رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأحد 04/أكتوبر/2020 - 11:51 م

الدكتور محمد أبوهاشم يكتب: قبل أن تلوموا ماكرون.. لوموا أنفسكم

الدكتور محمد أبو
الدكتور محمد أبو هاشم
aman-dostor.org/33753

تابعت التراشق اللفظي الناتج عن التصريحات التى أدلى بها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، متضمنة وصفه الإسلام بأنه يعيش أزمة عميقة، وبدورهم قام أذناب الإخوان بالتقاط طرف الخيط لمهاجمة فرنسا هجوما عشوائيا لا إدراك فيه، ولا معرفة، هجوما يدغدغ مشاعر البسطاء، ويتاجر بالشعارات، ولست هنا في معرض الدفاع عن الرئيس الفرنسي الذى أخطأ فعليا بتجاهله ما تتضمنه شريعة الإسلام من سماحة، وسلام، وتعايش سلمي مع الآخر.

لكن دعونا نناقش بصوت مرتفع مَنْ الفاعل الرئيسي؟ ما السبب الذى جعل قادة الغرب ورموزهم يهاجمون الإسلام، ويخرجون بتصريحات تسىء لأتباعه الذين يصل عددهم قرابة المليار ونصف المليار مسلم ينتشرون في بقاع الكون؟، هل السبب راجع إلى تعمدهم الإساءة ضمن منهجية صراع الحضارات الذى أسس له فرنسيس فوكاياما؟، أم أن الأمر خاص بأمور انتخابية، أم أن الموضوع راجع إلى الصورة المشوهة التى تصدرها تيارات التيارات وجماعات الإرهاب للعالم عن الإسلام؟.

الاحتمالات جميعها لها نصيب من الصواب، وبعيدا عن جَلد الذات، فلنسأل أنفسنا مرة أخرى عن الحصاد الذي قدمته تلك التيارات للعالم الغربي، وعلينا أن نضع في الاعتبار أن جماعات الإخوان وداعش والقاعدة وبوكو حرام، وغيرهم، يقتلون أو يفجرون، أو يخطفون، ويضعون خلف ظهورهم في الفيديوهات التى يعلنون فيها مسئوليتهم عن تلك الجرائم شعار الإسلام، وشهادة التوحيد.

دعونا نذهب إلى مرصد دار الإفتاء لمقاومة التكفير ليجيبنا إجابة موضوعية عن أفعال تلك الجماعات الإرهابية وممارساتها في عام 2019 فقط.. يقول المرصد، في تقرير أصدره مؤخرا: إن تلك القوى والجماعات المتطرفة تسببت في سفك دماء العديد من الأبرياء وتدمير العديد من الدول، مدللًا بأن عام 2019 فقط شهد العالم فيه، وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي، "8500" هجوم إرهابي أودى بحياة "14,840"، وأن الخراب الاقتصادي الناتج عن تلك الممارسات الإرهابية بلغ في عام 2019 فقط ما قيمته (14.5) تريليون دولار، أي ما يعادل (10.6%) من النشاط الاقتصادي العالمي.

لقد جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ابنه وأنّبه على عقوقه لأبيه، فقال الابن: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب (القرآن)، فقال الابن: يا أمير المؤمنين إنه لم يفعل شيئاً من ذلك: أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جعلاً (حنفساء)، ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً.. فالتفت أمير المؤمين إلى الرجل، وقال له: أجئت إلىّ تشكو عقوق ابنك، وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

هذه الحادثة تختصر الواقع الذي نحياه ونعيشه، فالمسلمون قد أساءوا إلى دينهم قبل أن يسىء إليه ماكرون، وقد عقوه قبل أن يعقه رموز الغرب، وتيارات اليمين المتشدد، نعم، إن ديننا سماحة كله، وعدل كله، ورحمة جميعه، لكن العالم لا يعترف بالألفاظ الرنانة، ولا الخطب العصماء، فحدثني عن كرمك وجودك كما تحب وتهوى، لكن هل نالنى من كرمك ما يسد جوعي، أو يغني حاجتي؟، إذا فعلت فسوف أصدقك، ودون ذلك فكلامك لن يجاوز حنجرتك، وصوتك لن يُسْمِع إلا نفسك.

الإسلام دخل شمال شرق آسيا وإفريقيا بسلوكيات التجار المسلمين الذين طبقوا مناهجه تطبيقا ملموسا، جعل الناس يلتفتون إليهم، ويعجبون لصنيعهم الأخلاقي الذى يتوافق مع شرائع الروح الإنسانية، وكان الفعل طريق الإيمان، فدخلوا في دين الله أفواجا، وكانت سلوكيات الرسول، صلى الله عليه وسلم، ترجمة فعلية للشريعة التى جاء بها، فلم يثبت عليه أنه انتصر لنفسه، فكان رحمة مهداة، ونعمة مسداة، رأى الأعرابي يبول في المسجد، فيسعى الناس إلى زجره أثناء تبوله، فيأبى عليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القيام بذلك، في مراعاة لأقصى حدود الأمان النفسي، وبعدما ينتهى الأعرابي من تلك الفعلة يأمر النبي أصحابه بأن يسكبوا على فضلته ماء لتطهير المكان، ثم يأخذ الأعرابي بعيدا، ويقول له: يا أعرابي إن المساجد جعلت للعبادة، ولا تصلح لسوى ذلك من أفعال الناس.. ويأتيه رجل يقول له: أعطني من مال الله فإنه ليس مالك ولا مال أبيك، ويستجيب لطلبه ولا يُفْحِش له في القول.. ويضع له جاره القاذورات على عتبة بابه، وعندما يفقد القاذورات يوما من على عتبة بابه، يسأل عن جاره ليجده مريضا، فيذهب للاطمئنان عليه.

الإسلام شريعة وحقيقة، قول وفعل، فإذا حدثت الانفصالية بين القول والفعل وجدنا حالة النقد والهجوم والاتهام ومحاصرة الإسلام بتلك التهم الباطلة في أصلها، لكن قبل أن نلوم ماكرون فعلى تيارات العنف والتشدد أن تلوم أنفسها.

عضو مجمع البحوث الإسلامية