رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
الوثيقة
الأحد 15/نوفمبر/2020 - 05:03 م

ريشار أنطوان.. أول أجنبي أوروبي يتزعم خلية إرهابية (1ــ 3)

روبير ريشار أنطوان
روبير ريشار أنطوان
نضال ممدوح
aman-dostor.org/33986

فوجئ كثيرون عام 2003 في أعقاب تفجيرات الدار البيضاء التي استهدفت عدة أماكن في المغرب بوجود شخص فرنسي يدعى «روبير ريشار أنطوان» على رأس إحدى الخلايا التي تم اعتقال عناصرها ما بين طنجة وفاس.

وفي كتابه «سلفي فرنسي في المغرب» الصادر عن دار رؤية للنشر، يشير مؤلفه «إدريس الكنبوري» إلى أن ريشار أنطوان اعتنق الإسلام من خلال معرفته بمجموعة من الأشخاص الأتراك الذين يمتلكون محال تجارية بمدينة شامبون فوجيروليس المولود فيها «أنطوان» عام 1973، والحاصل على دبلوم المحاسبة وعمل في الفترة من 1991 حتى 1992 في معمل للقطن بمسقط رأسه لتبدأ مرحلة جديدة في حياته، حيث تعرف على شخصين من جنسية تركية يعتنقان المذهب الحنفي من غير أن يعرف أنه يعتنق واحدا من تيارات الغلو والتشدد الديني التي تعبر عن حالة الشذوذ في الحقل الإسلامي، وسرعان ما توطدت العلاقة معهما ليتمكنا في الأخير من إقناعه باعتناق الإسلام واختار اسما جديدا وهو «يعقوب».

ويضيف المؤلف: «لقد التصق الإسلام في لا وعي روبير بالتجنيد لقائد السلفية الجهادية وكان من الطبيعي أن يتناهي إلى تصوره أن الانفكاك من التطرف هو انفكاك عن الإسلام نفسه في ذات الوقت، وهو ما يفسر كيف أنه تقدم بالتماس لمقابلة قس الكنيسة الكاثوليكية في الرباط في مارس من العام 2007 إثر الأزمة النفسية التي ألمت به بعد ابتعاده عن سجناء السلفية الجهادية داخل سجن سلا وعندما بدأ في تغيير قناعاته ومواقفه المتطرفة والتخلي عن أداء بعض العبادات كما اعترف في حواره مع مؤلف الكتاب بأنه بدأ يشكك في قناعاته الدينية نفسها وبأنه ظل 3 أشهر لا يصلي فجاء طلبه لقاء قس الكنيسة الكاثوليكية وكان طلبه نابعا من إرادة حقيقية من لدنه بحسب تصريحات محاميه الفرنسي فانسان كرسيل».

لقد كان اعتناق روبير ريشار للإسلام تجنيدا في الوقت ذاته فهو إذن لم ينتم للإسلام بقدر ما انتمى لتيار سياسي معين باسم الإسلام نفسه ففي الثامنة عشرة من العمر في السن التي أسلم فيها روبير، يصعب على الشاب التمييز بين الأشياء التي تقدم له خصوصا إذا كانت من خارج ثقافته أما إذا كان المرء في تلك السن ضائعا وفاقدا لنقطة ارتكاز ثابتة في حياته كما كان روبير حقا ويبحث عن معنى لوجوده فإن الأمور تصبح أكثر تعقيدا، وإذا عرفنا أساليب التجنيد لدي السلفيين الجهاديين في صفوف الشباب المسلم، كما هو الحال في المغرب وعرفنا كيف يتم غسل أدمغة هؤلاء الشباب بسهولة، وأدركنا إلى أي حد تكون المهمة أسهل مع شخص أجنبي.

ـــ من الإسلام إلى أفغانستان
أثناء اعتناقه الإسلام بدأ احتكاك روبير مع مغاربة وجزائريين من التيار السلفي الوهابي ممن يترددون على الجمعية الثقافية الإسلامية في بوشي التابعة لإقليم لالوار، مما كان من نتيجته أن تعرض روبير لعملية غسيل المخ وترسخت لديه القناعات الجهادية، وفي عام 1994 أي بعد عامين من إسلامه، هاجر إلى تركيا بإيعاز من مسئولي المساجد التركية في فرنسا، حسب اعترافاته في محضر الضبطية القضائية في ٧ يونيو 2003 وذلك من أجل تقوية معارفه الدينية ولأنه لم يكن يملك عملا في ذلك الوقت ولا الإمكانيات المادية للسفر فقد تكلف أحد المهاجرين الأتراك في مدينة سانت جيست ويدعى «إحسان» بأعباء سفره.

وفي تركيا أقام روبير لمدة شهر في بيت شقيق «إحسان» المشار إليه ويدعى «شكير» بمدينة قونيا، وخلال تردده على مساجد المدينة تعرف على شخصين عراقيين، وأقنعه أحدهما ويدعى «خالد» يعمل مدرسا للغة العربية بالإقامة معه في بيته وبالفعل مكث روبير معه ستة أشهر، درس خلالها على يديه اللغة العربية وتلقى عنه دروسا في الفكر السلفي على منهج ناصر الدين الألباني، بحسب ما جاء في محضر اعترافاته.

بعد قونيا انتقل روبير لاسطنبول وهناك تابع تلقي دروس دينية في مسجد «كان كورن» لمدة أربعة أسابيع، وخلال إقامته تلك تعرف على شخص تركي حدثه عن السفر للجزائر للالتحاق بالجيش الإسلامي للإنقاذ وهي الفترة التي تعرفت في الجزائر بــ«العشرية السوداء» أو أفغانستان من أجل الجهاد فوقع اختياره على أفغانستان.

كان دافع سفر روبير لأفغانستان هو تلقي تدريبات عسكرية على القتال واستعمال المتفجرات٬ كما يعترف في تحقيقات الجهات الأمنية المغربية معه، لكي يحقق تلك الرغبة كان عليه أن يحصل أولا على تأشيرة دخول العاصمة الإيرانية طهران، حيث مكث فيها قرابة شهر برفقة شخص جزائري وأربعة مواطنين أتراك، وفي طهران تمكن الأشخاص الستة من الحصول على تأشيرة لدخول الأراضي الباكستانية بمساعدة مجاهدين باكستانيين شاركوا في حرب كشمير المشتعلة بين الهند وباكستان، فتوجهوا إلى الجزء الخاضع لتلك الأخيرة من كشمير حيث أقاموا مدة عشرين يوما بعد ذلك توجهوا إلى مدينة بيشاور قرب الحدود مع أفغانستان بمساعدة شخص سعودي، حيث أقاموا في مضافة «دار الشهداء» يشرف عليها شخص سعودي يدعى أبو حذيفة.

وخلال الفترة التي هاجر فيها روبير إلي بيشاور، كان زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن كثير التردد على المدينة، حيث كان يتكفل بتمويل جزء من الخدمات المقدمة للأفغان العرب، وأنشأ بها "مكتب خدمات المجاهدين" رفقة عبد الله عزام مؤسس تنظيم الجهاد الأفغاني الذي قتل عام 1989.

تزامن وصول روبير إلى بيشاور عام 1994 مع أول ظهور لحركة طالبان أو طلاب الشريعة وهي حركة سنية متشددة تتبنى المذهب الحنفي وتعتبر الحكم الشرعي في مذهبها حكما واحدا لا يحتمل الأخذ والرد حوله، ومن ثم يصبح تنفيذ الأحكام الشرعية لديها أمرا مفروضا وواجبا دينيا لا بد من تنفيذه، حتى وإن كانت هناك مذاهب أو آراء أخري تخالفها.

وبسطت سيطرتها كاملة على التراب الأفغاني وأزاحت جميع الفرقاء السياسيين خلال عامين فقط من ظهورها، واستمرت في فرض نظام سياسي قاهر إلى أن طردتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد دخولها أفغانستان عام 2001.

ريشار أنطوان.. أول أجنبي أوروبي يتزعم خلية إرهابية (1ــ 3)