رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الأربعاء 23/سبتمبر/2020 - 01:44 م

«خرج ولم يعد».. حكايات مصريين عبروا الحدود لدخول «جحيم داعش» (معايشة)

تنظيم داعش الارهابي
تنظيم داعش الارهابي
فايزة أحمد
aman-dostor.org/33680

أواخر شهر يوليو 2014، دق جرس الهاتف داخل منزل عائلة "علي أبو العز" القابعة بقرية "كفر البطيخ" التابعة لمركز كفر سعد محافظة دمياط، يخبرهم أن نجلهم "أحمد" لاقى حتفه أثناء مشاركته في إحدى عمليات ما يعرف بتنظيم "داعش" بسوريا، "قالولنا ابنكم استشهد وهو بيجاهد في سوريا"، ومن ثم أُغلق الهاتف، لتُصاب الأسرة بهيستريا عدم التصديق لما قيل.


منتصف عام 2013، أنهى "أحمد" خدمته العسكرية، وأتم خطبته على إحدى شقيقات صديقه "حمدي سعد فتوح"، ليقرر حزم حقائبه متخذَا قراره بالرحيل صوب ليبيا "كان بيشتغل استورجي.. قالنا إنه هيسافر ليبيا يكوّن نفسه.. مجبش سيرة سوريا دي خالص" هذا كل ما يعرفه "عماد عتمان" عن صهره الذي علم كما علم الجميع بخبر وفاته من تلك المكالمة، عقب ستة أشهر كاملة من انقطاع الاتصال معه.

 

عقب مرور أسبوعين فقط على خبر وفاة "أحمد أبو العز"، فوجئ أهالي القرية بحشد كبير من قوات الأمن تُلقى القبض على "حمدي فتوح" عقب مطاردة أسفرت عن إصابته بطلق ناري في قدمه "في نفس اليوم الأمن جه طلّع أسلحة كتير من بيت صاحب حمدي وقبضوا عليه هو كمان"، يسرد أحد جيران حمدي - الذي تحفظ على ذكر اسمه - لـ"أمان".

 

نهاية أغسطس من العام 2014، أعلن الأمن الوطني أن حمدي كان قائد أول خلية بايعت زعيم داعش الإرهابي أبو بكر البغدادي، لتتداول وسائل الإعلام آنذاك، اعترافاته التي قال فيها "تواصلت مع واحد من قريتي اسمه سيد يوسف تبع التنظيم وهو موجود في سوريا حاليًا، وتمكنت من تسفير العديد من العناصر المستقطبة للالتحاق بالتنظيم والمشاركة في عملياتهم العسكرية ضد بشار الأسد".

 

كان لاعتراف الرجل الثلاثيني، صدمة كبيرة لأهل القرية التي يعمل معظمهم في صناعة الأثاث، برغم التشدد الذي عاهدته عنه منذ 2012، حيث اختفى لمدة أربعة أشهر، ومن ثم عاد ولديه لحية - بحسب جاره.

 

في منزل حمدي

لكن "سكينة متولي" والدة حمدي التي تقبع داخل منزل متواضع مكون من طابقين تقول لـ"أمان"، إن ابنها أخبرها قبل سفره بأيام بأنه سيتوجه إلى دولة الإمارات؛ للبحث عن فرصة عمل "فرحت وقولت يخلص شقته علشان يتجوز"، تسترجع الأحداث في ذلك العام بمزيد من التأثر، تُكمل حديثها وعيناها تغمرها الدموع "رجع بعد مدة قليلة وبعنا حتة الأرض اللي حيلتنا وكملنا على فلوسه وأتجوز".

 

بينما يقول حمدي الذي يقبع داخل السجن الآن، أثناء التحقيقات، إنه خلال تلك الفترة كانت وجهته دولة ليبيا حيث التحق بمعسكر تابع لتنظيم "القاعدة" الإرهابي ليخضع لدورة تدريبية على فنون القتال وتصنيع المواد المتفجرة، ليعود إلى قريته التي كوّن بها مجموعة من الأصدقاء وبعض ممن كان لديهم الاستعداد للجهاد في سوريا، لينقل لهم خبرته في تصنيع الأسلحة.

 

حاول الذي لديه مؤهل متوسط أن يتواصل بأحد الأفراد من تنظيم "أنصار بيت المقدس" عن طريق أحد أصدقائه في ليبيا والذي يُدعى "أبو هريرة" لكن "الموضوع ما نفعش"، فقرر فتح قنوات اتصال جديدة مع أحد أهالي قريته الذي انضم للتنظيم في سوريا ويُدعي "سيد يوسف"، ذلك الذي سهل له تسفير بعض ممن نجح في استقطابهم للسفر هناك، تلك الخطوة التي كانت بمثابة بداية مشواره مع دولة الخلافة المزعومة، إلاّ أنه كان عليه الذهاب بنفسه إلى هناك "سيد قالي لازم أروح هناك علشان أعمل بايعة"، غير أن قوات الأمن باغتته بالقبض عليه قبل السفر، وفقًا لما جاء في التحقيقات.

 

داخل منزل سيد يوسف

على بعد أمتار من منزل "حمدي" يقبع منزل "سيد يوسف" المكون من ثلاثة طوابق غير مكتملة البناء، حيث يعكف والده "محمد يوسف" الشهير بـ"الزملكاوي" الذي كسى الشيب شعره باللون الأبيض، على إصلاح الأثاث القديم تلك الحرفة التي نقلها إلى ابنيه "سيد وأحمد"، ينكر في البداية أثناء لقائنا به أن يكون له أبناء من الأساس، يتلفت فيما حوله، يسترق النظر داخل غرفة نوم زوجته؛ خشية من أن تستيقظ، يقوم باصطحابنا للخارج "مراتي عاملة عملية قلب مفتوح وما بحبش حد يتكلم على العيال قدامها بتتعب".

 

وافق "الزملكاوي" على الحديث معنا، لكن اليأس كان تملكه تمامًا "بقالي سنين بسأل وأدور وما عرفش عنهم حاجة"، يحكي أن ابنه الكبير يوسف قرر الرحيل عام 2012: "قالي يابا أنا مسافر تركيا علشان اشتغل وكان معاه جواز سفر وعقد عمل"، ليرسل بعد عام من سفره لزوجته وأبنائه الثلاثة لكي يلحقوا به "قال الشغل كويس وعاوزهم معايا".

 

لم يمانع الرجل الستيني سفر زوجة ابنه رفقة أحفاده، لكن شعورًا غير مريح تسرب إليه حينما قرر ابنه الثاني "أحمد" السفر هو أيضًا في 2014 "قال هسافر لأخويا علشان أعمل شقتي"، ظل الأب على تواصل مع ابنيه حتى عام 2015، لينقطع أي اتصال بينه وبينهما حتى إلقاء القبض على حمدي، نمي إلى الأب ما قاله عن علاقته بابنه "قال إنه في سوريا.. وابني مسافر تركيا.. مابقتش عارف أصدق مين!".

 

عقب إلقاء القبض على قائد الخلية، استُدعى من قِبل الأمن الذي وجه له أسئلة عدة خاصة بابنيه، وعما إذا ظهر عليهما مظاهر التشدد في وقت من الأوقات "يوسف كان طيب وبتاع ربنا وبيعطف على كل الناس.. وأحمد مالوش في حاجة"، هذا كل ما يعرفه عن ابنيه اللذين أصبحا إرهابييْن محترفين.

 

لا تتوافر للأب أي أوراق تخص ولديه أو حتى صور لأحفاده "خدوا كل حاجة معاهم وهم مسافرون"، تسأله زوجته عن ولديها باستمرار "ما بيكونش عندي رد"، تيأس الأم في إيجاد إجابة تطفئ لهيب الفقد والوحشة، تتوجه إلى الله "بتفضل تصلى وتعيط طول النهار علشان العيال"، يشعر الرجل الستيني بعجز شديد يجعله يغادر المنزل طيلة الوقت "ما برجعش غير على النوم"، يعدنا بالبحث عن أي أوراق تخص "سيد وأحمد"؛ على أن نعود في اليوم التالي.

 

ذهبنا للمنزل نفسه صبيحة اليوم التالي، لنفاجأ بزوجته التي أنهكها المرض، تبادرنا بالسؤال بصوت مختنق "أنتوا تعرفوا حاجة عن ولادي!"، تعيد علينا قصة سفر ولديها، تسأل بتلهف عما إذا توصلنا لأي معلومة عنهما "بقالهم كتير أوي متكلموش يابنتي.. ضحكوا عليا وقالوا هيرجعوا ومارجعوش"، لكنها عادت لتسأل عن زوجة "عماد عتمان" صهر أحمد أبو العز التي اختفت هي أيضًا منذ عام ونصف العام، وعما إذا توصلنا لأي معلومة عنها "بيقولوا سافرت سوريا هي كمان".

 

اختفاء شقيقة أبوالعز

في الشارع المتاخم لمنزل الزملكاوي، يجلس نجل "عتمان" أمام منزله وضجيج أعمال النجارة تحاصره من كل اتجاه، توقفت حياته عند اللحظة التي خرجت والدته من المنزل رفقة شقيقته التي كانت تستعد للالتحاق بالصف الأول الإعدادي، وشقيقه البالغ من العمر ست سنوات "قالت هتروح تشتري لبس المدرسة لأختي وهترجع.. وما رجعتش".

 

مطلع شهر سبتمبر 2015، فرغت "أميرة على أبوالعز" من إعداد الطعام لأسرتها، لتصطحب ابنتها لشراء ملابس المدرسة، وقبل أن تهم بالخروج أصر ابنها الصغير على مرافقتها فاضطرت لاصطحابه "أخدت مني فلوس علشان تجيب بلوزة للبنت.. وقالت مش هتتأخر"، بهذه الكلمات بدأ "عتمان" حديثه.

 

مرت ساعات عدة، ولم تعد الزوجة أو تتصل، بادر الابن بالاتصال "لقيت التليفون خارج نطاق الخدمة"، حل الليل، لحظات من القلق والترقب تأتي وتروح، لكنها لا تروح إلا وتترك في الحلق غصة، حتى يقرر عتمان ونجله التوجه إلى الشرطة لعمل بلاغ "فيه واحد أمين شرطة جاري خدنا وعملنا محضر".

 

في اليوم التالي للبلاغ استدعي أحد ضباط الأمن الوطني "عتمان"، للاستفسار عن زوجته "لقيته بيقولي مراتك كان لها في الجهاد قبل كدا.. مع إني عامل البلاغ إنها اختفت بس"، رجح الأمن سفرها إلى الخارج مثلما فعل أخيها "شككوني إن يكون أخوها أصلا مماتش".



 

عقب ستة أشهر بالتمام، فوجئ الابن برقم غريب يتصل بوالده، يلتقط الهاتف، يرد وإذ "لقيتها بتقولي أنت محمد؟ .. قولتلها أها.. قالتلي أنا ماما"، لم يصدق أذنيه، انعقد لسانه عن الكلام، هرول إلى والده، ألقى إليه الهاتف "لقيتها بتقول لحد جانبها مش عارفة أقوله إيه"، يسألها عن مكان تواجدها "قالت أنا في مكان في صحرا ومش عارفين نخرج"، يأخذ الابن الهاتف مرة أخرى عله يصل إلى شيء "قالتلي أنا في كرب شديد يا محمد أدعيلي"، لينقطع الاتصال الذي لم يعاود مجددًا حتى الآن.

 

يدرك الزوج ما يتردد حول زوجته، عن كونها سافرت خارج الحدود لما يسموه "الجهاد" مثلما سبقها أخيها، لكن عقله يرفض التصديق "واحدة متجوزها من 16 سنة عمرنا ما اتخانقنا، وست ملتزمة وحافظة القرآن.. تعمل كدا ليه؟"، ذلك السؤال الذي ينتابه كل يوم، لكن أسئلة أخرى تداهم الابن باستمرار "إيه الكرب اللي كانت تقصده؟..  وليه ما تصلتش تاني؟".