رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الأحد 22/نوفمبر/2020 - 04:06 م

«شجرة نسب السلفية الجهادية».. سيد قطب يدمج أفكار ابن تيمية والمودودي

«شجرة نسب السلفية
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34024

لا تشكل «القاعدة» وكذلك السلفيون الجهاديون الذين يكونون حركة الجهاد العالمية نشازا في مجالهم الديني٬ بل إنهم يعدون جزءا من مجتمع أوسع من الإسلاميين المعروفين باسم «السلفيين»٬ ويطلق عليهم تاريخيا «الوهابيين»٬ ويستلزم فهم الجذور الأصولية للسلفية الجهادية تحديد نقاط الاختلاف الرئيسية داخل المجتمع السلفي٬ ولكن لكون جميع السلفيين يشتركون في منهج الاتباع الحرفي الصارم للنبي وأصحابه٬ إلا أن هناك نقاط خلاف رئيسية بينهم٬ تلك النقاط أدرجها أستاذ العلوم السياسية بكلية رودس في ولاية تينيسي الأمريكية "كوينتان فيكتور فيتش" في دراسته المعنونة "شجرة نسب السلفية الجهادية.. دراسة أيديولوجية مع ملاحق وثائقية"، والصادرة عن مركز الانتشار العربي، بترجمة الدكتور حمد العيسي٬ الذي عمل في شركة "أرامكو" السعودية سابقا وبدأ عمله في الترجمة عقب تقاعده المبكر في عام 2005.

وأوضحت الدراسة أن سيد قطب دمج كل من فكرة "الجاهلية الحديثة" للمودودي مع فكرة ابن تيمية بأن توحيد الله يوجب على المسلمين اتباع القانون الإلهي٬ ما نتج عنه توليفة فكرية خطرة تعزز التمييز الصارخ بين حزب الله وحزب الشيطان٬ أي أن جميع أولئك الذين لا يعملون بمقتضي الإيمان عبر تطبيق واتباع النظام القانوني الإسلامي وطاعة أوامر الله هم جزء من الجاهلية الحديثة وليسوا مسلمين٬ كان هذا يعني الردة لأن معظم أعضاء مجتمع الجاهلية ولدوا مسلمين.

ووفقا للدراسة، دعا سيد قطب إلى الجهاد لإقامة دولة إسلامية، مخالفا بتلك الخطوة الآراء الفقهية الإسلامية بأن الجهاد كان في المقام الأول جهاد النفس٬ أو حربا دفاعية لحماية المجتمع المسلم.. أهم من ذلك ولأن الحكام في العالم الإسلامي يستخدمون قوانين وضعية غير إسلامية٬ فقد اعتبروا جزءا من الجاهلية الحديثة وبالتالي فليسوا مسلمين٬ وككفار يمكن قتالهم والإطاحة بهم٬ لأن الهدف الأساسي للمسلمين هو إقامة حكم الله على الأرض "الحكم الإلهي".

ووجدت فكرة قطب أشهر تجلياتها في كتاب محمد عبدالسلام فرج "الفريضة الغائبة"٬ اقتبس فرج من ابن تيمية القول بمركزية الجهاد٬ واستخدام مجموعة متنوعة من الأحاديث والاقتباسات القرآنية في محاولة لإثبات أن الجهاد يأتي في المرتبة الثانية في الإسلام بعد الإيمان بالله ورسوله٬ ثم يستخدم هذا كله لرفع أهمية الجهاد بأنه من أركان الإيمان٬ والإيمان بذلك واجب ليكون المسلم مسلما كاملا.

ويجادل فرج في أن الجهاد أصبح فريضة غائبة، وهي العبارة التي يعتمدها الجهاديون اليوم٬ أي أنه فرض عين ويجب أن يبعث من جديد باعتباره ركنا أساسيا من أركان الإيمان.. كرر فرج حجة سيد قطب بأن الحكام الذين لا يطبقون الشريعة الإسلامية هم كافرون٬ ويجب إزالتهم من السلطة٬ يستند هذا الفهم على الآية القرآنية المذكورة باستمرار في أدبيات السلفية الجهادية٬ والتيار السلفي بشكل عام: "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون"، وعند تبرير هذه الحجة يقتبس فرج من فتوى ابن تيمية ضد المغول، فبعد غزوهم أراضي المسلمين تحولوا إلى الإسلام٬ فأثيرت تساؤلات حول ما إذا كان الجهاد ضدهم مشروعا٬ ورد ابن تيمية بالقول بأن الشخص الذي يعلن بأنه مسلم لا يخرج من الإسلام إلا إذا فشل في التمسك بالشريعة الإسلامية أو خالف عددا محددا من الأوامر الشرعية الرئيسية المتعلقة بالمجتمع والسلوك.

وكما لاحظ المفكر الهولندي "يوهانس يانسن" فإن قائمة الأوامر الشرعية طويلة جدا وليس من الواضح تماما كم عدد الأوامر غير المطبقة التي ستجعل الحاكم أو الفرد المؤمن يخرج عن الإسلام، بزعم فرج، ومتى يصبح مرتدا ويجب مقاتلته.. "وبالنسبة إلى الجهاديين كان المبدأ واضحا٬ لأن المغول واصلوا تطبيق قانون جنكيز خان المسمى (الياسق)، وبناء عليه لم يعودوا مسلمين٬ لأنهم لم يلتزموا بتوحيد الإلوهية، واعتبر الجهاديون هذه الحالة أنها مماثلة للدول المعاصرة٬ حيث يطبق الحكام مدونات قانونية غربية بدلا من الشريعة الإسلامية وحدها".

ولا يوجد شك في تأثير سيد قطب على «فرج» وجهاديين مصريين آخرين٬ إذ ألهم قطب مجموعة متنوعة من الجماعات المتطرفة٬ بما في ذلك على سبيل المثال وليس الحصر: التكفير والهجرة٬ الناجون من النار٬ الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي.. كما كان له أيضا تأثير مهم على اثنين من المفكرين الإسلاميين المصريين اللذين ألهما بقوة الحركة الجهادية العالمية: الأول هو عمر عبدالرحمن، المفتي السابق لحركتي الجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية٬ وقد ساند بحماس تركيز سيد قطب على ضرورة تطبيق حكم الله على الأرض واستخدام الجهاد للإطاحة بالحكام المرتدين.. وقد جادل عبدالرحمن أيضا بأن أمريكا وحلفاءها هم طليعة أعداء الإسلام٬ وبالنسبة إلى كثير من الجهاديين كان عبدالرحمن بمثابة بديل لعبدالله عزام٬ أحد مؤسسي تنظيم القاعدة٬ كزعيم للجهاد العالمي بعدما اغتيل الأخير 1989.

كما أثر قطب أيضا تأثيرا كبيرا على أيمن الظواهري، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة٬ وكتب الظواهري في كتابه "فرسان تحت راية النبي": «إن قطب يعد المنظّر الأبرز للحركات الأصولية»٬ وبالنسبة إلى الظواهري٬ فإن أهم إسهام فكري لسيد قطب كان تأكيده أن مسألة التوحيد في الإسلام أمر مركزي٬ وأن المعركة بين الإسلام وأعدائه في المقام الأول هي معركة أيديولوجية حول قضية التوحيد٬ كما أنها أيضا معركة لتحديد إلى مَنْ تعود السلطة والقوة: إلى الله وشريعته٬ أم إلى قوانين بشرية ومبادئ مادية٬ أم إلى أولئك الذين يدعون أنهم وسطاء بين الخالق والبشر؟.. وقد ساعد هذا التأكيد الحركة الإسلامية مساعدة كبيرة على معرفة أعدائها وتحديدهم٬ وكانت دعوة سيد قطب لتأكيد الولاء لوحدانية الله والاعتراف بسلطة وسيادة الله الوحيدة على البشر هي الشرارة الأولى التي أشعلت الثورة الإسلامية ضد أعداء الإسلام في الداخل والخارج.. استمرت الفصول الدامية لهذه الثورة تتكشف وتنتشر يوما بعد يوم٬ وعمل الظواهري برأي سيد قطب عن ثنائية العالم ورغبته الثابتة لإقامة دولة إسلامية بأي تكلفة وباستخدام العنف إذا لزم الأمر٬ ويلغي هذا الصراع الثنائي لحاكمية الله على الأرض أي حل وسطي٬ ويمهد الطريق للمعركة الألفية بين الخير والشر، أي وجود صراع مستمر بين الخير والشر وبالعكس.

وألهمت أفكار سيد قطب الإسلاميين الجهاديين في بلدان أخرى كذلك٬ وفرّ كثير من تلامذته المصريين بسبب قمع عبدالناصر في الستينيات، وانتقلوا إلى المملكة السعودية٬ حيث عمل عدد من مفكري الإخوان البارزين في مناصب أساتذة في الجامعات السعودية٬ ولعل أفضل مثال هو محمد قطب، شقيق سيد قطب٬ ففي عام 1964 نشر محمد قطب كتابه "جاهلية القرن العشرين" الذي قام فيه بعملية تدوير وتأكيد حجج سيد٬ كما أصدر كتابا آخر بعنوان "هل نحن مسلمون؟"، ودرّس محمد قطب لـ"أسامة بن لادن" في الجامعة٬ كما درّس لبعض المعارضين السعوديين، ومنهم "سفر الحوالي".. لقد تسامحت الحكومة السعودية مع انتشار أيديولوجية قطب وربما دعمتها كيدا في عبدالناصر.

وفي تعقيب لمترجم الكتاب وهو سعودي الجنسية يقول: «هذا الاستنتاج صائب، فقد درس المترجم دكتور حمد العيسي عدة كتب إخوانية كمقررات "إجبارية" بقسم الدراسات العربية والإسلامية خلال دراسته في كلية الهندسة٬ تخصص هندسة مدنية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن٬ ومثل هذه المقررات على الأرجح مقصودة ولم تحدث سهوا٬ ومنها مثلا كتاب "حتمية الحل الإسلامي" ليوسف القرضاوي٬ وكتابا العدالة الاجتماعية في الإسلام ودراسات إسلامية لسيد قطب، وكتاب السنة النبوية ومكانتها في التشريع للدكتور مصطفى السباعي٬ وكتاب اليقظة الإسلامية في مواجهة التغريب لأنور الجندي٬ وكتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد محمد حسين٬ والمؤلفان الأخيران كتابان بنبرة إخوانية، رغم عدم كونهما عضوين في الجماعة حسب معلوماتي».