رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الثلاثاء 06/أكتوبر/2020 - 12:04 م

محمد الهواري يكتب: صناعة «الخراب».. كيف يتحكمون بعقولنا؟

محمد الهواري
محمد الهواري
aman-dostor.org/33760

لن أحدثك هنا عن الكتاب الشهير "خراب"، من تأليف الأمريكي "مارك مانسون"، صاحب كتاب "فن اللامبالاة"، الذي زادت شهرته في مصر بعد صورة نجم ليفربول والمنتخب المصري، محمد صلاح، ممسكًا الكتاب.. لكنني سأحدثك عن صناعة "الخراب"، التي تخصص لها دول مليارات الدولارات، تنفقها على منصات إعلامية متخصصة ومحترفة ومجهزة للهدم.

- جمع المعلومات

لن تتخيل حجم الجهد، والإنفاق، الذي تبذله فرق عمل لتضليلك، جهد منظم، بتمويل ضخم، دعني أصطحبك في جولة قصيرة، نتشارك معًا فيها أسرار صناعة الخراب تلك، والتي تبدأ بجمع معلومات عنك، عن أحلامك، عن واقعك، عما يشغل بالك، ومخاوفك، توجهك الديني، والسياسي، والرياضي، اتزانك الانفعالي، قابليتك للتصديق، وقدرتك على الفعل.

هكذا تكون محادثاتك اليومية، في المترو، والمواصلات، مع سائق التاكسي، تعليقاتك على السوشيال ميديا، تغريداتك، منشوراتك، كل "لايك وشير"، صورك، و"الستوريز"، كلها محل دراسة، حتى ما تظن أنه مجرد ألعاب، مثل "اعرف شخصيتك من لونك المفضل"، والتي تتطوع فيها بإعطاء معلومات عنك، وبتجميعها يتم رسم ملامح شخصيتك وتفكيرك واتجاهاتك وسلوكك.

- دراسة الثغرات

الآن أصبح لدى فرق العمل تلك رؤية أوضح عنك، أنت حاد المزاج والطباع، تصدق أي شيء، تعاني مثلنا جميعًا من أوضاع اقتصادية صعبة، لديك تطلعات مشروعة، ولأنك لست طويل البال، لن ترهق نفسك بالبحث والتحليل، تشعر أن هناك خطأ ما، وأن الحكومة تخفي شيئًا ما، وأنك لديك الحلول لكل شىء.

ليس هذا فقط، بل لا أحد يسمعك، وتأخرت سيارة النظافة عن رفع القمامة، ولا تزال ماسورة المياه مكسورة منذ أيام، ولم يتم تصليحها، مديرك في العمل يضايقك، وزوجتك تثقلك بالطلبات، وأبناؤك يريدون الذهاب للمصيف، وتحتاج تكييف في غرفة النوم، الطقس حار للغاية، أين الحكومة من اهتماماتك، هل يشعر بك أحد؟


- إعداد الرسائل

لقد تمكنت منك، الآن أستطيع وضع أفكار بعينها، وتحديد الرسالة التي سأوصلها لك، ومن سيقوم بتوصيلها، ثم اختيار الوسيلة الأنسب، كل ذلك في عملية قد تمتد لأسابيع وشهور وسنوات، على نار هادئة، ليس فيلمًا "هوليووديًا"، ولا مبالغات "بوليوودية"، إنها تفاصيل مرتبطة بحياتك اليومية، لكنك لا تلتفت إليها غالبًا، لنكمل معًا.

لنبدأ وضع الأفكار العامة، أريدك أن تفقد الثقة في الحكومة، والدولة، والرئيس، هم سبب معاناتك، كل دول العالم بها مميزات، وتنعم شعوبها بالرخاء، إلا أنت أيها المسكين، الذي قادك حظك العثر لتصبح في بلدك تلك، بالمناسبة هدفي أيضًا أن تفقد الثقة في نفسك، وفي كل من هم حولك، أنا بجانبك.

أنظر مثلًا ماسورة المياه التي لم يتم تصليحها، إذا كنت تعيش لدينا في قطر أو تركيا، من المستحيل كسر الماسورة أصلًا، يالك من مسكين في شبه دولة، أنظر كيف تخلت عنك حكومتك، كيف تجاهلك رئيسك، وكأن "أردوغان" يسلك بلاعات "اسطنبول" في موسم الشتاء، فيما يجمع "تميم" القمامة من شوارع "الدوحة".

كأنك تعيش في خيمة، في صحراء قاحلة، لا تجد قوت يومك، وأنت مهدد دائمًا، يجب أن تكون قلقًا على نفسك، وعلى مستقبلك.. لكن انتظر لنضع بعض الحماسة الدينية، وقليلًا من الطائفية، انظر أيها المصري المسلم الموحد بالله، رئيسك يهدم بيوت الله، ولنتمنى ألا تبحث عن عدد المساجد التي تم بناؤها.


- التحريض المباشر

في المقابل انظر لعدد الكنائس التي تم ترخيصها، لن أخبرك طبعًا أنها تنتظر الترخيص منذ سنوات عديدة، الشىء لزوم الشىء، أيها المصري المسلم، إنهم يبنون الكنائس، ويهدمون المساجد، إنهم أعداء الله، هل ستقف هكذا دون حركة، انتفض لدينك، أرجوك لا تقرأ عن حجم تمويلات قطر وتركيا لقتل المسلمين، ستفسد عملنا.

لن أخبرك عن نقل مقاتلين من سوريا وإفريقيا وآسيا، لقتل المسلمين في ليبيا، والعراق، والحرب بالوكالة ضد أرمينيا، لنعد إليك، ستشاهد على شاشتي حصريًا عمليات قتل، وذبح، وتمثيل بالجثث، وتفجيرات مروعة، إذا كنت مسلمًا سأخبرك بأنها لمواجهة الأنظمة الكافرة، وإذا كنت غير ذلك، فهي معارضة مسلحة تواجه الطغاة لإقامة العدل.

ستتابع على منصاتي فتاوى شيوخ بعمائم، سيخبرونك بأن الخروج على الحاكم حلال شرعًا، بل سيكفرون الحاكم، ولماذا يرهقون أنفسهم، سيخبرونك بأن دمه حلال صافي، وأن قتله وقتل "جنوده" حلال أيضًا، طبعًا سيستخدمون ألفاظًا مثل جنود الحاكم فلان، أو جيش الرئيس فلان، بل سننزع صفة الجيش عنه ونسميه قوات حكومية أصلًا.

شيئًا فشيئًا سأستبدل لفظ الجنود بعناصر الأمن، وميليشيات الرئيس فلان، طبيعي جدًا، أنا من الأصل أحاول جعلك تصدق أنك لست في دولة، وبالتالي هو أمر عادي، أليس كذلك؟ اتفقنا؟ أزيدك من الشعر بيتًا، المعارضة ليست سياسية، وإنما مسلحة، انتظر لا تفكر أرجوك، أخبرتك أنه ليس جيشًا بل وميليشيات رئيس أتذكر؟

جميل جدًا، الآن سأداعب ما تبقى من عقلك، عندما تكون هناك حكومة، وهناك من يختلف معها ماذا نسميه؟ معارضة، إجابة صحيحة، وعندما لا تكون هناك دولة، ويكون لدى حاكمها "ميليشيات"، أليس من حق المعارضة حمل السلاح؟ أكيد، إجابة صحيحة، أنت الآن على بعد خطوات من تحقيق هدفي ستقول كلامي وتردده.


- فبركات بريئة

أشعر أنك بدأت تقلق مني، اللعنة على جينات الشخصية المصرية، اللعنة على تدينك الوسطي المنيع، سأجتمع الآن مع فريقي، يجب أن نعيدك إلينا، أنظر هناك مظاهرة يضربون فيها النساء، يقتلون الرجال بدم بارد، ويعتقلون الشباب بلا رحمة، لن تعرف بالتأكيد أنها فيديوهات صنعناها بأنفسنا باستخدام ممثلين، ستجدها على السوشيال ميديا.

حساباتنا على السوشيال ميديا قصة أخرى، ستعتقد أنها لأشخاص طبيعيين مثلك، لكن لا، إنهم مدربون بعناية، يستخدمون نفس الأسلوب والكلمات، ضجيج حماسي، كلمات رنانة تداعب حماستك الدينية، والكروية، وبين كل جملة وأخرى نضع اسم رئيس دولتك، وهكذا إلى أن تصدقني أكثر، سأدفعك للتظاهر، والتخريب، والقتل، عيناي تلمعان أمام ماكينة الـATM.

بفضلك أيها المصري الطيب تزيد حساباتي البنكية، ثم أخرج أداعب وطنيتك التي لا أؤمن بها، أخبرك وأنا أبكي بأنني أشتاق إلى كورنيش النيل، والفول على "عربية" في وسط البلد، وأن الطغاة يمنعوني، وإذا تم القبض على سأفاجئك، سأبكي وأقول إنهم أجبروني على فعل ذلك، وإنني لم ولن أكن ضد بلدي.

إلى هنا تنتهي جولتي معك، داخل أروقة مصانع "الخراب"، هكذا تعرفت على آلية العمل، وكيف أنك هدف وأداة، لكنني أثق في فطرتك، ومصريتك، وسلامك الداخلي، وقوتك وصبرك، وسعيك للحقيقة والجمال، حاولت مساعدتك على التفكير، ومواجهة خطط تخريب عقلك، صدقني لا أقلق من صناعة "الخراب"، لأنني أؤمن بك، ولأننا هزمنا الأشرس.

* استشاري التدريب والتخطيط الإعلامي