رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
السبت 31/أكتوبر/2020 - 12:34 م

محمد الهوارى يكتب: نابليون والتاجر.. إعلام الـ35%

محمد الهواري
محمد الهواري
aman-dostor.org/33892

لا تزال مؤسسات إعلامية في عالمنا العربي تتفاخر بما تحققه من إنجازات في العالم الافتراضي، تلك تخطت حاجز المليون متابع على تلك المنصة، وهذه تخطت العشرة ملايين، ولكنني مستمر في متابعتي "الشيف كوبي" بانبهار شديد، إذ حقق عبر حسابه على موقع "إنستجرام" مليونين و500 ألف متابع في عام واحد فقط، وصار علامة تجارية مميزة.

وتتوقف بشىء من الدراسة لحساب «kobe eats»، حيث استطاع الطباخ الماهر كسب القلوب والعقول، هو ذكي دون شك، يعلم جمهوره جيدًا، درسه بعناية، اختار مساحة صديقة "الطبخ"، وتفرد بتقديمه بأسلوب بسيط، بعض العشوائية المحببة للقلب، واستمتاعه بتذوق المكونات، وقليل من الهمهمات، وابتسامة لا تفارق وجهه، وكلب يلاعبه من آن لآخر.

بهذه الطريقة يحقق ما لا يقل عن 900 ألف مشاهدة لكل فيديو ينشره، بشخصيته المميزة، وملابسه البسيطة "غطاء رأس أحمر، ومريلة طبخ حمراء"، الأمر الذي دفع برنامجا ذا صيت عالمي مثل «good morning America» لكى يفرد مساحات للحديث عن "الشيف" الصاعد، الذي أصبح يروج لمنتجاته ومنتجات الغير من مأكولات وأدوات طبخ.

ما الفارق بين "كوبي" وبين مؤسسات إعلامية كبيرة؟ استطاع "الشيف" تحقيق شهرته، في عام واحد، باستخدام كاميرا تليفون محمول، يثبتها أمامه في المطبخ البسيط، مع إضاءة جيدة، وإنترنت جيد، فيما أنفقت تلك المؤسسات الملايين لتحقيق متابعات لا تعبر في مجملها عن جودة ما تقدمه من محتوى.. لكن ثمة شىء مختلف.

تلك المؤسسات عمرها سنوات، لكن "كوبي" عمره سنة، نعم سنة واحدة، تعطيه والدته أو والده مكونات الأكلات، ويشارك "كوبي" في الطبخ، ويأسر قلوب مئات الآلاف دون كلمة واحدة حتى.. إن الأمر يخضع لمنطق تجاري، أتذكر ذلك التاجر السبعيني عندما أخبرني بفلسفته في جذب الزبائن "المتابعين"، وطريقته في عرض البضائع "المحتوى".

باغتني الرجل العجوز: عندما تذهب إلى تاجر الحلويات، تشتري ما تريده أم ما يريد أن يبيعه لك؟ لم أتردد: طبعًا أشتري ما أريده، ابتسامة واثقة تعلو وجهه: إجابة خاطئة، أنت تريد شراء "حلويات شرقية"، لكن صلاحية المانجو كادت تنتهي، ينتبه التاجر، يخبره "الشيف" بأنه سيعد "تورتة مانجو"، وتبدأ خطة إقناعك.

وبمجرد دخولك "المحل" يقترب منك البائع، مدير "المحل" أخبره مسبقًا بأن مكافأة بانتظاره، فقط عليه بيع مزيد من "تورتة المانجو"، يسألك: "هل أستطيع مساعدتك؟".. هكذا يحاول الإعلام المعادي جذب انتباهك، تقول: "أريد حلويات شرقية"، سيخبرك البائع بأن سعرها يقترب من سعر "تورتة المانجو"، وأنها آخر قطعة متاحة، بل وربما أكثر.

سيخبرك بأن عميلًا آخر حجزها هاتفيًا، لكن الأولوية لمن حضر، استطاع إقناعك، تأخذ "التورتة"، تظن أنك أخذت ما تريده، لكنه أقنعك بما تحتاجه في سياق الموقف، هكذا يلعب الإعلام المعادي على أوتارك، تلك هي المعضلة، ما تريده مقابل ما تحتاجه، "الشيف" واحد في الحالتين، لكن شتان في الهدف، بل وأكثر.

باغتني التاجر العجوز بسؤال ماكر جديد: لدينا "محل" رابح، وآخر متعثر، ولدينا ميزانية للدعاية، ماذا ستفعل بالميزانية؟ ترددت كثيرًا: ربما نمنح المتعثر كل الميزانية، أو 75% منها، مقابل 25% للرابح، بابتسامة واثقة جديدة يقول: ما كان نابليون ليفعل ذلك، ماذا إذن؟ كان نابليون يرسل قواته لحصار وفتح المدن، كان تاجرًا.

إذا استطاعت قواته دخول مدينة، وتعثرت أخرى طالبة الإمدادات، كان يرسلها للقوات المنتصرة لتثبيت وجودها وتأمينها، بنفس المنطق سيوجه التاجر ميزانية الدعاية للمحل الرابح، سيسعى لتثبيت نجاحه، صدقني لا أقارن هنا بين إعلام وآخر في بلادنا، لكني أحدثك عن المنطق، نفس المنطق الذي سيجعلك تسعى للأكثر مصداقية، وليس الأكثر متابعين.

ذلك أنك مصدر للخطر، نعم أنت، سأخبرك السبب، يقسم العلماء المجتمعات كالتالي: 15% عباقرة وممتازون، 35% مواطنون صالحون، بتقدير جيد جدًا، و15% الفاسدون والجانحون والمجرمون والمتطرفون، لكن تظل النسبة الأخطر المتأرجحين، ويشكلون 35%، إذا استطعت ضمهم إلى سابقيهم، تكون لديك 85% صالحون، وإذا استطاع الـ15% ضمهم، صار لديك 50% تطرفا.

يشكل المتأرجحون ميدان حرب الإعلام اليوم، يسعى إعلامنا المحلي لضمهم إلى "معسكر الانتماء"، ويسعى الإعلام المعادي لضمهم إلى "معسكر الناقمين"، تمهيدًا لتحويلهم إلى "متطرفين"، لا تحاول أن تفقد تركيزك، سأعود بك إلى أصل المسألة، سأخبرك كيف تكون "زبونًا" جيدًا، سأخبرك بما يفعله "نابليون" والتاجر و"الشيف"، وسأترك لك الاختيار في النهاية.

"الشيف كوبي" سيخاطب ما تحتاجه، سيحدثك عن أثر كل ما يقدمه على حياتك، كل طريق يتم مده، كل مبنى سكني بديلًا لآخر عشوائي، كل كيلو وات كهرباء، كل فدان مزروعات، كل قطرة مياه تمت تحليتها.

"شيف الحلويات" سيمنحك ما يريد توصيله إليك، ويخدعك بأنك تحتاجه، يريدك ناقمًا مهزوزًا مترددًا شاكيًا، سيخبرك بأنه يريد الأفضل لك، يصدقك وهو كاذب، بعض الحقائق "تورتة"، وكثير من التضليل "مانجو منتهي الصلاحية"، وطريقة مميزة في العرض.. "نابليون" سيصرف المليارات على "المحلات" الرابحة، في إعداد رسائل مسمومة عبر المنصات المعادية، في حالتنا سيصرف التاجر بضعة ملايين على "المتعثرة"، بدلًا من تحديد احتياجات "الزبائن" الفعلية.. عودة للزبون.

أخشى على "الزبون" من التأرجح، لنضمن استقرار الزبائن الثابتة، لنخاطب "المتأرجح" ونعيده من المنصات المعادية، قبل أن يتحول إلى "التطرف"، المكاشفة مطلوبة مقابل التضليل، الإعلام الصادق يقول الحقيقة للسلطة، ويقدم المعلومة للمجتمع، ويحافظ على توازنه ويوعيه، لا أن نقع في فخ "اثبت العكس" أمام رسائل التضليل، الفعل لا رد الفعل.

الإعلام المعادي سيثبت حالة التأرجح تلك، وسيعمل على زيادتها، عندما تحقق بلادك أمرًا كبيرًا سيحرص على أن تشك فيه، سيهين دولتك، ويخبرك بأنها تابعة، في وقت لن تتعب فيه إذا حسبت على أصابعك تاريخ أعدائك، سيحول حلفاءك إلى أعداء، وأعداءك إلى أصدقاء، هو يلغي شخصيتك وتفكيرك وهويتك وانتماءك، شيئًا فشيئًا.

الإعلام المعادي سيخبرك الكذب، وسيقنعك به، بطريقة «اثبت العكس»، أنت تابع ومفلس «اثبت العكس»، لكنك لن تتعب نفسك بالتفكير، أنت لست في العراء، كل ما تحتاجه من سلع أساسية متاح، كل ما تحتاجه من خدمة طبية موجود، وإن حدث تقصير هناك من يسمعك، أنت فقط لا تعرف كيف تصل إليه.

لن تتعب نفسك للبحث عن تقارير جهات التمويل، والمؤسسات الاقتصادية الدولية، وتقارير المراكز الاستراتيجية العالمية، التي تتحدث عن صمود بلادك أمام أزمة كورونا، وأنها وجهة آمنة للاستثمار، وأنها تتصدر مؤشرات تحقيق النمو رغم أزمة كورونا، التي تعاني منها كبرى دول العالم، وأنها أقوى دولة بالمنطقة، وأكثرها استقرارًا، أتعرف معنى الدولة؟

لماذا يحاول الإعلام المعادي إثبات أنك لا تعيش في دولة؟ ألا تعلم أن نفي النفي إثبات؟ ابحث على الإنترنت، عن عالمنا العربي، وانقر زر "الأخبار"، ستجد المظاهرات، وقطع الطرق، والفساد، والإرهابيين يذبحون الناس على الهواء، ويغتصبون الفتيات في الشوارع، حرائق ولا سيارة مطافئ للتعامل معها، انتشار للسلاح حتى بين الأطفال.

صدقني رغم كل شىء أنت تعيش في دولة، تحاول أن تكون أفضل مما كانت عليه، لن يفيدك أو يفيدها شيء إذا كنت متأرجحًا، كف عن القيام بدور وسيط الفيروس، فيروس الشائعات وبث الفتن، والتضليل، لا تصدق كل ما يقال إليك، اقرأ كثيرًا، وفكر أكثر، وتكلم أقل، كن شريكًا، كفاك تأرجحًا.

- استشاري التدريب والتخطيط الإعلامي