رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الجمعة 06/نوفمبر/2020 - 11:39 م

عمرو فاروق يكتب: لماذا يدعم الإخوان الأجندات الغربية؟

عمرو فاروق
عمرو فاروق
aman-dostor.org/33934

العلاقة بين الغرب وجماعة الإخوان علاقة متشعبة ومتشابكة ومتبادلة، تحمل الكثير من الدلالات وعلامات الاستفهام.. فالتاريخ المعاصر للتنظيم الإخواني شاهد على العديد من الاتصالات بين قيادات الجماعة ودوائر صنع القرار في الغرب بشكل عام، ولندن وواشنطن بشكل خاص، بدءاً من إدارة الرئيس الأمريكي أيزنهاور في خمسينيات القرن الماضي، مروراً بفترة الرئيس ريجان في ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً لإدارة الرئيس  باراك أوباما. 

عملت جماعة الإخوان على دعم وتنفيذ الأجندات الغربية بما يحقق لها أهدافها في طرحها كبديل جاهز للأنظمة السياسية الحاكمة، واستبدال الدولة الوطنية بالدولة الدينية الأصولية، من خلال مسارات متعددة، من بينها الإساءة لسمعة الأنظمة الحاكمة تاريخيًا على المستوى السياسي والديني والشعبي، فضلًا عن منحهم فرصة صناعة دوائر اقتصادية موازية تمكنهم من طرحهم كبديل اقتصادي في الداخل العربي.

ربما كانت وثائق هيلاري كلينتون معبرة وواضحة حول طبيعة العلاقة الوظيفية والداعمة بين الإخوان والإدارة الأمريكية، في تنفيذ الآليات والتوجهات الصادرة من البيت الأبيض، أو من الدوائر الخلفية المعنية بتحريك السياسيات في قلب المشهد، خلال أحداث ما سمى "الربيع العربي" عام 2011، وما سبقها من سنوات تقلّد فيها الجمهوريون والديمقراطيون قمة المشهد الرئاسي الأمريكي.

في حقيقة الأمر كان على جماعة الإخوان على مدار تاريخها أن تدعم- جبرًا- مختلف السياسات والاستراتيجيات الغربية المناهضة في مجملها للكثير من الأنظمة السياسية في جميع الدول العربية، إذ إنها صنيعة هذا الغرب الذي تنافقه في السر  وتناهضه في العلن، متمثلًا في الاستخبارات البريطانية التي زرعت الكيان الإخواني في الداخل العربي، ثم في العمق الأوروبي وتقديمه على أنه الممثل الشرعي للإسلام والمسلمين، لتحويلهم كأوراق ضغط سياسي "جيوبولتيك"، ضد الأنظمة العربية.

فلم تنسَ الجماعة أن التمويلات الأولى لميزانيتها الداخلية كانت منحة من المندوب السامي البريطاني، وفق ما كشفه الكاتب الإنجليزى مارك كيرتس، مؤلف كتاب "العلاقات السرية"، الصادر عام 2010، من أن بريطانيا مولت جماعة الإخوان في مصر سرًا، من أجل إسقاط نظام الرئيس جمال عبدالناصر، كما أن عملية إعادة الإخوان للمشهد والمسرح السياسي مرة أخرى في عهد الرئيس السادات تمت بضغوط من لندن وواشنطن  في المقام الأول،  تحت مزاعم القضاء على الحركة الشيوعية، نفس الضغوط مورست على نظام الرئيس مبارك عام 2005، لمشاركة الإخوان في العملية السياسية، وهى الضغوط التى أدت لدخول 88 إخوانياً البرلمان.

في المقابل، استفادت جماعة الإخوان بشكل عام من الدعم المقدم من الإدارة الأمريكية والبريطانية، لا سيما فيما يخص احتضانهم العديد من الكوادر التنظيمية منذ خمسينيات القرن الماضي وما تلاها من سنوات، وإتاحة فرصة التوسع في تشكيل وتأسيس مؤسسات ومراكز إسلامية تعمل على نشر الفكر الإخواني القطبي في ربوع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، فضلا عن استفادة الإخوان من الضغوط التي مُورست على الأنظمة العربية لتخفيف القبضة الأمنية عن الإخوان وقياداتهم والتغاضي عن التجاوزات التي اقترفها التنظيم ضد المجتمعات العربية من خلال العمليات والاغتيالات التي نفذتها الأجنحة المسلحة.

الدعم المتواصل من الأجهزة الاستخباراتية لجماعة الإخوان ومؤسساتها في الغرب، ومنحها فرصة الاستثمار والتغلغل بين طبقات الجاليات العربية والإسلامية، جعلها دائمًا تحت هيمنة وسيطرة الأنظمة الحاكمة، بالإضافة إلى تحويلها  لذراع استخباراتية بدافع الهيمنة والسيطرة على تلك الجاليات والأقليات، من قبل الأجهزة الاستخباراتية، وإخضاعهم للسياسات العامة للدول الغربية، وفقا للوثائق البريطانية التي تم الكشف عن سريتها عام 2019.

كما لعبت جماعة الإخوان منذ تاريخها دور المقاول السياسي فيما يخص ملف حقوق الإنسان وقضايا الأقليات العرقية والدينية النوعية في العمق العربي، من خلال تشكيل المؤسسات والمراكز الداعمة للسياسات الأمريكية والغربية وتمويل أنشطتها، بما يحقق للإدارة الأمريكية وحلفائها تطبيق استراتيجيات من شأنها الضغط على الأنظمة الحاكمة بشكل غير مباشر، عن طريق جمع المعلومات وتوثيقها، وفي مقدمتها ملف قضايا الإسلام الحركي، والسلفية الجهادية، وتصديرهم على أنهم مضطهدون، فضلا عن الإساءة لسمعة مؤسسات الدولة سياسيا ودينيا في الداخل والخارج.

ما يعني أن العلاقة بين الإخوان ودوائر صنع القرار في الغرب علاقة توظيفية، رغم أن الإخوان نالوا منها الكثير من المكاسب والمنافع التي جعلتهم يطمحون ويطمعون في وضع العديد من المخططات والوثائق التي عملت على الاختراق الكامل لمؤسسات ودوائر صنع القرار بشكل يفوق عملية التوظيف من جانب واحد، لكن الإشكالية خاضعة في النهاية لاعتبارات ومصالح الجانب الغربي بشكل مطلق.

لكن حالة الاحتفاء الإخواني بوصول المرشح الرئاسي جو بايدن إلى البيت الأبيض تأتي في إطار مساعيها للعودة للمشهد السياسي مرة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، الملعب الرئيسي للإدارة الأمريكية، من خلال أجندة الحزب الديمقراطي الساعية إلى التدخل في الشئون الداخلية للدول فيما يخص إشكاليات الحريات والسياسات العامة داخل الدول العربية، والتي تأتي مجملها في النهاية ضد رغبة جماعة الإخوان، وتعرقل مشروعها في التغلغل في مؤسسات الدولة واختراق الدوائر الشعبية، وتوظفها دائما، دائما، لتهييج الشارع ضد النظام السياسي الحاكم.

يضاف إلى ذلك أن هناك حالة من التفاهم التام بين اللوبي الإخواني ودوائر صنع القرار الأمريكي المحسوبة على الجناح الديمقراطي، فضلا عن أن ممثلي الإخوان في الولايات المتحدة، من خلال "مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية"، حصلوا على تطمينات بإعادتهم للمشهد السياسي في المنطقة العربية، في حال وصول جو بايدن  للبيت الأبيض.