رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الإثنين 02/نوفمبر/2020 - 10:13 م

كيف تنبأت «جزيرة الورد» بتفجيرات باريس من 2015 حتى 2020؟

جزيرة الورد
جزيرة الورد
نضال ممدوح
aman-dostor.org/33912

رغم أن الطريق إلى الله بعدد أنفاس خلائقه، إلا أن هناك من يحتكرون الحقيقة المطلقة ويرون أنهم الوحيدون الذين على حق وأن الجنة لهم وحدهم فقط والآخر المُغاير في طريقة توجهه لله كافر طالما لا يعتمد «كتالوجي الإيماني»، كما أن فكرة الله لديهم متعلقة بالعقاب والثواب فقط، أو بمعنى آخر التجارة مع الله فإن اتبعت الكتالوج الإيماني من طقوس شكلية ستفوز بالجنة، في المقابل عليك أن تتفادي قائمة المحظورات؛ فلا تنظر إلى جوهر الله، وكيف أنه المحبة والخير والجمال، ولا تعترف بتسامحك مع الآخر وتعايشك معه، أيا كان دينه أو الطريقة التي يتوجه بها إلى الله، وعليك أن تكون مستنسخا ولا تعترف بالاختلافات والتمايزات التي أقرها الله جل جلاله.

تلك الأفكار والمعاني والأسئلة توضحها ثلاثية «جزيرة الورد» للكاتب الروائي إبراهيم فرغلي، لكن في خطوط درامية متشابكة، حيث تتكشف مسائل متعددة في ذلك السياق، فلو شاء الله أن نكون نسخة واحدة لخلقنا على شاكلة واحدة وفرض طريقا وطريقة واحدة للوصول إليه، لذا على الإنسان أن يعمل لوجهه وحده ليس خوفا من ناره ولا طمعا في جنته؛ عليه أن يفعل ويعتنق ما يجعل من الأرض جنة بحد ذاتها ولا ينتظر الجنة المجهولة؛ إذ ماذا يضير إنسان ما إذا صلى آخر في مسجد أو كنيسة أو معبد؟ ما الذي يزعج في بناء دار عبادة؟ ولماذا الوصاية على الناس تحت ستار الدين؟ بل وما الذي يعنيك في إيمان أحدهم أو إلحاده أو خروجه من ملة إلى أخرى؟، ثم ما الذي يضيرك في زواج مسلمة من مسيحي أو كتابي؟

كلها تساؤلات ستقفز لذهنك دفعة واحدة وأنت تطالع ثلاثية «جزيرة الورد»، فأبطالها مأزومون تراجيديون كأبطال المآسي الإغريقية، ولم يحلموا بأكثر من أن يعيشوا في سلام ومحبة مع من اختارتهم قلوبهم بغض النظر عن الدين والمعتقد ولم يطمعوا في أكثر من حقهم الطبيعي الذي كفله الله لهم، لكن استغلال الأديان وقف حجر عثرة أمام هذا الحق.

مصائر وبصائر بين «حنين وكريستين»

في «جزيرة الورد» لم يختلف مصير «حنين» عن مصير أمها «كريستين»، فبينما الأولى ما زالت ترقد في أحد المستشفيات الفرنسية على أجهزة الإعاشة الصناعية بسبب تفجيرات باريس 2015، تعيش الثانية حبيسة جدران الدير بعد أن فقدت ذاكرتها إثر تعرض خاطفيها- من زوجها رامي- لحادث سير لم تفقد كريستين ذاكرتها فقط، بل فقدت تاريخها كله من أول قصة الحب الجارفة التي ربطتها بـ«رامي» وتحدت عبرها الأهل ومجتمع المنصورة كله وتوجتها بالزواج، مرورا بمطاردة أهل كريستين لها، ورغم أن الزوجين هجرا المنصورة إلى الإسكندرية، إلا أن نيران الكراهية لم تتركهما في حالهما حتى بعد أن رزقا بـ«حنين» فقد تتبعوا أثرهما واختطفوا كريستين لتبقى الطفلة حنين يتيمة رغم وجود أمها على قيد الحياة وفقدان الأب حياته الطبيعية، حيث دخل في متاهات مرض نفسي انتهى به لمستشفى الأمراض العصبية، بعدما دفعه الخوف على ابنته من أن تلقى مصير أمها أو تقتل فحرمها منه وأرسلها لتعيش في مدرسة داخلية بفرنسا بعيدا عن وطنها وأهلها وتكتسب هوية جديدة لم تخلُ من التمزقات والتخبط.

المنصورة بين السبعينيات وبداية الألفية الثالثة
ترصد «الثلاثية» عبر امتدادها الزمكاني ما بين حي توريل بالمنصورة ومدينة الإسكندرية وصولا لدبي وباريس من حقبة السبعينيات التي شهدت بدايات التحول الجذري في الشخصية المصرية وتجريف هويتها وصولا للألفية الثانية وبزوغ تنظيم داعش الوحشي.

ويتناول «فرغلي» أيضا التحولات الاجتماعية والثقافية التي أصابت مصر والمصريين وتبدل قيم التعايش والتسامح وقبول الآخر بعيدا عن الدين والمذهب إلى قيم التطرف الفكري الذي وصل ذروته بالإرهاب المسلح، حيث يشير لملامح هذا التحول من خلال تواجد أكشاك الموسيقى ونوادي الجاليات الأجنبية آمنة مطمئنة التي يؤمها العديد من شباب المنصورة والصدقات التي تربطهم بشباب هذه الجاليات، ثم كيف انقلبت أوقات اللهو والمرح في أواسط السبعينيات إلى انخراط هؤلاء الشباب أنفسهم، وكان من بينهم (رامي)، في التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها الجماعة الإسلامية التي اغتالت السادات، وطاردت ابنته حنين أيضا حتى أبواب العاصمة باريس، وإن كانت في ثوب جديد يسمى داعش.

لكن رامي نجح في الفرار من هذه الجماعة لا لشىء سوى أن عقله كان يرفض التسليم بكتالوج تلك الجماعات والتنظيمات عن الحياة والبشر والله، وقد لعبت الثقافة والكتب والقراءة دورا كبيرا في نجاة رامي من براثن التطرف من خلال العقلية النقدية التي كونتها سنوات القراءة والكتب له.

وربما لا تختلف التجربة التي تعرضت لها كريستين في الدير عن تلك التي تعرض لها رامي خلال انخراطه مع الجماعات الإسلامية؛ فعندما أدارت كريستين ظهرها للحياة وهربت منها ومن قبحها لاحقها حتى الدير في محاولة الاغتصاب التي تعرضت لها، ففرت خارجه مرة أخرى لكنها تعود إليه مكرهة مغيبة الوعي والتاريخ والذاكرة.

من ملامح التحول أيضا فى القيم الاجتماعية غياب نموذج الجار الشاب ذى النخوة والشهامة التي تميز بها «حودة» الذي تصدى لبعض الشباب ممن أرادوا التحرش بفتيات الحي وهم سكارى، فلم يعاودوا الكرة بعدها نهائيا، فغياب نموذج حودة مثال لكل ما غاب في الشخصية المصرية وملمح من ملامح تجريفها، فما فعله آنذاك كان بديهيا، لا يقف أمامه أحد لعاديته الشديدة، لكنه بات الآن نادرة يضرب بها الأمثال.

القديسة «دميانة» بنت الوالي
من الخطأ الشائع ارتباط تسمية «القبطي» بأنه المسيحي رغم أن القبطي تعني المصري بغض النظر عن معتنقه الديني، فربما لو تتبع أحدنا جذوره العائلية سيجد له جدًا أو جدة مسيحية أو العكس ربما خال أو عمة مسلمة، حتى إن مظاهر وطقوس الاحتفالات المرتبطة بالموالد الشعبية للمسيحيين والمسلمين واحدة؛ من أول النذور مرورا بإيقاد الشموع وليس انتهاء بالعودة من الهدايا من تلك الموالد، ونجد الثقافة واحدة متوارثة عن أجدادنا قدماء المصريين، وهو بعينه ما مارسه رامي مع كريستين، فرامي يصطحبها لأضرحة الأولياء ويوقد معها الشموع في دير القديسة «دميانة» بنت الوالي التي ينسب إليها تأسيس الرهبنة في مصر والعالم كله، وتماهت معها كريستين في آلامها وأعادت سيرتها، لكنها كدميانة لم ترضخ للترهيب، واختارت ما اختاره قلبها فكان عليها دفع الثمن كما دفعته قديستها دميانة.

نجح «فرغلي» بحرفية عالية في بناء عالمه الروائي عبر حيوات وحوادث متناغمة أخذت الشكل الموسيقي المتآلف من خلال شخصيات برع في خلقها حتى تحسبها من روح ودم، وتواصل حياتها في عوالمها الخاصة وتشاركنا عالمنا وتشبهنا وتشبه الآلاف ممن نمر بهم كل يوم في الشارع أو العمل أو الدراسة.

وقدم الكاتب عبر نصه المحمل بالأسئلة حول الوجود والله حول نظرتنا للعالم وذواتنا غاص عميقا في روح الإنسان ليكشف لنا عن قيم التسامح والمعني الذي يحمله الدين وإخوة الآخر رغم التعصب والاستبعاد.