رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الجمعة 13/نوفمبر/2020 - 03:50 م

سعيد ناشيد يفكك شعار الإرهابية «القرآن دستورنا»

سعيد ناشيد يفكك شعار
نضال ممدوح
aman-dostor.org/33976

لكل عصر آلياته وأدواته المستلهمة من مناخات اجتماعية وسياسية واقتصادية٬ تختلف من الواحد للآخر٬ ومن العبث أن يستنسخ عصر تجربة مضت واندثرت في مواجهة تحديات ومشكلات آنية حاضرة٬ فمثلا لا يمكننا بأي حال من الأحوال ونحن في الألفية الثانية بعد الميلاد أن نستدعي خبرات حيايتة لمن سبقونا منذ 14 قرنا٬ بمعنى آخر لا يستقيم في ظل الثورة المعرفية وما نتج عنها من ثورة في كل مناحي الحياة أن نستعين بالناقة أو الجمل للسفر بديلا عن الطائرة لأن "السلف" هكذا كانوا يسافرون٬ وقس على هذا المثال المئات من التفاصيل اليومية والخبرات التي نمر بها في حياتنا.

ولا شك أن الإسلام السياسي، كحراك ينشد بناء نظام حياة يسيطر عليه تفسير محدد للدين الإسلامي، يقوم على عدة أعمدة يتم التوسع فيها والإضافة عليها دائما٬ منها: النص القرآني، والذي هو هنا الأمر الإلهي الملزم قطعا، والذي لا يجوز النقاش فيه أصلا، وكذلك فكرة الحاكمية لله، وهي تستند على النص القرآني، وتنسف القوانين الوضعية لصالح الأحكام والأوامر الإلهية، ومن ثم طريقة الحياة والإدارة، والتي يجب أن تكون على مناهج السلف٬ أي العودة إلى المنابع الأولية للشريعة وكيفية تطبيقها في حياة المسلمين.

كما يقوم الإسلام السياسي على مسلمّة وقاعدة لا يمكن تخطيها وهي أن النص الديني مقدس ولا يمكن النقاش فيه، بمعنى أن الاجتهاد مع النص لا يجوز، وهي قاعدة أصولية أكدّ عليها كل منظري الإسلام السياسي، بل ومضوا في تكفير القائلين بأن النص القرآني ما هو إلا نتاج مراحل تاريخية، حيث إن الآيات جاءت في مناسبات وحوادث معينة في زمن معلوم وبتاريخ واضح.

ففي كتابه "الحداثة والقرآن" يطرح الباحث المغربي "سعيد ناشيد" عدة تساؤلات ويعيد تفكيك المقولات والتصورات التي رددها وروج لها اليمين المتأسلم على مر التاريخ الإسلامي٬ يطرح ناشيد تساؤلًا حول الشعار الذي طالما دأبت الجماعات والتنظيمات الإرهابية المتأسلمة على رفعه٬ خاصة جماعة الإخوان، ألا وهو شعار "القرآن دستورنا".

يذهب ناشيد إلى أن شعار "القرآن دستورنا" ما هو بشعار قرآني ولا هو بشعار دستوري٬ إذ الملاحظ من جهة أولى أن الدستور ليس مفهوما قرآنيا٬ طالما لم يرد في أي آية من آيات الذكر الحكيم كما لم يرد في أي تفسير من التفاسير القديمة أو المحدثة٬ بل دخل إلى العربية لاحقا من باب المفاهيم المستوردة.

والمؤكد من جهة ثانية أن القرآن ليس مفهوما دستوريا طالما أن من بين الخصائص الأساسية لبنود الدستور أن تكون٬ أولا مصاغة بلغة تخلو من المجاز ولا تحتمل سوى هامش ضيق من التأويل٬ وليس هذا حال القرآن الذي يكاد يكون نصا مجازيا من ألفه إلى يائه٬ وأن تكون ثانيا قابلة للتعديل تبعا للمعطيات ولما تقتضيه الأحوال٬ وبالتأكيد ليست آيات القرآن على ذلك الوجه.

رغم ذلك لا تخلو الأجواء من تشويش مقصود إذ يرتفع الشعار مدويا "القرآن دستورنا" دون أن يعرف أهل العقل والحكمة منا كيف يعترضون٬ وبأي وجه يردون٬ ما دام النص القرآني يتبدى وكأنه جامع للأحكام والشرائع٬ وشامل لقواعد السلوك والمعاملات٬ ومستوفٍ لكل القوانين والشرائع والقواعد التي أرادها الله للمسلمين أجمعين٬ بل للبشرية جمعاء٬ والتي أحكامها تصلح لكل زمان ومكان.

ويؤكد: لا تعود أسباب الفوضى الدينية التي تجتاح دول الهلال السني إلى غياب السلطة الدينية الناظمة، وإنما هي بخلاف ذلك، بسبب تلك الرّغبة الجامحة في تنميط تجربة دينية تظل في أصلها وأساسها غير قابلة لأي تنميط.

وليس يخفى أن كل مظاهر الإسلام الإخواني والسلفي والجهادي.. إلخ، ما هي إلاّ تجليات لسباق المسافات الطويلة نحو تنميط الحقل الديني لغاية التحكم فيه، لكنه سباق إلى الخلف! إنها بصريح العبارة مجرّد تجليات لنزعة الهروب من الحرية، إذا ما استلهمنا عنوانًا قويًا لأحد مؤلفات إريك فروم.

سعيد ناشيد يفكك شعار الإرهابية «القرآن دستورنا»