رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الجمعة 06/نوفمبر/2020 - 06:46 م

«جنود الله» تفضح عقيدة الجماعات المتطرفة الإجرامية

الجماعات المتطرفة
الجماعات المتطرفة
نضال ممدوح
aman-dostor.org/33928

أصيب الحراك السياسي اليساري بانتكاسة مع تصاعد المد الإسلامي في بداية عقد السبعينيات، نتيجة انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط حائط برلين وما تلاه من تدشين نظريات نهاية التاريخ بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، عالم أحادي القطبية تتبعه صامويل هانتنجتون فى «صدام الحضارات»٬ فيه استبدلت أمريكا دول محور الشر، وتشمل دول العالم الإسلامي والصين وإيران، كعدو للحضارة الأمريكية بديلا عن الاتحاد السوفيتي العدو التقليدي منذ الحرب الباردة.

وفي رواية "جنود الله"، للكاتب السوري فواز حداد٬ والصادرة عام 2010 عن دار رياض الريس٬ يستعرض الكاتب انهزام التيار اليساري الماركسي أمام المد اليميني المتأسلم المسلح، الذي استعار أدوات الفكر الماركسي اليساري في عدائه للأنظمة: "كان السؤال اللينيني الشهير: ما العمل؟ قد أجاب عنه الشيوخ المعممون.. يا للمفاجأة تبادلنا الأدوار على حين غرة، أصبحنا نحن التقدميين عالقين في العصر الجاهلي بينما القادمون الجدد عادوا من هجرتهم مظفرين ليباشروا نضالهم بتحطيم أصنام المادية والإلحاد وإعلان الإسلام هو الحل٬ والقرآن هو الدستور".

قسّم الكاتب روايته إلى ثلاثة أقسام: "طريق آخر إلى الجنة"، وفيه على طريقة الفلاش باك يسرد الراوي عودته من بغداد متخفيا داخل صندوق سيارة بيك آب بيضاء عتيقة، مجهزة بأدوات ومواد إسعافية حيث تجتاز السيارة الشوارع مغادرة بغداد في طريقها إلي الحدود السورية، هو أبٌ فاقد الذاكرة عائدٌ من رحلة البحث عن ابنه الشاب "سامر" الذي التحق بجماعة القاعدة في العراق، التي انضم إليها أثناء دراسته في الجامعة العربية ببيروت وتردده على المساجد القريبة من مخيمات الفلسطينيين حيث تم تجنيده ورصدته المخابرات اللبنانية والسورية بعدما أطلق لحيته وارتدي اللباس الأفغاني.

يحاول الأب الاتصال بابنه ليمنعه من السفر إلى العراق، يلحقه إلى قرية "الدواسة" حيث يشهد مأتم أحد الشباب الجهاديين، وأسرته وأصدقاؤه يغنون له الأناشيد كونه عريس السماء يزف إلى الحور العين: "أسامة بن لادن يا مرعب أمريكا.. بقوة الإيمان وسلاح أمريكا.. يا قاعدي سمعنا الآربي جي.. سيلنا الدم فجرنا الموقع على الأمن"، لكنه يفشل فيضطر للسفر إلى بغداد بتنسيق مع الجهات الأمريكية.

وفي بغداد يستقبله الميجور"ريتشارد ميللر"، ممثل الجيش الأمريكي في مراقبة تنفيذ العقود الخاصة بشركة "ميترا كورب"، في إشارة إلى شركة بلاك ووتر وما تضمه من مرتزقة كان احتلال العراق بالنسبة لهم فرصة للثراء السريع: "نحن لا نحقق تقدما.. العراق كعكة كبيرة كل منهم يريد أن يأخذ نهشة منها٬ مئات الملايين من الدولارات تبخرت في السجلات٬ على ماذا أنفقت؟ المبالغ تسلم دون تسجيل، لماذا؟ لأن الإجراءات المحاسبية الأصولية ليست واردة في زمن الحرب، وهكذا لا يعرف من قبض عشرة آلاف أو من قبض خمسمائة ألف".

يقيم الأب- الذي تعمد الكاتب ألا يعرّفه وإبقاءه مجهلا طوال الرواية- داخل المنطقة الخضراء الخاصة بالقوات الأمريكية، وتعتبر دولة داخل الدولة العراقية، وعبر الأحداث يكشف الراوي عن الأفكار الأصولية المتطرفة سواء لدى المتأسلمين أو التيار اليميني المسيحي المؤمن بأن عودة المسيح لن تبدأ إلا بانتصارجيوش الخير الأمريكان والأوروربيين والإسرائيليين في مواجهة جيوش الشر العرب والروس والصينيين.

وذكرت الخطة الإلهية التي جاءت على لسان القس المتطرف "باركلي"، في محاضراته ومنشوراته للجنود الأمريكيين في العراق: "ليس النزاع على أرض ولا على النفط ولا على إعادة تشكيل الشرق الأوسط أو إحلال الديمقراطية، بل على شيء لا يمكن التفاهم ولا التفاوض حوله إنه القضاء على الشر بالتخلص من المسلمين٬ عهدنا مع الرب يخولنا إفناءهم عهدا لن ننكث عنه ما دام الله معنا".. ولا يخفي اعتناق جورج بوش الابن هذا المذهب واحتلاله العراق 2003 بحجة امتلاك صدام حسين أسلحة نووية٬ وهو الخطاب ذاته الذي يعتنقه الأصوليون الإسلاميون: "نحن نخوض معارك الله على الأرض، معارك الحق والإيمان، وإذا كنا نضحِّي بأرواحنا، فلأن أمرها يعود إليه، هو خلقها وإليه مرجعها وعليه حسابها.. نحن جنود الله، وموعدنا الجنة إن شاء الله".

ولكن كما أن ليس كل المسلمين يعتنقون الأفكار المتطرفة نجد بين الجنود الأمريكان من يستهجن أفكار القس باركلي ويرفضها، بل وحاول الميجور ميللر التحقيق مع القس وضربه حتى اعترف بأنه يوزع المنشورات المتطرفة على الجنود، ودبر حادثة قصف بيت عائلة مدنية راح ضحيتها عشرة أفراد بلا ذنب سوى أنهم عراقيون.

وأيضا من خلال الحوارات بين والد سامر والميجور ميللر، نرى أن هموم الاثنين واحدة، فمسئولية الأب الذي جاء وراء ابنه ليعيده عن أفكاره المتطرفة لم تختلف عن ميللر الأمريكي وشعوره بالتقصير نحو أولاده وعائلته، وإن كان الأخير لا يفهم لماذا يفجر بعض الأشخاص أنفسهم وينتحرون وأنه لا توجد قضية أو أي مبادئ تستحق هذا الانتحار، إلا أنه ينتحر في نهاية الرواية حينما يفشل في وقف القس باركلي عن تجاوزاته في حق المدنيين العراقيين. 

بينما في القسم الثاني من الرواية، تحت عنوان "رسائل من بغداد"، تنسال ذاكرة الأب الذي اختار النسيان ليهرب من الفظائع التي شهدها أثناء بحثه عن ابنه، لكن في رسائله إلى صديقته "سناء" ينقل لها حرائق بغداد والانفجارات العشوائية التي لا تفرق بين مدنيين أو مسلحين٬ والمجازر الطائفية بين الشيعة والسنة من خلال المستشفيات حيث تضج قاعاتها بصرخات رجال ونساء نجوا من الموت السريع بالقنابل والصواريخ الأمريكية ويعانون موتا بطيئا وجراحهم تنزف دما وقيحا٬ ومصابين بترت الشظايا لهم ساقا أو يدا، وأطفال خلفت لهم حروقا من الدرجتين الأولى والثانية، ومنهم من كان غائبا عن الوعي يحتضر بصمت. 

يفشل الأب في الاتصال بتنظيم القاعدة، فيعرض نفسه للاختطاف على يد واحد من "العلاس"، وهو جاسوس يجمع معلومات عن الأجانب الغرباء عن بغداد ويبيعها للجماعات الإرهابية المختلفة في العراق.

وفي الجزء الثالث والأخير "حافة الجحيم"، يُختطف والد سامر، يعذبه خاطفوه لكنهم يحتفظون بحياته ليباع لجهة ثانية كانت تابعة "لأبومصعب الزرقاوي"، الذي يحسن ضيافته لخاطر ابنه سامر الذي أصبح اسمه "عبدالله السوري" وإليه أوكلت مهمة قيادة تنظيم القاعدة في الشام.

رصد الراوي، من خلال حواراته مع الزرقاوي، تزامن انتشار التطرف الديني والجماعات الإسلامية مع التواجد الأمريكي في العراق، والعقائد التي تبنى عليها هذه الجماعات من أول تحطيم المواقع الأثرية وإقامة الحدود من قطع يد السارق ورجم الزانية والزاني إلى إلقاء المثليين الجنسيين من فوق أسطح البيوت.

كما كشفت حوارات الأب مع أبومصعب الزرقاوي وابنه عن عقيدة الجماعات المتطرفة الفاسدة وإيمانهم بأنهم وكلاء الله وجنوده على الأرض، سوف يرسلون الناس إلى جنته في السماء، كما حدث مع "أبوعبادة"، الشاب الجزائري الذي عاد عن أفكاره المتطرفة وأراد المغادرة إلى سوريا لاستئناف دراسته وحياته لكن عبدالله السوري ينجح في إقناعه بعملية انتحارية، حرص أبوعبادة على ألا يصيب أحدا من المدنيين فيها وفجّر نفسه في الساحة الخالية.

استشرفت الرواية ظهور تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، من خلال التبجيل المبالغ فيه لسامر والإصرار على كونه أمير التنظيم في بلاد الشام، وحتى عندما تقصف القوات الأمريكية موقعه يُقتل جميع رفاقه ما عدا هو ينجح في الفرار إلى الأحراش، حيث يختتم الراوي الأحداث بنبوءة انتقال عبدالله السوري إلى بلده وتأسيسه جيش النصرة في سوريا، وليحقق نبوءات القس الأمريكي الأصولي: "إن ما جرى في العراق مقدمة لتحقيق النبوءة عن دمشق، هذه المدينة ستدمر قريبا كن على ثقة، ستصبح كومة من ركام والغلبة ستكون لجيوش الله".

عالج فواز حداد في روايته العلاقة الملتبسة دومًا بين الدين، بما هو تعاليم سماوية إلهية توحيدية، وبين رجاله ووكلائه أو الناطقين باسمه المفتئتين على حقه في حساب وعقاب خلقه وجعلوا من أنفسهم جنوده وكأنه قائد عسكري يحتاج إلى جنود أو حروب مقدسة صليبية تارة وجهادية تارة أخرى!