رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الجمعة 13/نوفمبر/2020 - 07:15 م

هكذا تنبأ سعود السنعوسي بتفجيرات القديح والعنود في «فئران أمى حصة» (تفاصيل)

تفجيرات القديح
تفجيرات القديح
نضال ممدوح
aman-dostor.org/33978

كانت رواية «فئران أمى حصة»، للروائي الكويتي سعود السنعوسي٬ التي صدرت في فبراير 2015، أشبه بالنبوءة٬ واستشرفت نتائج ومآلات الاحتقان الطائفي بين المسلمين السنة والشيعة٬ خاصة في منطقة الخليج العربي٬ فلم تكد تمر ثلاثة أشهر من صدور الرواية التي منعها الرقيب من التداول أو البيع في الكويت٬ حتى اندلعت سلسلة من التفجيرات.

ففي 22 مايو 2015، وقع تفجير مسجد الإمام علي في بلدة القديح التابعة لمحافظة القطيف شرق السعودية٬ وهو تفجير انتحاري تم تنفيذه أثناء أداء صلاة الجمعة٬ وراح ضحيته 22 شخصًا و102 جريح.

وفي الجمعة الثانية بعد هذا الانفجار٬ وقع انفجار آخر في 29 مايو 2015، في جامع الإمام الحسين في مدينة الدمام شرق السعودية٬ وهو أحد مساجد الشيعة٬ أثناء خطبة صلاة الجمعة، وهو تفجير انتحاري أودي بحياة أربعة مصلين وإصابة أربعة آخرين.

استشرف سعود السنعوسى مبكرا بنزاهة عيون زرقاء اليمامة، التى يختص بها المبدع، الواقع القميء وما يهدد المستقبل بهذه الفتن الطائفية بين معتنقي مذهبين يتوجهان لنفس القبلة٬ ويتبعان نفس النبي.

يتحدث السنعوسى، فى هذه الرواية، عن المستقبل، تحديدا عام 2020، وتحديده هذا التاريخ لانفجار الفتن الطائفية والقتل على الهوية ربما وجده متلقى روايته شديد التفاؤل، حيث أجّل مشاهد الخراب والدمار وتقسيم المدينة الواحدة إلى مئات الحواجز والمناطق بين مشايعى كل طائفة وأخرى، وربما السنعوسى وهو يتابع أخبار تفجيرات القديح والعنود شعر هو الآخر بأنه كان مفرطا فى التفاؤل وليس التشاؤم كما تناولت الأقلام النقدية روايته.

يتوازى السرد عبر زمنين، ما كان فى طفولة الراوى وأيامه الخوالى، وبين ما «يحدث الآن»، الكابوسية الضاغطة على أنفاسك وأنت تتابعها، والتى تدفع الدماء حارة فى عروقك بالسؤال الشائك: ماذا قدمت الأديان للإنسانية سوى الشقاء والبؤس؟ وكيف فرقت الأديان بين البشر بعضهم البعض وبثت بينهم الحقد والبغضاء وشهوة القتل والإفناء للآخر إن لم يعتنِق معتنَقى لأننى أملك الحقيقة المطلقة؟! ذلك الشقاق الذى بثته الأديان لم يقتصر بين ديانة وأخرى، إنما داخل الدين الواحد ما بين شيعة وسنة، دروز وبروتستانت، كاثوليك وأرثوذوكس٬ سيخ وتاميل.

يوضح السنعوسي قائلا: «أخفى الورقة مجددا أسفل المقعد وأستخرج بدلا منها رزمة منشورات دعوية كتب عليها أبوبكر فى الجنة وعمر فى الجنة٬ وعثمان فى الجنة، وعلى فى الجنة وطلحة، وأدير المذياع على إذاعة الحق، هى الطريقة الوحيدة التى تجنبنى الوقوع فى مشكلات مع حياد اسمى الذى يصعب معه تحديد طائفة يفترض أن أنتمى إليها»، وحينما يمر إلى الجهة الأخرى التى يسيطر عليها معتنقو المذهب الشيعى المخالف: «أرى من منتصف الجسر نقطة أمنية قبل آخره ترتفع منها الأعلام الخضراء هذه المرة، أوارى رزمة الأوراق أسفل المقعد، أدس أصبعى بخاتم عقيق أحمله دائما فى درج السيارة، أدير مؤشر المذياع على محطة أخرى تنطلق منها أصوات جماعية تنشد على إيقاع منتظم للطم الصدور أنشودة للإمام الحسين».

لم يتعلم أحد من درس الحرب الأهلية اللبنانية بكل كوابيسها ومآسيها، بكل قبحها وقيحها، لم يستوعب أحد الدرس من خروج الجميع خاسرين صفرى الأيدى، بل لم يعِ أحد التساؤل الصغير الممتد عبر الرواية «حديقة الحيوان وين؟»، ذاك السؤال الذى غرس فى ذهن الصبى ووعيه عن السبب وراء اعتبار العمرية أو العميرية، كما ينطقها الأهالى، سبة لمن ينتمى إليها أو يقطنها.

ولم يلتفت أحد إلى نبوءة «أمى حصة» التى دوما ما كانت تؤكد وجود تلك الفئران القبيحة التى تحمل الطاعون، ذاك الذى يحصد الأرواح ويهلك القرى، «ليس ضروريا أن تراها لكى تعرف أنها بيننا!»، الطاعون هنا ليس المرض البيولوجى اللعين، إنما تلك النعرات الطائفية والتمييز بين أبناء الوطن الواحد على أساس المذهب أو الدين أو حتى الجنس، طاعون الطائفية الذى لم تبدأ فصوله الحقيقية بعد.. حينما تفرغ من رواية «فئران أمى حصة» لن تملك سوى إطلاق زفرة حسرة حارة وإحساس بالعجز عن تغيير ذلك الواقع الصديدى الموبوء بالطائفية والاقتتال باسم الرب، يأكلك الرعب والفزع من الأيام القادمة!