رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الأحد 18/أكتوبر/2020 - 11:30 ص

مصطفى العدوي.. ذاك الرجل الذي خسر الرهان

مصطفى العدوي
مصطفى العدوي
سالي رطب
aman-dostor.org/33845

الغوص في عالم مصطفى العدوي- أحد كبار شيوخ السلفية- لن يكون سهلًا أبدًا، فهو رجل اعتبر نفسه جاء الدنيا لتحقيق هدف واحد وهو نصرة الدين، فترك مجال دراسته وتفرغ لدراسة السلفية وعاد لينشر فكرها وسط أهل قريته، فتحول مسجده الصغير إلى مدرسة تجذب الدارسين من كل فج وصوب، من داخل القرية ومن خارج الجمهورية كلها.

رجل تسلح بالأخلاق وأورثها لأولاده الذين لا يعرف أحد عددهم من كثرتهم، ولكن هل أورثها لتلامذته؟، ورغم السنوات الطويلة التي قضاها في الدعوى هل أفلح العدوي؟ هل استطاع تحويل أهل قريته لاتباع فكره؟، هل إغداق الأموال عليهم كان نافعًا للدعوة السلفية؟، هل رسم العدوي لنفسه مكانة مهمة وسط السلفيين في مصر؟ ولكن لماذا اعتبره البعض منشقا عنهم ووصفوه بالتلميذ الفاشل والمعلم الفاشل؟.


- المقامرة الخاسرة

كما يتردد على لسان أهل قرية الشيخ العدوى، فإنه يحصل على أموال طائلة من الخارج، لا يعلم أحد أي خارج، ولكنهم يرجحون بعض الدول العربية التي تسعى لنشر الفكر السلفي، ولكن هل استطاع من خلال هذه الأموال الطائلة جذب أهالي القرية لهذا المنهج؟ الحقيقة أن مقامرته على هؤلاء الناس جاءت خاسرة.

فيمثل العدوي لفصيل من سكان القرية «بنك الحظ»، فإذا أردت العيش في رغد كُن من التابعين، فأغلبهم لا يكون له عمل في الحياة سوى أنه من التابعين، يقضي يومه في المسجد ويحضر الدروس الدينية، ومقابل ذلك يحصل على مرتب شهري يكفيه ويزيد عن حاجته، فكما تقول إحدى سيدات القرية في حديثي معها: "أغلب العاملين معه كانوا من أسر بسيطة ولكن حالهم تبدل منذ أن أصبحوا من جماعة الشيخ العدوي، وبعد أن أصبحوا مقتدرين أخذوا يتحكمون في الناس وفي مصائرهم".

وهناك فصيل آخر وهو الفقراء، ليس فقط من سكان القرية ولكن من المدن والقرى الأخرى القريبة لها، فالجمعية الزراعية الوحيدة في القرية مسئولة عن استخراج ما يسمى "شهادة الفقر"، التي تؤكد عدم امتلاك الشخص حيازة زراعية، وقد لوحظ أنه خلال السنوات الماضية تردد الكثير من الغرباء على القرية للحصول على هذه الشهادة ويحملون بطاقة رقم قومي بعنوان داخل القرية، بعد أن نقلوا محل إقامتهم الأصلي إلى القرية ليحصلوا على المرتب الشهري الذي يوزعه الشيخ العدوي على الفقراء.

ولكن هذه لم تكن الطامة الكبرى التي يتحدث عنها سكان القرية، وإنما هناك بعض الرجال الذين طلقوا زوجاتهم واستبدلوا عقد الزواج الشرعي بآخر عُرفي ليحصلوا على مرتب شهري يكون في أغلب الأحيان 50 جنيها وأحيانا يصل لمئات الجنيهات، بالإضافة إلى أرز ومكرونة وكرتونة بيض.


- حرم المسجد

منذ أكثر من 25 عامًا لم يكن الشيخ العدوي يملك سوى مسجد واحد يحتل الطابق السفلي من منزله، ولكن من قوة وهيبة التابعين ومريدي الشيخ تحولت المنطقة حوله بكاملها إلى منطقة للسنيين- كما يطلق عليهم أهل القرية- حتى إن رائحة المسك عند سكان القرية ارتبطت بهم، عندما يمر أحدهم بأى منطقة تفوح منه رائحة المسك التي تملأ المسجد والمنطقة المحيطة به.

في الساحة الخالية أمام المسجد يجلس بعض تلامذته على الأرض يبيعون زجاجات المسك الصغيرة، والسواك والسبح، ولكن مع السنوات تغير الوضع فلم يعد تلامذته يفترشون الأرض بل أصبح لهم محلات تجارية يعيشون منها، ويوفر لهم الشيخ السكن ومرتبا شهريا، وإن احتاج أحدهم أن يتزوج يزوجوه، وتغيرت أحوالهم الاقتصادية تمامًا كأنهم أتباع رجل أعمال يغترفون من أمواله الطائلة، وليس شيخ منحدر من عائلة بسيطة.

عقب سنوات كثيرة، ومنذ ما يقرب من 5 سنوات تقريبًا، تضخم مسجد العدوي، من مسجد بجوار منزله إلى مجمع كبير في مدخل القرية مكون من أكثر من 10 أدوار، به مسجدان أحدهما للرجال والآخر للسيدات ومكتبة كبرى، خاصة أن العدوى يملك أكبر وأهم مكتبة للكتب السلفية في مصر، ودارا للمسنين والأيتام، ولكن لم يكن بناؤها اكتمل حتى قرر هجر هذا المسجد وبناء غيره، وعقب ما يقل عن عامين من هجر المجمع تم بناء مسجده الثالث، بعد أن استبدل بيت والديه بمبنى من عدة أدوار، وأصبح مقرًا لهم بديلًا للمجمع.


- نساء العدوي

كان لي صديقة في المدرسة الإعدادية ترتدي دائمًا جلبابا وخمارا رغم صغر سننا، ولكننا كنا نعلم جميعًا أن عائلتها من السنيين- التابعين للشيخ العدوي- ولم يكن مظهرها هو الذي يؤرقنا، ولكن علمنا أنها بعد أن تُنهي الصف الثالث الإعدادي ستترك الدراسة لتتزوج، ولم تكن وحدها التي ستفعل ذلك بل كانت هذه نظرة بعض أتباع الشيخ للبنات، تتعلم كيف تقرأ وبعد أن تبلغ تترك الدراسة وتتزوج من أحد الأتباع، إما لتكون الزوجة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فالزواج لديهم كان سهلًا، فالشيخ دائمًا في عون من يُطبق شرع الله ويمدهم بالأموال الكافية لذلك.

نساء العدوي كانت لهن مواصفات خاصة تعرفهن بمجرد مرورهن بجوارك، فتجد السيدة متلفحة بالسواد من رأسها إلى أخمص قدميها، وتجد أطفالها مثلها مهما كانوا صغارًا، يعشن طوال اليوم في المسجد يأكلن ويشربن ويفعلن ما يحلو لهن، يعرفن بعضهن جيدًا ويتعاملن بحذر شديد مع الأغراب.

مع هؤلاء السيدات كان لي موقفان، أحدهما وأنا طفلة صغيرة، في العاشرة من عمري، وكانت نظرتي السطحية للمسجد ولمن فيه أنه مكان مُبارك لا ترد فيه الدعوة من شدة إيمان مرتاديه، فذهبت إليه في يوم جمعة ليسمع الله مني دعوتي ويحققها لي، وأخذت جانبًا في المسجد حتى تبدأ الصلاة، لكنني يومها لم أُصلِ فكان أطفال النساء الذين ملأوا المسجد كثيرين، وولوني وظيفة الإمساك بهم حتى ينهين صلاتهن.

الزيارة الثانية لعالم النساء كانت منذ سنوات قليلة، عندما قررت اقتحام هذا العالم بعد الأحاديث الكثيرة التي سمعتها من بعض نساء القرية عنهن، في البداية كان لا بد أن ألبس جلبابا واسعا أسود اللون لأنه يُمنع دخول السيدات اللاتي لا يلتزمن بلبس النقاب أو الخمار، فهذا هو مسجدهن وهذه هي تعاليمهن.

داخله كان عالم آخر، ذهبت يومها لأؤدي صلاة التراويح ليكون لدى وقت طويل أشاهد فيه ما يحدث داخله، ويستطيع أي شخص غريب عنهن أن يلاحظ سطوة بعضهن على بعضهن، وأمالت السيدة التي جلست بجانبي عليّ وقالت: "المكان هنا مليان كل أصناف الطعام والشراب ولكنها لهم فقط وللمقربين منهم"، وأكملت: "انظري إلى العصير والحلوى التي تمر من فوق رءوسنا لن نأخذ منها شيئا لأننا لسنا منهن".


- الأوقاف وفكر العدوي

رغم اختلافهم الفكري الظاهري، إلا أن رجال الأوقاف في مركز أجا، الذي تتبعه القرية التي ولد وعاش بها الشيخ العدوي عام 1374 هجريًا 1977 م، وهي منية سمنود التابعة لمحافظة الدقهلية- يكنون كل الاحترام للشيخ العدوي، وكانوا لسنوات يتجاهلون أي مخالفات يقوم بها، وهذا ما رصدته جريدة "الدستور"، في تحقيق سابق لها تحت عنوان "أغرب مسجد في الدقهلية".

"الدستور"، في تحقيقها السابق، زارت إدارة الأوقاف في مدينة أجا، وهناك كان يجلس أكثر من 10 شيوخ في غرفة واحدة مرتدين لبس الأزهر المميز، وكانت زيارتها لتعرف هل مجمع الشيخ العدوي حصل على ترخيص بالعمل؟، وهل تم تعيين مؤذن وخطيب له كما يحدث مع جميع المساجد غير الحكومية في مصر؟.

الحديث معهم كان وديًا، فالعدوي بالنسبة لهم وللكثيرين رجل دين صالح يلتزم بالتعليمات التي يُملونها عليه بصورة ودية، منها تخفيض صوت الميكروفون، كما عبّر أحد الشيوخ الجالسين، ولكن كان كل شيء في المسجد مخالفا، وظل عامًا كاملًا يعمل دون رخصة وتحت نظر الأوقاف، التي اختلف رأيها وقررت بعد نشر تحقيق "الدستور" تعيين مؤذن وخطيب للمسجد، وهذا ما اعتبره أتباع العدوي تجاوزًا في حق حريتهم في مسجدهم، فقرروا هجره وبناء غيره.


- رجل الهندسة الذي نبذه أستاذه

رغم أن العدوي من كبار رجال السلفية في مصر، إلا أن بعض السلفيين يعتبرونه منشقا عن فكرهم، وأولهم أستاذه الذي علمه السلفية، فبعد أن تخرج مصطفى العدوي من كلية الهندسة قسم ميكانيكا، سافر إلى اليمن لدراسة الفكر السلفي على يد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، وهو أحد علماء السلفية وأحد رواد الحديث الذي أنشأ مدرسة علمية سلفية بدماج سماها بدار الحديث، ولكن من الواضح أن الأستاذ لم يعجبه أفعال تلميذه من بعده.

في كتاب «الرحلة الأخيرة لإمام الجزيرة»، الذي تناول سيرة الوادعي على لسان زوجته، وصفت العدوي بأنه من الحزبيين والمبتدعة ومن في قلبه دخن، وهي تتحدث عن اللحظات الأخيرة في حياة الوادعي ومن زاره من تلامذته، وقالت نقلًا عن زوجها والحديث عن العدوي والمعاهد التي بناها لتدريس السلفية لطلابه: "ما أفلحت معاهدكم، أعطيتموهم المناهج المدرسية وزدتم عليها فأثقلتم على طلابكم فما أفلحوا".

وقال الوادعي واصفًا العدوي: "هو من المبتدعة، وذلك لمجالسته التيار السلفي الحزبي، ومن يؤمنون بالفكر القطبي"، وأكمل نقده بأن العدوي يثني على من يؤمن بالحزبية والديمقراطية، أمثال محمد بن عبدالمقصود، ومحمد حسان، وأبوإسحق الحويني.

ولكن من هم الحزبيون والمبتدعة من وجهة نظر السلفيين؟، انقسمت المدارس السلفية إلى شقين، كما رأى بعض السلفيين، وهما "السلفية المنهجية الصحيحة" و"السلفية الحزبية الباطلة"، والتي قال أستاذ العدوي إن تلميذه منتمٍ لها، ووصفوا تابعيها بأنهم مجموعة من الجماعات المنحرفة التي لا تتسم بشيء من السمات المذكورة أعلاه «أو تتسم ببعضها دون بعض حسب الهوى».


- حروب السلفية

اشتعلت الحرب منذ سنوات بين أتباع الشيخ الألباني والشيخ مصطفى العدوي، بعد انتقاد الأخير للألباني، الذي تعلم على يديه الوادعي أستاذ العدوي، فتعرض مصطفى العدوي، وما زال، لهجوم شرس من أتباع الألباني بعد اعتراضه على تعليق الألباني على درجات بعض الأحاديث.

فاتهم العدوي الألباني بـ«التساهل» في تصحيح بعض الأحاديث دون الالتزام بضوابط هذا العلم، وهو ما دفع الوادعي لطرد تليمذه العدوي من مجلسه، إضافة إلى تحريضه تلاميذه- مثل أحمد بن إبراهيم بن أبي العينين- على مهاجمة العدوي، بل ألّف في ذلك كتابين، أولهما جاء بعنوان طويل هو: «الانتصار للحق وأهل العلم الكبار.. الرد على من رمى الشيخ الألباني بالتساهل»، والكتاب الثانى حمل عنوانًا أقصر من سابقه: «التفنيد لكتاب الترشيد»، وأيضًا في سياق تعزيز الردّ على مصطفى العدوي ورد نقد الأخير للألباني.

ووجّه ناصر الألباني اللوم الشديد لتلميذه الوادعي في سلسلته الصحيحة تحديدًا بما يتعلق بالحديث 3139؛ قائلًا: «كَيْفَ يَحُضُّ هذا (يقصد الوادعي) وأمْثَالَه من النَّاشئين مثل العَدَوي، والمُؤذن، ونحوهما، على أنْ يَتَسَلَّقُوا سُلَّم النَّقْدِ في هذا العِلْمِ؛ وهُمْ بَعْدُ في أوَّلِ الطَّريق؟! وأنْ يُشْغِلُونا عَمَّا نَحْنُ في صَدَدِهِ مِنْ خِدْمَةِ كُتُبِ السُّنَّة بالرَّدِّ على أمثالهم، ولو بِقَدْرٍ ضَئِيلٍ من الوقت؟».


- إثارة الفتن

لم يكن الشيخ مصطفى العدوي من رجال السلفية الذين يثيرون الجدل حولهم خارج حدود قريته، ورغم أن أغلب المصريين أصبحوا يألفون وجهه بعد ظهوره على الفضائيات بعد قيام ثورة 25 يناير 2011، إلا أن اللغط حوله لم يكن بحدة محمد حسين يعقوب ومحمد حسان.

فالعدوي حتى داخل حدود قريته ليس الشخص الاجتماعي الذي تراه في أي مناسبة اجتماعية، ويثير المشاكل والخلافات، بل كانت المشاكل دائمًا ما تنبع من أتباعه، فهو كما يصفه أهل قريته رجُل ذو خُلق كريم، ومحب لأعمال الخير، ودائمًا ما يهادي أقاربه سواء من قريب أو بعيد، فيعوض غيابه الدائم عن التواصل الاجتماعي بالهدايا.

إلا أن العدوي بين حين وآخر يتردد اسمه على ألسنة الناس، كان آخرها عندما رفع المحامي سمير صبري طلب تحقيق عاجل مع الشيخ لدى النائب العام، متهمًا إياه بإحداث فتنة على شاشة إحدى الفضائيات، بعد أن هاجم إذاعة القرآن الكريم بسبب وصف النبي، صلى الله عليه وسلم، بـ كاشف الغمة، وذلك خلال أحد الابتهالات التي تدعو لزوال فيروس كورونا.

ولم يكن صبري وحده هو من علق على هجوم العدوي على إذاعة القرآن الكريم، ولكن رد عليه الكثير من الشيوخ، منهم خالد الجندي، واصفًا هجومه بأنه لا يمت للعلم بصلة.

قبل هذه الواقعة بشهور كان اسم العدوي يتردد على المواقع الإخبارية، بعد تناقل فيديو له وهو يدعو الناس للصلاة ضاربين بقرارات الأوقاف عرض الحائط، والتي منعت الصلاة في المساجد مع الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة لمنع انتشار فيروس كورونا، ووقفت الأوقاف كالعادة بجانبه ونفت هذا الحديث، ولكن الحقيقة التي يعلمها أهل البلد كله أن مسجد مصطفى العدوي لم يخلُ من المصلين رغم التحذيرات.


ولكن هل بعد سنوات الدراسة للمنهج السلفي بين اليمن والسعودية وسنوات طوال أخرى قضاها في دعوة أهل بلدته لهذا الفكر أفلح العدوي؟ الإجابة لأ فقد قامر بما يحصل عليه من أموال طائلة لينفق على دعوته التي لم يهتم بها أهل بلدته، واهتموا فقط بما يحصلوا عليه من أموال.. فخسر المقامرة وخسر رهانه عليهم.