رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قاعدة بيانات
الإثنين 26/أكتوبر/2020 - 10:37 م

ظل ثابتًا راسخًا كرسوخ الجبال.. وقائع محاولة اغتيال الجماعة لعبدالناصر في المنشية (تقرير)

جمال عبد الناصر
جمال عبد الناصر
نضال ممدوح
aman-dostor.org/33879


قبل‭ ‬66‭ ‬عامًا،‭ ‬وفى‭ ‬مثل‭ ‬أمس‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬1954‭ ‬وقف‭ ‬الزعيم‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬فى‭ ‬ميدان‭ ‬المنشية‭ ‬بالإسكندرية،‭ ‬ليلقى‭ ‬خطابه‭ ‬فى‭ ‬ذكرى‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاقية‭ ‬الجلاء،‭ ‬ولم‭ ‬تمر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭ ‬من‭ ‬خطابه،‭ ‬حتى‭ ‬دوت‭ ‬طلقات‭ ‬الرصاص‭ ‬تجاه‭ ‬المنصة‭ ‬التى‭ ‬يقف‭ ‬عليها‭ ‬عبدالناصر،‭ ‬فى‭ ‬محاولة‭ ‬من‭ ‬جماعة‭ ‬الإخوان‭ ‬الإرهابية‭ ‬لاغتياله‭. ‬


ورغم‭ ‬المفاجأة‭ ‬الصاعقة‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬عبدالناصر‭ ‬ظل‭ ‬ثابتًا‭ ‬راسخًا‭ ‬كرسوخ‭ ‬الجبال،‭ ‬هاتفًا‭ ‬فى‭ ‬المواطنين‭ ‬ممن‭ ‬حضروا‭ ‬اللقاء،‭ ‬والذين‭ ‬سادت‭ ‬الفوضى‭ ‬والتدافع‭ ‬بينهم‭: ‬أيها‭ ‬الرجال‭.. ‬أيها‭ ‬الأحرار‭ ‬فليبق‭ ‬كل‭ ‬فى‭ ‬مكانه‭.. ‬أيها‭ ‬الرجال‭.. ‬أيها‭ ‬الأحرار‭ ‬أتكلم‭ ‬إليكم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حاول‭ ‬المغرضون‭ ‬الاعتداء‭ ‬على،‭ ‬فدمى‭ ‬فداء‭ ‬لكم‭ ‬وحياة‭ ‬عبدالناصر‭ ‬ملك‭ ‬لكم‭.. ‬أنا‭ ‬لست‭ ‬جبانًا،‭ ‬أنا‭ ‬قمت‭ ‬من‭ ‬أجلكم،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬عزتكم‭ ‬وكرامتكم‭ ‬وحريتكم،‭ ‬أنا‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬منكم‭ ‬ولكم،‭ ‬عشت‭ ‬لكم‭ ‬وسأعيش‭ ‬حتى‭ ‬أموت‭ ‬عاملًا‭ ‬من‭ ‬أجلكم‭ ‬وأموت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حريتكم‭ ‬وعزتكم‭ ‬وكرامتكم‭.‬


سبقت‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬إجراءات‭ ‬تصعيدية‭ ‬قامت‭ ‬بها‭ ‬الجماعة‭ ‬الإرهابية‭ ‬ضد‭ ‬عبدالناصر‭ ‬ومجلس‭ ‬قيادة‭ ‬الثورة‭ ‬برمته،‭ ‬وحسب‭ ‬أحمد‭ ‬البكرى‭ ‬فى‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬حلف‭ ‬الشيطان‮»‬‭ ‬ففى‭ ‬12‭ ‬يناير‭ ‬1954‭ ‬أثناء‭ ‬احتفال‭ ‬طلاب‭ ‬جامعتى‭ ‬القاهرة‭ ‬والإسكندرية‭ ‬بذكرى‭ ‬استشهاد‭ ‬المنيسى‭ ‬وشاهين‭ ‬فى‭ ‬التل‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الإنجليز،‭ ‬استغل‭ ‬الإخوان‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬فى‭ ‬استعراض‭ ‬قوتهم،‭ ‬إذ‭ ‬اجتمع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عبدالحكيم‭ ‬عابدين‭ ‬وحسن‭ ‬دوح‭ ‬المحامى‭ ‬ومحمود‭ ‬أبو‭ ‬شلوع‭ ‬ومصطفى‭ ‬البساطى‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬الإخوان،‭ ‬واتفقوا‭ ‬ألا‭ ‬يظهر‭ ‬صوت‭ ‬إلا‭ ‬صوتهم،‭ ‬فاشتبكوا‭ ‬مع‭ ‬طلبة‭ ‬المدارس‭ ‬الثانوية‭ ‬والجامعة‭ ‬ممن‭ ‬كانوا‭ ‬يشاركون‭ ‬فى‭ ‬إحياء‭ ‬ذكرى‭ ‬الشهداء،‭ ‬فأخذ‭ ‬تلاميذ‭ ‬المدارس‭ ‬يردون‭ ‬على‭ ‬هتافات‭ ‬الإخوان‭: ‬الله‭ ‬أكبر‭ ‬والعزة‭ ‬لمصر،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭ ‬الإخوان‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ضربوا‭ ‬تلاميذ‭ ‬المدارس‭ ‬بالكرابيج‭ ‬والعصى،‭ ‬وقلبوا‭ ‬العربة‭ ‬التى‭ ‬تحمل‭ ‬بعضهم‭ ‬وفيها‭ ‬الميكروفون‭ ‬وأحرقوها،‭ ‬كما‭ ‬قام‭ ‬الطلبة‭ ‬الإخوان‭ ‬بحرق‭ ‬سيارة‭ ‬جيب‭ ‬عسكرية‭ ‬فى‭ ‬حرم‭ ‬الجامعة،‭ ‬ويرى‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬الإخوان‭ ‬خططوا‭ ‬لهذا‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬المخابرات‭ ‬البريطانية‭ ‬لإثارة‭ ‬الفوضى‭ ‬والقلق‭ ‬لإضعاف‭ ‬موقف‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬فى‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬الإنجليز‭. ‬


وفى‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬تاريخ‭ ‬جماعة‭ ‬الإخوان‮»‬‭ ‬يشير‭ ‬رفعت‭ ‬السعيد‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬سيد‭ ‬قطب‭ ‬والتنظيم‭ ‬السرى‭ ‬فى‭ ‬محاولة‭ ‬اغتيال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬فى‭ ‬المنشية‭: ‬كان‭ ‬سيد‭ ‬قطب‭ ‬يصدر‭ ‬فى‭ ‬أوائل‭ ‬1954‭ ‬نشرة‭ ‬سرية‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬الإخوان‭ ‬فى‭ ‬المعركة‮»‬‭.‬


ويمضى‭ ‬‮«‬السعيد‮»‬‭ ‬مؤكدًا‭: ‬أمام‭ ‬محكمة‭ ‬الشعب‭ ‬جرى‭ ‬الحوار‭ ‬التالى‭ ‬بين‭ ‬جمال‭ ‬سالم‭ ‬رئيس‭ ‬المحكمة‭ ‬والمتهم‭ ‬يوسف‭ ‬طلعت‭ ‬الرئيس‭ ‬الجديد‭ ‬للجهاز‭ ‬السرى‭:‬

‭ ‬س‭: ‬من‭ ‬كان‭ ‬يقوم‭ ‬بتحرير‭ ‬الأخبار‭ ‬فى‭ ‬تلك‭ ‬النشرة‭ ‬السرية؟،‭ ‬ج‭: ‬مش‭ ‬فاكر،‭ ‬س‭: ‬سيد‭ ‬قطب‭ ‬كان‭ ‬بيكتبها،‭ ‬ج‭: ‬أيوه‭ ‬يا‭ ‬فندم‭. ‬


وأمام‭ ‬ذات‭ ‬المحكمة‭ ‬سأل‭ ‬جمال‭ ‬سالم‭ ‬الشيخ‭ ‬فرغلى‭ ‬س‭: ‬من‭ ‬كان‭ ‬يحرر‭ ‬نشرة‭ ‬الإخوان‭ ‬فى‭ ‬المعركة؟‭ ‬ج‭: ‬كان‭ ‬مفهومًا‭ ‬أن‭ ‬الأستاذ‭ ‬سيد‭ ‬قطب‭ ‬كان‭ ‬يحررها‭. ‬


وعلى‭ ‬أى‭ ‬حال‭ ‬هرب‭ ‬سيد‭ ‬قطب‭ ‬واختبأ‭ ‬فى‭ ‬بنى‭ ‬سويف‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يهرب‭ ‬سوى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أسابيع‭ ‬وما‭ ‬لبث‭ ‬أن‭ ‬قبض‭ ‬عليه‭ ‬فى‭ ‬18‭ ‬نوفمبر‭ ‬1954‭ ‬وحكم‭ ‬عليه‭ ‬بالسجن‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬عامًا‭.‬


وقد‭ ‬أدى‭ ‬سعى‭ ‬الجماعة‭ ‬لاغتيال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬إلى‭ ‬قيام‭ ‬مجلس‭ ‬الثورة‭ ‬بحل‭ ‬الجماعة‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬رموزها‭ ‬وتقديمهم‭ ‬للمحاكمة،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬القرار‭ ‬الثانى‭ ‬بحل‭ ‬الجماعة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصدر‭ ‬محمود‭ ‬فهمى‭ ‬النقراشى‭ ‬قرار‭ ‬الحل‭ ‬الأول‭ ‬بتاريخ‭ ‬5‭ ‬ديسمبر‭ ‬1948‭ ‬لاتهامها‭ ‬بالتحريض‭ ‬والعمل‭ ‬ضد‭ ‬أمن‭ ‬الدولة‭. ‬


وقد‭ ‬جاء‭ ‬نص‭ ‬قرار‭ ‬الحل‭ ‬كالتالي‭: ‬‮«‬قرر‭ ‬مجلس‭ ‬قيادة‭ ‬الثورة‭ ‬حل‭ ‬جماعة‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين،‭ ‬وتعد‭ ‬جماعة‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬حزبًا‭ ‬سياسيًا،‭ ‬ويطبق‭ ‬عليها‭ ‬أمر‭ ‬مجلس‭ ‬قيادة‭ ‬الثورة‭ ‬بحل‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭.‬‮»‬


عقب‭ ‬فشل‭ ‬محاولة‭ ‬الجماعة‭ ‬الإرهابية‭ ‬فى‭ ‬محاولة‭ ‬اغتيال‭ ‬عبدالناصر،‭ ‬اشتدت‭ ‬حملة‭ ‬الاعتقالات‭ ‬ضد‭ ‬أعضاء‭ ‬الجهاز‭ ‬السرى‭ ‬للإخوان‭ ‬البالغ‭ ‬عددهم‭ ‬700‭ ‬عضو‭ ‬مع‭ ‬تقديمهم‭ ‬للمحاكمة‭ ‬سريعًا،‭ ‬وفى‭ ‬9‭ ‬ديسمبر‭ ‬1954‭ ‬نفذ‭ ‬حكم‭ ‬الإعدام‭ ‬فى‭ ‬ستة‭ ‬منهم‭: ‬محمود‭ ‬عبداللطيف،‭ ‬هنداوى‭ ‬دوير،‭ ‬إبراهيم‭ ‬الطيب،‭ ‬يوسف‭ ‬طلعت،‭ ‬محمد‭ ‬فرغلي،‭ ‬وعبد‭ ‬القادر‭ ‬عودة‭. ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يعتقل‭ ‬منهم‭ ‬اختفى‭ ‬عن‭ ‬الأنظار‭ ‬أو‭ ‬غادر‭ ‬البلاد‭ ‬سرًا‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬مثل‭ ‬سوريا‭ ‬والسعودية‭ ‬وإمارات‭ ‬الخليج‭ ‬العربى‭ ‬والتى‭ ‬كانت‭ ‬آنذاك‭ ‬تحت‭ ‬الهيمنة‭ ‬البريطانية‭.‬