رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الخميس 19/نوفمبر/2020 - 10:34 ص

محمد لخضر يكتب لـ«أمان»: فلسفة الزواج في الإسلام

محمد لخضر
محمد لخضر
aman-dostor.org/34009

بداية لا بد من التسليم بمجموعة من الثوابت، وهي أن بناء الأمم والحضارات، إنما يبدأ من الأسرة اللبنة الأولى للأجيال التي تعقد عليها الآمال والطموحات، عني الإسلام بالأسرة ونظم شئونها وخصها بأحكام تضمن حمايتها واستقرارهاـ وتعاليم الإسلام تتسم بالشمولية والاستغراق، وتصلح للبشرية جمعاء، من أخذ بها انتظم حاله، وسلمت حياته، واطمأنت نفسه، الدين أمانة، والإفتاء مسئولية.

وعلينا النظر، للأحكام الشرعية حيث كلها تصب في مصالح العباد، وتصلح لكل زمان ومكان، معظم القوانين الغربية مأخوذة من الفقه الإسلامي، خاصة في المعاملات، والعلاقات الدولية، والأحوال الشخصية وما فعله الغرب من سرقة المؤلفات الإسلامية في مختلف العلوم وترجمتها ثم نسبتها لغير مؤلفيها يعتبر جريمة نكراء لا تثبت المكانة العلمية لمنتحلي صفات علماء ليسو أهلا لهذه الدرجة.
ما أحوج لمسلمي اليوم إلى معرفة دينهم من العلماء الربانيين، لا المقلدين أو الناقلين، وما أشد حاجتنا لتقدير علمائنا واحترامهم، والأخذ برأيهم والرجوع إليهم في كل شاذة وفاذة، لقد نقل عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال: إن الأحكام الشرعية كلها تصب في مصالح العباد، ولا شك أن الذي خلق الإنسان أعلم بما ينصلح به حاله ومآله، يقول الحق تبارك وتعالى (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) "سورة الملك"، ثم أوكل تبارك وتعالى للإنسان مسئولية حياته وحياة من يعيش معه، وفق منهج بينه له، وأن هذا الآخر ينتظم هو أيضا في حياته بأحكام وقواعد تختلف باختلاف طبيعة وماهية ووظيفة كل علاقة، ضاقت أو اتسعت.

ومن هذه الأحكام، أو القواعد، أحكام الأسرة، اللبنة الأولى للمجتمعات، ولا بد من التركيز أننا نتحدث عن المجتمع المسلم، والأصل الذي يجب أن يكون عليه، أما الحالات الخاصة أو الاستثناءات فليس موضوعنا لأن الشاذ من القواعد لا يعمل به ولا يعتد به، وأنا أتعجب أن يثار مثل هذا الموضوع ليتداخل مع موضوعات أخرى تخدم أطرافا لا نتشارك معها في العقيدة، إلا أننا نريد ملاطفتها أو التقرب إليها، وهي لا تهتم بك، بل قد تحاربك في نفس السياق أو الإطار. يقول تبارك وتعالى (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ ) سورة التوبة (62).

الإمام الشيخ الشعراوي، رحمه الله، حينما سئل عن هذا الموضوع: زواج المسلم من غير المسلمة والمسلمة من غير المسلم قال: الحق تبارك وتعالى يريد وحدة العقيدة بدون مؤثر يؤثر عليها فشرط في بناء اللبنة الأولى للأسرة أن لا ينكح مؤمن مشركة لأنها ستتولى حضانة الطفل مدة طويلة هي أطول أعمار الطفولة في الكائن الحي وأراد الحق تبارك وتعالى أيضا أن لا تتزوج مؤمنة مشركا لأنها بحكم زواجها من مشرك تنتقل إليه وإلى بيئته المشركة وإلى أسرته وكل ذلك يوجد بيئة شركية ينشأ فيها الوليد الجديد ولو كان أبوه مؤمنا، لأن أباه يكون في حركة الحياة بمعزل عن هذه الأمور كلها فتتأثر فيه الأشياء القيمية التي تناقض الإيمان.

والحق سبحانه وتعالى بهذه الصيانة بعدم زواج المؤمن من المشركة وعدم زواج المؤمنة من المشرك يريد أن يحمي الحاضن الأول للطفولة، يعني الينبوع الذي يصدر عنه تربية عقيدة الطفل، فلا يتذبذب بين عقائد متعددة وأيضا تكون المؤمنة مأمونة على ولدها.

وكون الرجل له الولاية يتزوج كتابية ينقلها إلى بيئته هو، هذا يعني أن البيئة المؤثرة واحدة، ولكن وجود الولاية للأب ووجود البيئة للبيئة الإيمانية أي أسرة الأب من شأنه يخفف من حمل التربية على العقيدة، وإن كان يجب أن يتيقظ الإنسان ويتنبه إلى أن هناك مسالك قد تتفق في المداخل ناحية التربية فيبقى من الخير أن نبتعد ونعصم الفتاة المسلمة.

حين يحمي الحق تبارك وتعالى الحضانة الأولى للطفل يربي في الطفل عدم التمزق وعدم التفسخ وعدم التنافر بين ملكاته، والطفل عادة حينما نضمن له هذه البيئة ينشأ طفلا سويا والإسلام يريد أن يحافظ على سوائية هذا الطفل.

نلاحظ بعض الناس يرى تهييئ محاضن جماعية، وكأنهم بذلك يريدون أن يحلوا الإشكال، نقول الإشكال لم يحل المرحلة الأولى، ولذلك اقرأ إن شئت مؤلفاتهم مثل كتاب أطفال بلا أسر وكيف يغيب عن بالك أن الطفل يظل إلى أن يصبح عمره سنتين وكسور ويريد أن لا يشاركه في أمه أحد، فلو كانت له أخت أو أخ تلاحظ الغيرة التي تدب فيه، فما بالك من أطفال متعددين لهم أم واحدة، مما يعني أن للطفل مرحلة من عمره يريد أن يشعر بأن لا شريك له في أمه، وتمر عليه فترة بعد أن يخرج من مهد الطفولة الأول إلى الشارع ليجد حركة الحياة ويجد القائمين عليها، رجالا وآباء وأقرانه فيحب بعد ذلك أن ينسب إلى أب معروف له كيانه في المجتمع الخارجي، فالطفل من مقومات تكوينه يريد أن يشعر أن له أما لا يحق لأحد أن يشاركه فيها وله أبا لا يشاركه فيه أحد.

لكن حينما يكون في المحاضن، هل تستطيع أن تقول إنك حينما تأتي بمائة مربية تستطيع أن تصوغ من قلب واحدة منهن قلب أم؟ أكيد لا، لأن الطفل يحتاج إلى أم مسئول حنانيا منها، ليس مسئولا وظيفيا أو شكليا، انتهى.

إذن فالموضوع في رأي الشرع ليس نزوة أو شهوة أو رغبة وإنما طاعة لله وامتثال لأمره، يقول الحق تبارك وتعالى ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا).. 36 سورة الأحزاب، واقتفاء لسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، حينما قال: ( تناكحوا تناسلوا فإني مُباهٍ بكم الأمم يوم القيامة ). وحينما شخص الزوج فقال ( إذا أتاكم من ترضون دينه فزوجوه)، وقال ( فاظفر بذات الدين تربت يداك )، أبعد هذه التعليمات التي أسسها النبي عليه الصلاة والسلام منهج بديل عنهما.

ولا ننسى هنا أن نذكِّر أنه مهما ترخَّص المترخِّصون في الزواج من غير المسلمة، فإنه مما لا خلاف عليه أن الزواج من المسلمة أولى وأفضل من جهات عدة، فلا شك أن توافق الزوجين من الناحية الدينية أعون على الحياة السعيدة، بل كلما توافقا فكريًّا ومذهبيًّا كان أفضل.

أمر آخر الله تعالى حمى خصوصية المرأة حتى لا يخدش حياؤها، فكيف نستبيح ما ستره الله بدعوى الانفتاح أو العصرنة، أو الحداثة، وكأننا بذلك نعطل أحكام الله ونبطلها في الزمان، وأحكام الشريعة الغراء صالحة لكل زمان ومكان.

الله تبارك وتعالى يقول ( وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ) سورة البقرة وهي مسئولية تلقى على عاتق الولي الذي ينتقل إلى القاضي عند انعدامه، وهنا تتضح الخطورة عند غياب الولي ومسئولية القاضي.

أمر آخر يقول تعالى {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن }[الممتحنة:
ولم يرد نص باستثناء أهل الكتاب من هذا الحكم، فالحرمة مُجمَع عليها بين المسلمين.
لذلك لا يجوز الزواج من الكتابية في عصرنا إلا لحاجة ملحَّة، ومن هنا نعلم أن الزواج من غير المسلمات في عصرنا ينبغي أن يُمنع سدًّا للذريعة إلى ألوان شتى من الضرر والفساد، ودرء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، ولا يسوغ القول بجوازه إلا لضرورة قاهرة أو حاجة ملحَّة، والضرورة تقدر بقدرها، كما قعَّد الفقهاء والعلماء الذين يجب أخذ الفتوى عنهم لا غيرهم.

فكما لا يصح لمن لم يدرس الطب إجراء عملية قلب مفتوح إلا بعد دراسة معمقة وخبرة وآليات وإمكانيات وتشخيص وهذا أمر يسلم به الجميع، فأمر الدين أخطر لأن الهلاك فيه ليس للمريض وإنما للأمة جمعاء.
والله تعالى يقول (من قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا).