض من جديد، وتحديدًا بعد فرض حظر التجوال الذي تم في غالبية دول العالم وتبني التعليم والعمل عن بعد. حيث أستغلت تلك الجماعات فرصة جلوس الشباب لفترات طويلة في منازلهم يتصحون مواقع التواصل الإجتماعي في زيادة عدد أتباعها وجنودها.

فنجد تنظيم القاعدة يصدر وثيقة موجهة إلى كوادره، والتابعين له في الخارج، تقول "إن هذا الفيروس أصاب غير المؤمنين"، في محاولةٍ منه لكسب تعاطف المسلمين وتجنيد المزيد من المؤيدين في صفوفه. ونشر وكالة ثبات الإعلامية التابعة للتنظيم وثيقةً بعنوان "كورونا: إبادة للظالمين وشهادة للمؤمنين" تصف فيها المسلمين– من اتباعهم – الذين توفوا نتيجة للفيروس بأنهم شهداء، وتدعو الجماعات التابعة للقاعدة إلى استغلال الوضع الحالي من خلال شن المزيد من الهجمات ضد أعدائهم.

علاوة على ذلك، فقد رحب تنظيم القاعدة بالضرر الذي لحق بالاقتصاد الأمريكي جراء فيروس كورونا المستجد، ودعا مواطني الدول الغربية إلى مراجعة "الفساد الأخلاقي والاقتصاد الربوي، والظلم الذي تسببت فيه حكوماتهم"– كما أسموه – محاولين بذلك استغلال العامل الديني في كسب القلوب والعقول والترويج لأيديولوجيتهم، بهدف جذب وجلب المزيد من العناصر في صفوفه.

أما داعش، فنجده وصف الوباء بأنه عقابٌ من الله على الكفرة. مستدلين ومحاولين تأويل بعض الآيات القرآنية لكي تتوافق مع فكره المتطرف، منها الآية الثانية عشر من سورة البروج، حيث قال عز وجل {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}؛ كدلالة على أن سبب هذا الفيروس هو عقاب من الله لمن خالفوا تعاليم الشريعة الإسلامية ومبادئها.

ولم يكتفي تنظيم داعش بذلك، بل وسخر إصداراته الإعلامية. فنجد مجلته الأسبوعية "النبأ"، تصف في افتتاحية عددها رقم 226 الصادر في 19 مارس 2020، الوباء بأنه "عذاب أرسله الله إلى أعدائه". وقناة "جرين بيردز" التابعة له تنشر صورة للفيروس مع تعليق مكتوب عليه "جندي الله".

من الجدير هنا أن نلفت الانتباه إلى جماعة تسمى بالفرماوية. تلك التي تأسست على يد محمد سالم الفرماوي، الذي خرج على الناس في بداية السبعينيات يدعي أنه عالم رباني يمشي بإلهام ونور من الله، وأنه يتلقى الوحي من الله، وما عليه إلا البلاغ.

تلك الجماعة– التي يتميز أتباعها بقمصانهم الخضراء وعصيانهم الغليضة التي يمسكون بها دومًا في أيديهم – تؤمن بأن تناول الأدوية، بل وزيارة الأطباء، هو مخالفةٌ لشرع الله تعالى. ولا يذهبون إلى المدارس، حيث يكفرون من ذهب منهم اليهما – الأطباء والمدارس –.

تنفي تلك الجماعة الأخذ بالأسباب، بل ويعتقدون أن قلوب البشر منها مؤمن ومنها كافر، والقلب المؤمن هو مؤمن بطبعه ولا يحتاج إلى دعوة، والقلب الكافر هو كافر بطبعهولا تنفع معه دعوة.

ينظر الفرماوية إلى الناس باعتبارهم "أهل الباطل" وليس فيهم خير؛ إذ لو كان فيهم خير لهداهم الله إلى الحق الذي هم عليه؛ لأنهم هم خير الناس على وجه الأرض. ولم يكتفو بذلك، بل زادو في معتقدهم أن الشهداء، والعلماء لا يقارنون بهم لانهم أفضل منهم، لأنهم تلقوا الدين من قلوبهم، وليس من الكتب. حيث يقولون عن أنفسهم "نحن رجال على الفطرة"، أما باقي المجتمع فيقولون عنه "المجتمع شيطان وعدو محمل بأباطيل الكتب، ولا رجاء في هدايته".

لا يعمل أتباع هذا المذهب في الحكومات لأنهم يرون أن جميع الحكومات كافرة. بل وأن جميع حكام الأمة كفرة بإعتقادهم. لذا، لا يصلون في المساجد، بل يكتفون بقرع الأجراس في الهواء وهم يقرأون آيات من القرآن، ويوم الجمعة يزيدون على ذلك قرأة سورة الكهف.

مؤسس تلك الجماعة –محمد سالم الفرماوي–، يؤمن بوجود نوعان من النبوة. نبوة خاصة، هي نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. والنبوة العامة المخصصة للبشر، لكن الله أختصها لأفراد جماعته– الجماعة الفرماوية –، مستدلًا بقول الله تعالى فى الآية 68 من سورة النحل {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}، وطالما هناك وحي للنحل، يصبح للإنسان وحي من الله، وهذا الوحي لا يصح إلا لنبي، إذا فمن أوحى إليه نبي، والفرماوي يوحى إليه، وبالتالى فهو نبي، والنبي لا يأخذ بالطب ولا بالتداوي؛ لأن هذا – كما يرى هو –كفر، ويستدل بذلك الى حديثٍ شريف للنبي يقول: "إن هناك سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة لا يتطابون ولا يتداوون". والذي فسره الفرماويبأنهم سيدخلون الجنة بدون حساب لانهم لم يذهبوا إلى طبيب.

جماعات كهذه تشكل عرقلةً في وجه توفر لقاحٍ للوباء. حيث يشكل الوباء فرصةً ذهبيةً للسيطرة على مبتاغهم كما هو الحال في داعش وتنظيم القاعدة. بل وقد يزيدون من عدد الوفيات بسبب الوباء كما في حالة جماعة الفرماوية. لكن، تبقى جهود الحكومات ومدى قدرتها على حل مشكلة دون إهمال الأخرى، هي الفيصل الأول والأخير لما بعد كورونا.