رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الثلاثاء 24/نوفمبر/2020 - 02:18 م

محمد نبيل عمر يكتب: لماذا أصبحت دراما الخطاب الديني أسيرة اللغة العربية الفصحى؟

محمد نبيل عمر
محمد نبيل عمر
aman-dostor.org/34035

المفترض أن أي دراما تحض على الفضيلة والقيم الرفيعة وتخلو من الابتذال والتدني تعد دينية، حتى لو كانت تحت عنوان ما يسمى بالدراما الاجتماعية، وحصر الدراما الدينية في الحديث عن الغزوات الإسلامية وسير الصحابة والتابعين وتابعيهم جعلها غير ذات معنى، وصارت مثل الاحتفاليات الموسمية المملة، أو مثل شعر المناسبات، كما أن هذا النوع من الدراما يتكلف كثيرا، ويحقق عائدا قليلا، ولا يلقى إقبالا، بجانب أنه يذاع في أوقات ميتة، ولا يدر إعلانات.

إن دراما الخطاب الديني أسيرة لشكل وإطار واحد، يعطي الإحساس بالنمطية والتكرار، لكن مؤلفي هذا اللون من الدراما لهم مبرراتهم، فالقماشة التي بين أيديهم واحدة، ألا وهي اللغة العربية الفصحى، التي تعتبر شكلا خطابيا، وهذه الخطابة مرتبطة بالعصور القديمة التي تقدم عنها الدراما، وهي لا تعطي مساحة إبداع كافية فالشخصيات هي نفسها النمطية القديمة ولا جديد فيها.

إن مسلسل 'إمام الدعاة' الذي يروي سيرة الشيخ محمد متولي الشعراوي كان قد شكل نقلة نوعية في كتابة الدراما الدينية، وقد سجل أكبر نسبة مشاهدة بسبب البساطة التي قُدم بها، حيث بدا كدراما اجتماعية، لذلك يجب الاهتمام بالإطار السهل في كتابة الدراما الدينية والتاريخية، بعيدا عن الأطر الجامدة التي تجعل العمل الديني أو التاريخي صعبا، ولا يحظى بالمشاهدة الكافية.

من يتابع الدراما التلفزيونية أو السينمائية المصرية مؤخرًا يجد غيابًا شبه كامل لهذا اللون من الفنون، وبخاصة بعد أحداث الربيع العربي التي أدت إلى تراجع الاهتمام بكلّ ما هو ديني، نظرا لاكتشاف حقيقة جماعات الإسلام السياسي وإرهابها، ويقابله تبني الحكومة التركية ضمن مخططها للتوجه نحو المنطقة العربية باعتبارها "عمقًا استراتيجيًا" لهذا القطاع ودعمه.

وجاء التبنّي السياسي التركي للأعمال الدرامية لبسط نفوذها الثقافي وتأثيرها الاجتماعي، خصوصًا إلى المنطقة العربية، والترويج لدور ريادي تركي في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وما يتطلبه ذلك من بناء صورة ذهنية جديدة.

وهكذا، فإنّ الدراما التركية وانتشارها التي تزخر بالإشارات الإسلامية في أحداثها وحوارات أبطاله، إلّا أنّ تلك الإشارات لا تتجاوز صورة الإسلام في صيغته الأتاتوركية، ففي ضوء أحداث مسلسل "قيامة أرطغرل"، يبدو انتصار الأمة التركية في لحظة تأسيسها الأول، ومرورًا بمسلسل " السلطان عبد الحميد الثاني " ومواجهة الدول الاستعمارية في تأسيس دولة إسرائيل، وصولًا مؤخرا وليس أخيرًا إلى مسلسل " نهضة السلاجقة " وحربهم مع الباطنيين الذين لا يختلفون كثيرا عن الجماعات المتاسلمة الحالية، راجعًا إلى محاولة إبراز بطولات الأمة التركية كما يظهرها كافة الأعمال الدرامية، ودعم فكرة كونها منقذة للإسلام غير منفصل عن السياسة، وهي تشكّل إحدى أهم آليات التغلغل الناعم، التي تعتمد عليها الحكومة التركية لتسويق صورة خارجية نموذجية، واختراق العالم العربي من خلال إعادة ربط العلاقات معها، ودفع شعوب المنطقة للتطبيع مع ذلك والتعاطف مع قضاياها، وخلق حالة من الانبهار والإعجاب نموذجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

لقد بليت أمة الإسلام بصهاينة ورثوا ثقافة الدم والقتل من نصوص كتبهم المحرفة حتى جعلوا من فروض دينهم قتل الأطفال والنساء والحيوانات، واغتصاب العذارى، وتخريب بلاد المسلمين.

إن أمة الإسلام أمة مستباحة في كل مكان، وقضايا المسلمين هي القضايا التي يعجز العالم الدولي المعاصر عن حلها، أو لا يريد حلها، ولا تستباح أرض لأهل الإسلام من عدو صهيوني أو صليبي أو وثني أو باطني، إلا وقف المجتمع الدولي موقف المتآمر أو المتفرج، فإن كانت الغلبة للمسلمين تآمر عليهم، وقطف ثمار نصرهم، وإن كانت عليهم تفرج على قتلهم وسحلهم واستلذ بعذابهم، وهو المجتمع الذي أصم الآذان، وأزعج الأسماع بمنع الحروب، وتحريم الاعتداء، وفرض الحريات، وحفظ حقوق الإنسان؛ لنعلم أن هذه الحقوق والحريات هي لغير المسلمين.

إننا نعيش حقبة تاريخية لها وسائلها وتقنياتها ومنها البث عبر القنوات الفضائية المتعددة الذي أصبح بمضمون برامجه جزءا من التحول الاجتماعي بقيمة وممارساته والتي لا يمكن تجاهل تأثيراته على جميع مناحي الحياة، وتتطلب اتخاذ مواقف واعية وجادة في التعامل معها.