رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 26/أكتوبر/2020 - 03:06 م

عمرو فاروق يكتب: مقاطعة فرنسا.. معركة سياسية ترتدي عباءة الدفاع عن رسول الله

الكاتب الصحفي عمرو
الكاتب الصحفي عمرو فاروق
aman-dostor.org/33875

(1) 
على مدار الساعات الماضية أدارت حسابات ومواقع تركية وقطرية حملة ممنهجة لمقاطعة المنتجات الفرنسية، اعتراضا على تصريحات ماكرون التي يؤكد فيها اتخاذ المزيد من الإجراءات ضد ما يسمى "الإسلاموية السياسية"، أو الإسلام الحركي، الذي سعى لصناعة كيان موازٍ في الداخل الفرنسي.

وهي الإجراءات التي كشف عنها تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي، في يوليو 2020، عن أن "مؤيدي الإسلام السياسي يسعون إلى السيطرة على الإسلام في فرنسا" من أجل "إنشاء دولة الخلافة"، ويغذون في بعض المدن "نزعة انفصالية" خطيرة.
 
واقترح التقرير الذي حررته عضو مجلس الشيوخ الفرنسي، جاكلين أوستاش برينيو، نحو (40) إجراء للحد من التطرف، من بينها منع التحريض والخطابات الانفصالية، ومراقبة بعض المدارس والجمعيات، وتوعية المسئولين المنتخبين ووسائل الإعلام، مبدية قلقها بإزاء الحركات الإسلامية المتشددة.

ويشير رئيس المعهد الأوروبي للأمن والاستشراق، إيمانويل ديبوي، في تصريحات إعلامية، إلى أن هذه الإجراءات لا تستهدف المس بمسلمي فرنسا بل تطال المتشددين الذين يقومون بأعمال منافية للإسلام المعتدل.

إلا أن البعض اعتبر تصريحات ماكرون تمثل عداء للمسلمين وتحريضا على الإساءة بمقداستهم، وذلك خلال تأبين مدرس التاريخ صامويل باتي، الذي قتل وقطع رأسه في أحد الأحياء الباريسية، بسبب الرسوم المسيئة للرسول، صلى الله عليه وسلم.. مع أنها في الحقيقة تعبيرات سياسية في المقام الأول، تستهدف مغازلة الداخل الفرنسي بتنوعاته وطوائفه الدينية والسياسية، وتسعى لتقويض مساعي أنصار تيارات الإسلام الحركي في تغيير واستبدال الهوية الفكرية والثقافية للمجتمع الفرنسي بما يتواءم مع توجهاتهم وأدبياتهم الفكرية وفرضها بالقوة.
 
(2) 
ما فعلته الحكومة الفرنسية من حملة ضد كيانات ومؤسسات الإخوان وتيارات السلفية المنتشرة في الأحياء والمدن، وصناعة ما يشبه المجتمع الموازي وسيطرته على مفاصل الكثير من المؤسسات المعنية بالإقليات العربية والإسلامية، لا سيما الخاصة بالتعليم والثقافة والفن- يأتي في إطار وقف المد الإخواني والسلفي ومنابر تغيير الهوية المجتمعية الفرنسية.

إجراءات الحكومة الفرنسية تسعى لمحاصرة العناصر المتطرفة والمتشددة، وليس من قبيل التحريض على المسلمين أو الإسلام كدين وشرع، لكنها ترتبط بعرقلة شخصيات وعناصر ومؤسسات تستهدف تغيير الأوضاع الداخلية، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، تحت رداء الدين والهوية الإسلامية.

سيناريوهات محاصرة المتطرفين والمتشددين في فرنسا تتطابق مع ما فعلته مصر تحديدا في ملف مكافحة الإرهاب والتطرف، من القبض على قيادات جماعة الإخوان وقواعدها التنظيمية، وتجفيف منابع تمويلهم، وملاحقة مختلف التنظيمات الإرهابية التي رفعت السلاح تحت لافتة تطبيق الشريعة، ومنحت نفسها أحقية الحكم على عقيدة الآخرين بالإيمان والكفر.

مصر وجميع الدول العربية، مثل المملكة السعودية والإمارات والأردن والكويت (مؤخرا) والبحرين، في إطار مكافحتها الإرهاب، ومختلف تيارات الإسلام الحركي التي استخدمت الدين ووظفته لخدمة مصالحها السياسية، وأتباع تيارات السلفية الجهادية- لم يكن في يوم من الأيام حربا ضد الإسلام أو المسلمين أو الشريعة الإسلامية، لكنه كان معركة وحربا ضد التطرف والغلو والتشدد، ما يعني أن إجراءات ماكرون تستهدف حماية  الداخل الفرنسي من جماعات الشر وأتباعهم بعد أن حظيت مدينة النور بأكبر قدر من العمليات الإرهابية على مدار العشر سنوات الماضية تقريبا. 

(3)
ما يفعله الإخوان واللوبي القطري التركي، من حملات ممنهجة ضد الدولة الفرنسية، ليس دفاعا عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لكنه دفاع عن مصالحهم السياسية ومشروعهم الفكري ونفوذهم في المقام الأول، إذ إنهم أكبر الخاسرين من الإجراءات التي تتخذها السلطات الفرنسية، ما يعني في النهاية أنهم أكبر المستفيدين من حملة المقاطعة الدائرة حاليا وتستهدف تجييش المسلمين ضد الدولة الفرنسية، تحت لافتة نصرة رسول الله والإسلام والشريعة.

حملة اللوبي الإخواني القطري التركي، ضد الدولة الفرنسية ومقاطعتها، تأتي للتغطية على الحملة العربية التي حققت نجاحا كبيرا وتم تسويقها بتفوق ساحق فى مقاطعة الكيان التركي اقتصاديا وسياسيا، ومحاولة إنقاذ أردوغان من حالة التراجع والانهيار والخسائر التي مني به حزب «العدالة والتنمية» سياسا وشعبيا وعسكريا في المرحلة الراهنة.

تسعى جماعة الإخوان ومن ورائها قطر، من خلال حملة المقاطعة التي ألبسوها الرداء الديني، إلى الضغط على ماكرون لوقف الإجراءات التي اتخذتها السلطات الفرنسية فيما يخص محاصرة المال القطري وتجفيف منابع التطرف والإرهاب التي صنعت بأيدي الإخوان وأعوانهم على مدار عشرات السنوات، من خلال التوسع في تأسيس المؤسسات والمراكز الإسلامية العاملة في مجالة الإغاثة وغيرها، وتسعى لنشر الفكر القطبي من خلال استغلال الظروف المادية والإنسانية للمهاجرين العرب والمسلمين.

(4) 
تعتبر فرنسا مركز ثقل لجماعة الإخوان ومشروعها في الغرب من خلال ما يسمى "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، الذي تأسس عام 1983، ثم تحول إلى "مسلمو فرنسا" في عام 2017، ويضم أكثر من 250 جمعية إخوانية، ويشرف على عدد من المؤسسات والكيانات والمراكز الإسلامية التابعة للتنظيم، وتمثل هذه المؤسسات بابا خلفيا للسيطرة على النسبة الأكبر من كعكة التبرعات والصدقات والتمويلات من الجاليات العربية والإسلامية في فرنسا، ما يعني أن الإجراءات التي تتخذها السلطات الفرنسية من شأنها التضييق على حصيلة جمع الأموال وحركاتها فيما بعد.

من خلال التوسع في دعم وتمويل المؤسسات والمراكز الإسلامية في فرنسا وضواحيها، تعمل الدوحة لتعزيز أجندتها ونفوذها  في الداخل الفرنسي، عن طريق "مؤسسة قطر الخيرية"، التي أسستها الشيخة موزة، وتم تحويلها لمؤسسة "نكتار" بهدف الهروب من وضعها على قوائم الإرهاب الدولي.  

إذا كانت جماعة الإخوان واللوبي القطري التركي يحشدون المسلمين لمقاطعة فرنسا، بسبب انتهاكاتها ضد الإسلام السني، فإنهم أول من انتهكوا الإسلام وأساءوا للشريعة الإسلامية التي استغلوها كمطية لتمرير مطامعهم الشخصية، وتمويلهم التنظيمات والعناصر الإرهابية، مثل جبهة النصرة، وداعش والقاعدة، سواء داخل سوريا والعراق أو في ليبيا ومصر، بهدف نشر الفوضى وإسقاط الأنظمة الحاكمة والسيطرة على مقدراتها.

(5) 
وفقًا للكثير من الوثائق التي كشفها كتاب "أوراق قطر"، للصحفيين الفرنسيين جورج مالبرونو (صحيفة لو فيجارو)، وكريستيان شينو(إذاعة فرانس أنتير)، أوضحت أن الدوحة تمول أحد أهم المشاريع الفكرية لجماعة الإخوان في الغرب، المسمى "مشروع الغيث"، ويتم تنفيذه من خلال المنظمات الاجتماعية بهدف نشر المنهج الأيديولوجي والعقائدي لأفكار حسن البنا وسيد قطب، ومخطط "دولة الخلافة" التي يسعى التنظيم لإقامتها من خلال اختراق الدول العربية والغربية.

ينفذ مشروع "الغيث" في أكثر من 14 دولة أوروبية، وقد بلغ حجم تمويلاته من قبل "قطر الخيرية" 120 مليون يورو سنويا، منها  15 مليون يورو داخل فرنسا وحدها.

يتولى الإشراف العام على مشروع "الغيث" أحمد الحمادي، أحد رجال تميم بن حمد داخل أوروبا، ويتولى إدارة مكتب لندن المغربي الفرنسي أيوب أبواليقين، مدير صندوق جسور التمويلي، أحد قيادات اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، فضلا عن عمله كمدير لـ"بيت الزكاة"، إحدى المؤسسات التي توظفها "قطر الخيرية". 

في عام 2016، طالبت "قطر الخيرية" الهيئة المشرفة على عمل المنظمات غير الحكومية في الدوحة بإطلاق حملة تبرعات بقيمة 30 مليون يويور لحساب مشروع "الغيث"، داخل أوروبا.

مشروع "الغيث" يتماهى مع فكرة "نظرية المنابر"، كما شرحها أحد أعضاء الإخوان المسلمين سابقا، وتعني خلق مجتمع موازٍ يحمل توجهات جماعة الإخوان ومشروعها، بهدف احتواء الأفراد فكريا وثقافيا واقتصاديا، واستقطابهم نفسيا وسلوكيا بما يتفق مع أهداف الجماعة وأدبياتها التنظيمية.
إذ تعتمد "نظرية المنابر" على استراتيجية تأثير نفسي وفكري، يتم من خلالها شحن الأفراد بعدد من الأفكار والسلوكيات الإخوانية، كما أن المساجد والمدارس ومراكز تحفيظ القرآن والمراكز الطبية تسهم جميعها في تنفيذ مشروع "الغيث"،  بهدف تعزيز الهوية الإخوانية عند المواطنين الأوروبيين، وصناعة أجيال جديدة تتخذ من حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي نموذجا لممارسة حياتهم اليومية.
وهي النظرية التي تحدث عنها في تسعينيات القرن الماضي عبدالله بن منصور، الأمين العام السابق لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، قائلا: "ينبغي أن نتولى رعاية المسلم عبر جميع مراحل حياته، في ممارساته الدينية، من المهد إلى اللحد".

(6) 
مواجهة الحكومة الفرنسية لما يعرف بـ"الإسلاموية السياسية" يأتي في إطار مكافحة مخططات الإخوان والدوحة، وفقا للوثائقيات التي ضبطتها السلطات السويسرية في نوفمبر 2001، خلال مداهمة فيلا في مدينة "كامبيون"، مملوكة لرجل الأعمال المصري البريطاني يوسف ندا، الأمين العام السابق للتنظيم الدولي للإخوان، وعرفت في دوائر مكافحة الإرهاب باسم "المشروع السري"، أو "المشروع السري للإسلاميين لغزو الغرب"- وتمت صياغتها في ديسمبر 1982، ومكونة من 14 صفحة باللغة العربية، تحت عنوان "نحو استراتيجية عالمية للسياسة الإسلامية.. منطلقات وعناصر ومستلزمات إجرائية ومهمات". 

تضاف إلى ذلك وثيقة "الجهاد الحضاري"، الإخوانية، التي كتبت عام 1991، وتقول إن خطة الجماعة تهدف إلى "القضاء على الحضارة الغربية وتغييرها من الداخل".. تحت عنوان "مذكرة تفسيرية.. الهدف الاستراتيجي العام للجماعة في أمريكا الشمالية". 
وأكدت الوثيقة: "ضرورة اعتماد مفهوم التمكين للإخوان في أوروبا، وأن ذلك يستلزم وجود مؤسسات تابعة للجماعة، مثل وسائل إعلام وأحزاب سياسية، وكيانات اقتصادية مثل البنوك والشركات"، واحتوت الوثيقة على حوالي 29 جمعية ومنظمة إسلامية في أمريكا قال مؤلف الوثيقة إنها تابعة للجماعة أو لأصدقاء لها.