رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
السبت 10/أكتوبر/2020 - 12:00 م

الدكتور مينا منير يكتب: ما لم تجدوه بالكتب الحربية الإنجليزية أو العبرية عن الخطط «واصل» و«شامل 1» و«شامل 2» فى حرب أكتوبر

حرب اكتوبر
حرب اكتوبر
aman-dostor.org/33799

هنا أنا لا أشير إلى المكايدات الطفولية التي يقوم بها بعض المصريين والإسرائيليين على صفحات «فيسبوك»، مثل المتحدث الرسمي لجيش الدفاع الإسرائيلي (الذي لا أعرف كيف يُدفع له مرتب لكي يجلس على تويتر ليلًا نهارًا بلا هدف غير المكايدة)، لكن لأن كثيرًا من الأصدقاء هنا باتوا يرددون ذلك.. هنا أنا لا أتكلم من مُنطلق وطني ولكن للأمانة التاريخية ليس إلا، سأضع بعض النقاط بوضوح.

حُجة الكُتّاب الإسرائيليين في زعم انتصار إسرائيل هو أن الوضع عند فض الاشتباك يُظهر أن القوات الإسرائيلية كانت على بُعد 100 كيلومتر تقريبًا شرق القاهرة، ثم يترك الإسرائيليون للقارئ الاستنتاج أو التفسير: تتكون أوتوماتيكيًا لديك صورة مفادها هو أن الجيش الإسرائيلي أنجز في مصر ما أنجزه فعليًا في سوريا، وهو صد الهجوم الذي تم في 6 أكتوبر، تدمير جيش العدو ودفعه وراءً بكسب أرض جديدة وصولًا إلى القاهرة.

لو كان هذا ما حدث على الجبهة المصرية إذن بلا أدنى شك فإن إسرائيل قد انتصرت، لكن الحقيقة هي عكس هذه القصة تمامًا.

لكي تفهم ما حدث هناك حقائق يجب ذكرها، فالقطاع الأعظم من الكُتّاب الإسرائيليين في هذا الصدد (وأنا أزعم أني قرأت معظم الكتابات التي تخص هذا الأمر في مذكرات القادة العسكريين والساسة) لم يطلعوا على أي وثائق مصرية، وبالتالي فإن معرفتهم محدودة جدًا، على العكس: فإن المصريين قد قرأوا ما كتب الإسرائيليون وتُرجم إلى الإنجليزية.

فمثلًا لن تجد معلومة في مذكرات موشيه دايان عن وضع القوات المصرية غرب القناة، لأن معلوماته انتهت عند هذا الحد، واكتفى بما قيل له من قِبل الحليف الأمريكي، كذلك تقريبا باقي القادة.. إذن باختصار شديد ماذا كان الموقف؟

يوم الثالث عشر من أكتوبر، كانت قدرات الجيش الإسرائيلي قد انتهت فعليًا، وكان جُل أمانيهم أن تتدخل أمريكا لإنقاذهم.. مساء الثالث عشر من أكتوبر بدأت الولايات المتحدة بالفعل ما عُرف لاحقًا بعملية Nickel Grass Operation، وهي عملية جسر جوي مستمر بين أمريكا وإسرائيل لنقل كم مهول من الأسلحة والعتاد لتغيير التوازن على الأرض.

ومع ذلك، فشل الإسرائيليون في كل محاولات دحر الجيشين الثاني والثالث على طول قناة السويس، حتى الخامس عشر من أكتوبر، في ذلك اليوم سُجلت أولى العمليات الناجحة لتسلل قوات إسرائيلية ليلًا عبر البحيرات المرة إلى الضفة الغربية.

ثم توالى الدعم الأمريكي المستمر حتى نجح الإسرائيليون في فتح معبر بين سيناء والضفة الغربية للقناة بعرض ضئيل يتراوح بين 7 و10 كيلومترات، تسللت من خلاله قوات ضخمة تحت حماية الولايات المتحدة، بلغت في نهاية المطاف 6 ألوية مشاة وميكانيكية (أي فرقتان لأن الفرقة تساوي 3 ألوية).

مع الوصول إلى يوم 22 أكتوبر، فشلت تلك الألوية الإسرائيلية تقريبًا في كل عملياتها: هُزمت على مداخل الإسماعيلية ولم تستطع حتى السيطرة على خط الإمداد للجيش الثاني.. ثم هُزمت ثانيةً على يد الفرقة 21 مدرعة والمقاومة الشعبية في السويس، وانتهى بها المطاف أن تكون عالقة في الصحراء في جيب ضيق جدًا وبلا مظلة جوية في وضع بائس.

كان أمام المصريين (هنا لا يعرف الإسرائيليون الآتي) خطتان: إما أن ينسحب جزء من الجيش الثالث المكون من خمس فرق (أي ما يعادل 15 لواء) إلى الضفة الغربية وسحق قوات شارون، أو أن يظل ثابتًا في موقعه الذي يسيطر من خلاله على الأراضي الجديدة داخل عمق سيناء وفعليًا قناة السويس كلها (مع الجيش الثاني شمالًا).

ولأن السادات كان يعلم تمامًا بحقيقتين:
1- إن العملية السياسية قد بدأت فعلًا، وتحييد أمريكا متاح من خلال الضغط بسلاح البترول المؤلم، وعرض خطة الانتقال إلى سلام شامل كجزء استراتيجي من العملية.
2- إن ذلك الجيب التافه المقصود منه إعادة الجيش المصري إلى الضفة الغربية مرة أخرى، وبالتالي يجب عدم الاعتداد به، والحفاظ على "الانتصار الذي بالفعل تم تحقيقه"، لذا قرر السادات عدم التراجع.

وفي 22 أكتوبر صدر أول قرار من الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار.

مساء نفس اليوم قررت إسرائيل خرقه، لأنها كانت تعلم أن كسب موقع جديد على الأرض سيساعدها في تحسين موقفها في التفاوض، فقررت بحركة غدر وخسة أن تحاصر مدينة السويس.

مرة أخرى ضبط السادات أعصابه لأنه كان يعلم أن المطلوب أن تخسر مصر الأرض التي كسبتها.

يوم 7 نوفمبر وصل كيسنجر إلى مصر، وكانت نهاية الثغرة بعدما تم اطلاعه على الموقف.
كان مفاد الموقف (وهذه المعلومات غائبة عن كتب إسرائيل) أنه باختصار نجحت مصر في إعادة انتشار ما يُسمى الجيش الرابع (وهو قوة من خمسة فرق تقريبًا) تحاصر القوات الإسرائيلية من كل الجوانب بتفوق عددي كالآتي:
3: 1 مشاة
2.5 إلى 1 قدرات نارية.
وكان هناك متوسط صاروخ ونصف مصري لكل مدرعة إسرائيلية.

وهنا وُضعت الخطة «واصل»، ثم تم تطويرها للخطة «شامل 1»، ثم تعديلها للخطة «شامل 2» (كل هذه المعلومات لن تجدها في الكتب الحربية الإنجليزية أو العبرية).

كانت فرقتا شارون وآدان في وضع يجعل إبادتهما حتمية، إلا أن كيسنجر حينما اطلع على الموقف قال (وهذا موثق في مصدرين مستقلين): لن نسمح بهذه المجزرة وستضرب الولايات المتحدة بكل قوتها.
بالطبع كان التهديد غير منطقي لأنه كان يدرك حجم رد الفعل السوفيتي، إلا أن مجزرة كهذه كانت ستُنهي عملية السلام التي كان يريدها السادات ووثقها في أمر القتال الذي أصدره حتى قبل الحرب.

النتيجة النهائية إذن:
1- مصر فرضت واقعًا جديدًا بتحطيم نظرية الأمن الإسرائيلية وتكبيدها خسائر رهيبة أجبرتها على قبول خطة السلام التي رفضتها قبل الحرب بستة أشهر.

2- مصر أيضًا سحبت من تحت إسرائيل بساط السيطرة النارية والجيوبوليتيكية المبنية على فكرة أنها الوحيدة التي تمثل المصالح الأمريكية، وباتت مصر شريكًا قادرًا على دفع أمريكا أحيانًا حتى لمخالفة إسرائيل (وهو ما تم حينها).

3- على الأرض، فإن الجيب الإسرائيلي المحاصر لم يغير من حقيقة سيطرة مصر على شرق القناة، وتدمير خط بارليف، والإجهاز على قدرات إسرائيل العسكرية جنوبًا، باستثناء هذه الثغرة البائسة.

حينما تقرأ مذكرات موشيه ديان وجولدامائير تسأل نفسك كيف أمكنهم تبرير فكرة تغيير موقفهم من رفض السلام إلى القبول به والانسحاب التام من سيناء تباعًا إذا كانوا هم المنتصرين.. الإجابة تكمن في قدرة القارئ على تمييز الدعاية من الحقيقة.