رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الجمعة 20/نوفمبر/2020 - 12:12 م

كيف عالجت رواية «ابن القبطية» قضية زواج المسلمة من غير مسلم؟

رواية ابن القبطية
رواية ابن القبطية
نضال ممدوح
aman-dostor.org/34014

قديما كان الشعر ديوان العرب٬ وعندما عرف العرب فن الرواية صارت هي ديوانهم الحديث خاصة في أعقاب الحرب العاليمة الثانية٬ أو كما اعتبرها الدكتور جابر عصفور "ديوان العرب المحدثين" وأطلق مقولته الأشهر "زمن الرواية" التي أثارتــ ولا تزالــ الكثير من الجدل، وكما وصفها أديب نوبل نجيب محفوظ بأنها "شعر الدنيا الحديث".. ففي المتسع الزمني الذي تتمتع به الرواية دون غيرها من الأجناس الأدبية جعلها الأكثر استجابة لأن تكون "تأريخا" موازيا للتاريخ الرسمي كما يسجله المؤرخون.

وفي هذه المحاولة، نهدف إلى رصد وتوثيق الروايات المصرية والعربية التي تطرقت إلى موضوعات الإسلام السياسي٬ من أول التمييز الديني وتكفير الآخر٬ مرورا بالعمليات الإرهابية التي تناولتها هذه الروايات٬ وصولا إلى كل جديد تنتجه المطابع حول هذه القضية الملحة.

لا ندعي أن هذه "بيبلوجرافيا" علمية، فهذا يحتاج إلى جهود العشرات من الباحثين٬ لكنها محاولة لتدشين قاعدة بيانات لتكون مرجعية لمن يحتاج لتناول ظاهرة الإسلام السياسي والإرهاب والجماعات التكفيرية.. إلخ، من خلال الروايات المصرية والعربية التي صدرت في هذا الصدد.

كيف سيكون حالك وأنت تلميذ صغير في المدرسة٬ ورفاق الصف يرددون فاتحة كتابهم التي يفهمون منها أنك من الضالين؟٬ في الشارع ينعتونك بـ"أربعة ريشة وريحتك وحشة عشان لحم الخنزير اللي بتاكله"٬ وبماذا ستشعر حينما تتقدم لوظيفة تتوافر فيك كل شروطها٬ لكنك تُرفض لأنك لا تتبع ديانة الأغلبية؟ كيف ستتعاطى مع جراحاتك وانهزاماتك لأنك حرمت من معشوقة عمرك لأنها مسلمة وأنت مسيحي٬ وأتباع ديانتها لا يعترفون بديانتك؟ بالطبع الإسلام حلل وأباح زواج المسلم من كتابيةــ مسيحية أو يهوديةــ بينما حرم ذلك على المسلمة.

من هذه المسألة الجدلية تنطلق رواية "ابن القبطية" للكاتب الروائي والمسرحي الشاعر وليد علاء الدين.

الرواية تقترب من منطقة شائكة وإن كانت معتادة وموجودة طوال الوقت٬ ونعني بها زواج مسلم بمسيحية وما يثمر عنه هذا الزواج من أطفال٬ وعن هويتهم وبطلنا "يوسف حسين" المسلم ابن القبطية٬ يتعرض لضغوط نفسية مما يجعله فريسة للهلاوس والفصام العقلي٬ فيوصيه طبيبه المعالج بالكتابة، فـ"الكتابة تقتنص الأصوات في كلمات٬ والكلمات تأسر الأفكار في أشكال٬ فلا تعود تطاردك".

لكن تلك الهواجس من أطياف ماضيه التي تؤرقه٬ عن حبيبته "أمل" التي سرقها منه البغل "منصور" لمجرد أنه على دينها٬ وحتى بعد أن تخلى يوسف عن أحلامه في مستقبل مشرق٬ وسفره إلى إحدى المدن السياحية بعدما وقف له الفساد بالمرصاد وانتزع منه ــ كغيره من آلاف الشباب ــ فرصة العمل بوظيفة لمجرد أن "جيهان" لها ضهر وشوكة٬ ومؤهلات كثير غيرها لا يتمتع بها، وعلى رأسها نهدان أطارا عقل رئيس لجنة اختبار المتقدمين للوظيفة!

عن الهوية القاتلة التي تحدث عنها "أمين معلوف" من قبل تدور أجواء الرواية٬ حيث ذهبت إلى أشد مناطق المجتمع المصري رمادية، جهة عدم الوضوح في التعامل معها، ولكمون النار تحت رمادها، فعاين موضوع الوحدة الوطنية المصرية، إسلام ومسيحية، فهوية يوسف "مسلميحية" إذا جاز التعبير شكلت له واقعا متناقضا ملتبسا ممزقا بين جهتين كل منها تحاول أن تتجاذبه لتحقيق أغراضها٬ لا فرق هنا بين "جورج ومنذر": "صرت مستهدفا٬ فمنذر وأتباعه من ناحية يجتهدون في تجنيدي لأكون رسولهم إلى أخوالي من النصاري ــ كما يسمونهم ــ يهدي بي الله منهم من يشاء٬ ومن ناحية أخرى صرت محط أنظار الكنيسة التي توعدتني٬ ثم وعدتني بخدمات جليلة سوف تقدمها لي إذا أنا كشفت لهم عن حملات الأسلمة٬ التي يقوم بها منذر وأتباعه".

لم تتوقف تمزقات يوسف التي تتنازعه على الكنيسة وجماعات الأسلمة فقط٬ بل هي ضاربة بجذورها منذ نعومة أظفاره٬ تطارده خيالات طفولته، فبينما جده لأمه بارك زواج أمه المسيحية من والده حسين المسلم٬ إلا أن جدته ظلت شهورا لا تعرف غير البكاء٬ بالرغم من المحبة العامرة التي جمعت الأسرتين طوال سنوات جيراتهما: "كان كلما عاتبته الأم أخبرها أن الرجل بأخلاقه٬ وأن ابنته سوف تحظى برجل له أخلاق الفرسان٬ وحين ترفض يذكرها بالعشرة الطويلة التي جمعت بين الأسرتين٬ كيف كانت حينما تغضب منه لا تجد لها من ملجأ سوى أم هذا الولد الذي ترفضه الآن".

على أن الطامة الكبرى التي ألمت بيوسف وذهبت بعقله٬ كانت على يد اليهودية "راحيل"، التي تلاعبت به لتقنعه بمعاشرتها لتنجب منه طفلة٬ راحيل الأخرى تتنازعها هويات شتى٬ فأبوها عاش حياته في مصر لكنه طرد منها عقب عدوان 1956 ٬ راحيل أيضا ولدت وقضت فترة طفولتها في مصر٬ تتشاجر طوال الوقت مع أمها حول يهوديتها٬ تتجادلان كثيرا.. الأم ترى أن اليهود مطاردون من المسلمين٬ بينما راحيل ترى أن المشكلة في اليهود أنفسهم٬ فلا هتلر ولا الفراعنة لم يكونوا مسلمين.

راحيل كانت تبحث عن يوسف منذ تلك اللحظة التي رحل فيها أبوها عنها٬ واتجهت لدراسة اللاهوت، تدخل في دين لتخرج إلى آخر٬ تبحث عن إجابات حول خوف الإنسان إلهه الأوحد٬ واجهت أمها بأنها لن تتزوج من يهودي٬ من إنسان فقط، راودتها فكرة "صاحبات الرايات الحمر"، تضاجع الجميع حتى يلتقط رحمها بذرة أحدهم فتجمعهم لتخبرهم أنهم جميعا آباء من في أحشائها٬ كانت تبحث عن إله محايد لا ينحاز لأحد من أتباع ديانة على حساب الأخرى.

استمعت راحيل لقصة يوسف ابن القبطية والمسلم وهو ما كانت تبحث عنه٬ ابن المحبة ليمنحهاــ هي اليهوديةــ نطفته: "ننقذهم معا يا يوسف٬ بابننا الذي ننشئه من صلب محمدي مسته دماء عيسي في رحم موسوي خالص٬ فينسى الناس تصنيفاتهم ويعودون بشرا مسلمين".

وبعيدا عن فجاجة المباشرة، رصدت الرواية التمييز الديني ضد المسيحيين٬ بلغة رهيفة مقتصدة ومميزة٬ فقد عبّر الكاتب عن تلك القضية الشائكة بأجمل ما يكون٬ خاصة فيما يتعلق بمسألة الدعوة إلى المسيحية والتي تعتبر مجرمة يعاقب عليها القانون٬ بينما على النقيض نرى اعتناق أي إنسان للإسلام نصرا مؤزرا!: لماذا تتلصص هكذا دائما؟ "لأن المجتمع الذي يسمي ما يفعله منذر ورفاقه دعوة وعملا خيريا٬ يسمي ما نقوم به تنصيرا".

في"ابن القبطية" حضور مباشر للشخصية الرئيسية يوسف، ووجود محسوس- أيضا- لبقية الشخصيات. هنا يتوّحد القارئ مباشرة مع شخصية يوسف٬ من خلاله أوراقه أو "كراسته الزرقاء" الرواية ذات بناء زمني، يتكون من مستويين، أولهما الزمن التاريخي المتسلسل الذي يعيش فيه يوسف٬ وثانيهما هو زمن القصة الفعلي، ماضي يوسف، المستعاد، على ومضات أو شذرات متفرقة.. هذا البناء الزمني جاء مناسبًا ليعكس أزمة يوسف، إنه بناء الأزمة، التفكك، التفسخ، الهزيمة، والحساب، إنه محاصر بالزمن الماضي، مدان، تتحدد حركته في إطار هذا الزمن الراكد، ذهابا وإيابًا، كمن يحمل أثقاله، أو هو يشكل كابوسًا له يسعى جاهدًا للهرب منه. 

وبذلك جاءت الرواية متصلة، كعالم مستمر، كما الحياة في تدفقها واستمرارها واندفاعها وامتدادها، في بناء روائي، مكثف، شديد التركيز، ليس فيه زوائد ولا استطرادات غير مبررة، اللغة نقية، ساطعة، مباشرة، تلقائية، متدفقة، تقترب من مقاطع كثيرة منها من أعذب الشعر، لكنها تؤدي وظيفتها الأساسية، كتعبير مباشر، صادق عن مشاعر يوسف.