رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الخميس 15/أكتوبر/2020 - 04:12 م

مغالطات معتز مطر.. كيف حاولت الإخوان تجنيد «ماسيمو كامبانيني»؟

ماسيمو كامبانيني
ماسيمو كامبانيني
إيمان عادل
aman-dostor.org/33837

تورط الإعلامي الإخواني بقناة الشرق، معتز مطر، في مغالطات فادحة، حيث حرّف فكر الكاتب الإيطالي ماسيمو كامبانيني، والغريب أن سياق المغالطات التي يبثها الإعلامي الهارب كافية لتجعل المفكر الراحل يندهش لهذه السرعة بمحاولات تجنيده من طرف جماعة طالما اختلف جذريا مع مجمل أفكارها.

وقال معتز مطر في برنامجه إن ماسيمو كامبانيني مفكر «مسلم»، وهذه معلومة مغلوطة بالكامل أو على الأقل مغلوطة في السياق الذي تحدث فيه معتز مطر، ولا أعلم لماذا يجري وصف أي مفكر بناء على دينه، والمدهش أن ماسيمو كامبانيني لم يكن مسلما ولم ينشغل هو وكثيرون غيره من المستشرقين بتغيير دياناتهم الأصلية، مع كامل انشغالهم بالبحث في التاريخ الإسلامي، حتى من فضل منهم دخول الإسلام، لم يكن هذا برغبة في تبديل ديانة بأخرى، بقدر ما كان التحاقا معرفيا وثقافيا يشبه الالتحاق بجامعة لدراسة علومها.

ولم يتحدث ماسيمو كامبانيني عن إسلامه بشكل قطعي في أي سياق، بل لم يتحدث عن الإسلام كدين بالمقارنة مع المسيحية سوى مرة واحدة، في حوار صحفي له مع شبكة "مؤمنون بلا حدود"، وجاء حديثه كمجادلة نظرية حول فكرة الألوهية وليست كإعلان عن إسلامه: «كنت دائما- في الماضي واليوم- مهتمًّا بشكل خاص وأكثر اقتناعًا بالتصور القرآني عن الألوهية.. أنا بصراحة أعترف بعدم الرضا النظري مع اللاهوت المسيحي؛ لاهوت التجسد».

المثير للمفارقة أن بعض الأوراق البحثية المتاحة على الإنترنت للمفكر الأيطالي ماسيمو كامبانيني لو اطلع عليها معتز مطر سيدرك أن الرجل كان من أكثر المحللين ضد فكرة الخلافة وقيام دولة إسلامية على أساس ديني، ولا نحاول نحن بهذه القراءات ممارسة تجنيد مضاد شبيه بما يفعله معتز مطر، بل نحاول تخليص فكر المفكر ماسيمو كامبانيني- المتوفي حديثا- من محاولة اغتيال فكره بالمغالطات من جماعة سياسية سطحت منجزه في لعبة البروباجاندا الخالصة.

وفي ورقة بحثية لماسيمو كامبانيني يقوض إمكانية قيام دولة للخلافة لا على المستوى العملي ولا حتى على المستوى النظري يقول: «إلى أى  مدى يمكن اعتبار الخلافة دولة إسلامية تنفـّذ أحكام الشريعة؟ لقد كان ذلك بالتأكيد شأن حكم محمّد في المدينة، وربّما أيضا بالنسبة إلى السنّة على الأقلّ، شأن الخلفاء الراشدين الأربعة الأوائل، وكلّ ذلك في المدينة، لكن كيف أجمع كافة المنظرين السياسيين على أنّ الخلفاء الأمويين والخلفاء العبّاسيين كانوا فعلا يطبّقون الشريعة؟ هذا غير صحيح، بطبيعة الحال، ألا يكون ما يطبّقونه بالأحرى هو القانون؟ وأيّا كان الأمر، فأنا أعتقد أنّ أغلب الآراء تتفق على أنّ الخلافة، منذ القرن الرابع (العاشر ميلادي)، كانت مؤسسة خلوا من أيّ سلطة سياسية، وبالتالي فهي لم تعد قادرة على تنفيذ أيّ قانون، فما بالك بقانون ديني، لقد كان الخلفاء قد فقدوا السلطة للسلاطين بل وكادوا يفقدون حتـّى إشعاعهم الديني، وكان المفكّر الغزالي مثلا قد أدرك ذلك تماما، وكما يقول جول جانسنس (Jules Janssens): يوجد العديد من المفكرين الآخرين أمثالهم الذين اقتنعوا بأنّه لم يعد بالإمكان إحياء الخلافة وبالتالي فإنّ إعادة بناء الدولة الإسلامية لم تعد قائمة».

ويضيف أن الخلافة أكثر من المُلك، بل هي نموذج الدولة الإسلامية التي تلتحم فيها العصبية والدين أيّما التحام «لم يعد بالإمكان استعادة الخلافة، إلاّ أنـّها تبقى فكرة غائية ووجهة النظر هنا ضرب من الطوباوية المُكتشفة في الماضي، أو هي إلى حدّ ما طوباوية مضادّة، بل لعلّها طوباوية ارتدادية. فالكمال قد تحقـّق في الماضي، وكم سيكون رائعا أن نعيد ظروف الماضي إلى الحاضر، لكنّ الأمر مستحيل، وهكذا نكتشف أنّ في مفهوم الخلافة، أو نموذج الدولة الإسلامية المستحيلة التحقيق، نموذج الدولة المثلى المعنوي والأخلاقي لا غير، وابن خلدون يقرّ بأنّ الدولة التي أقامها محمّد في المدينة كانت دولة إسلامية، لكن الإقرار باستحالة إحياء الدولة الإسلامية يدفع إلى اللجوء إلى نموذج الدولة الإسلامية، وهي الخلافة التي لا يعدو تنفيذها أن يكون غائيّا وتبدو عودة ابن خلدون إلى الماضي عودة روحية وفلسفية، وليست عمليّة».

راجع ماسيمو كامبانيني كل آراء ابن خلدون عن فكرة الخلافة، ورأي أن القاعدة التي يستند إليها ابن خلدون في تنظيراته حول الخلافة تنطلق من قاعدة فلسفية وطوباوية غير قابلة للتنفيد، ويقول: «لقد خذل الواقع التاريخي طوباوية ابن خلدون، فنموذج الدولية الإسلامية لم يعد قابلا للتحقيق من الناحية العملية وأدّى التحليل الموضوعي غير المتوهّم للمجتمعات الإنسانية عبر التاريخ إلى عقلنة السياسة، كما هيّأ لوعي ثاقب بأنّ المدينة الفاضلة، التي يسود فيها العدل ويحكم فيها الملِك منفـّذا الشريعة الإلهية، إنّما هي مجرّد حلم».

لم يدافع ماسيمو كامبانيني عن الإسلام السياسي بل كثيرا ما انتقد وسخر منه، وفي حواره مع «مؤمنون بلا حدود»، قال: «كثيرا ما دافع الإسلام السياسي عن وحدة الإسلام مدعيًا أن هناك اسمًا واحدًا فقط، ومثابرة على فكرة ذات اكتفاء ذاتي في اتجاه واحد.. وهذا الادعاء الخاطئ والخطير يمكن اعتباره إجابة خاطئة على تحدي الحداثة، لقد تجاوز الإسلام السياسي في إثبات الأصالة؛ ومن ناحية أخرى، فشل في المواجهة مع الحداثة، ليس هناك شك في أن الاستعمار القديم للعالم العربي الإسلامي في الماضي حتى الإمبريالية الغربية الحالية أدى إلى الاغتراب؛ مثل التدخل الحالي للاستعمار الجديد للقوى الغربية في شئون الشرق الأوسط، وكان الإسلام السياسي- وهو- في حد ذاته رد فعل على هذه التحديات، ولكن من الصعب التنبؤ بإجابة دينية حصرية عن المشاكل السياسية أساسًا».

ماسيمو كامبانيني الإيطالي المتخصص في الدراسات الإسلامية؛ من مواليد ميلانو بإيطاليا في الثالث من نوفمبر 1954، متخصص في تاريخ البلدان الإسلامية، وقد عمل أستاذًا بكلية الدراسات العربية الإسلامية والمتوسطية جامعة نابولي من 2006 إلى 2011، وله دراسات متعددة حول تعليقات ابن رشد على أرسطو 1999، وعن ابن خلدون 2009، ومحمد عابد الجابري 2015، ودراسات قرآنية 2017، والإسلام السياسي في أوروبا 2017.