رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
مرصد الفتاوي
الأربعاء 16/سبتمبر/2020 - 10:43 ص

كيف يواجه الخلاف الفقهي التشدد؟ مفتي القدس يجيب في دراسته (3- 3)

4ghlhwdx
4ghlhwdx
أميرة العناني
aman-dostor.org/33598

يستكمل «أمان» نشر الدراسة التي أعدها الدكتور الشيخ محمد أحمد حسين، مفتي القدس، تحت عنوان "الإطار التنظيري للإدارة الحضارية للخلاف الفقهي".

وشملت نشأة الخلاف الفقهيّ في الفكر الإسلاميّ، والضّوابط العامّة لإدارة الخلاف الفقهيّ، ومعايير انضباط الخلاف الفقهيّ في مقابلة التفلّت، ودور الخلاف الفقهيّ في مواجهة التّشدّد.

ويوضح مفتي القدس، في الجزء الثالث من دراسته، معايير انضباط الخلاف الفقهيّ، وكيفية مواجهته التشدد والتطرف، وأشار مفتي القدس في دراسته إلى أن إدارة الخلاف الفقهي لها عدة معايير يجب الالتزام بها؛ لكي لا ينزلق المجتهد إلى التفلّت أو التشدد، ومن أهمّ تلك المعايير:

1- الاعتصام بالكتاب والسّنّة، قال تعالى: «وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه»، [الشورى: 10]، وقال تعالى: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»، [النساء: 59].

فالقرآن الكريم هو الذي يهدي للحقّ، وإلى الطريق المستقيم، قال تعالى: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ»، [الإسراء: 9]، وكذلك أمر الله باتباع السّنّة، فقال تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا»، [الأحزاب: 21].

2- الحوار، وهو لا يكون إلا بين مختلفين، والله سبحانه أمر بالمجادلة بالتي هي أحسن، حتى مع أهل الكتاب، فقال تعالى: «وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ»، [العنكبوت: 46]، حتى المخالف في الأصول يهوديًا أو نصرانيًا أو بدعيًا؛ يمكن محاورته، بل يجب على القادرين محاورته بالتي هي أحسن، والله تعالى ذكر في القرآن الكريم خطابه لإبليس، فقال عز وجل: «قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» [ص: 75-76].

والحوار يسهم في تحقيق الأمن المجتمعي، والرضا الشعبي، قال تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»، [آل عمران: 159].

3- الشّورى، وهي ممّا أمر الله به، فقال تعالى: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»، [آل عمران: 159]، وقال: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ» [الشورى: 38]، ولقد شاور النّبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، أصحابه في بدر، وفي أحد، وفي الخندق، وفي غيرها، وترسيخ مبدأ الشّورى في الأسرة وفي المدرسة وفي الدّولة، ومشاركة النّاس في رسم مصيرهم وحاضرهم ومستقبلهم هى من الضرورات التي لا مناص منها اليوم، وعلى الأخصّ فيما يتعلق بالشباب؛ فثمة ضرورة لاحتوائهم والقرب منهم، وتحسّس آلامهم وآمالهم والاستماع إلى مشكلاتهم، وألا نحملهم على رأينا وعقلنا، وألا نستخف بهم.

4- تشجيع الاجتهاد، وتوفير المناخ الملائم لخصوبة العقول ونموها وإبداعها، فإنّ جو الحرية الشرعية هو المكان الذي تزدهر فيه الأفكار الصّحيحة، أمّا حين يكون على الإنسان أن يفكر ألف مرة ومرة قبل أن يقول ما يراه؛ خوفًا من مواجهة تهم وتشنيع وأذى ومصادرة، فإنّ الإبداع حينئذ يموت، ونحن نتحدّث هنا عن الإبداع، لا عن الابتداع، الإبداع في أمر الدنيا المسكوت عنه، وأما الابتداع فهو في أمر الدّين المحض المنصوص.

5- تفعيل دائرة المتفق عليه، فهذه المسألة تخضع للمصلحة والاجتهاد، والنّظر، وتغيّر الأحوال، وما أحوج المسلمين اليوم، وهم في حال ضعفهم، وتراجع دورهم العالمي، وتسلط أعدائهم عليهم، واحتلال كثير من بلادهم، إلى العناية بهذا الأمر.



دور الخلاف الفقهيّ في مواجهة التشدّد

وأبرز مفتي القدس دور الخلاف في مواجهة التشدد، لافتا إلى أنّ الاختلاف في الفروع يفيض على الأمّة رحمة وتوسعة، ولهذا اجتهد الصّحابة واختلفوا في أمور جزئيّة كثيرة، ولم يضيقوا ذرعًا بذلك، بل يرى الخليفة عمر بن عبدالعزيز، بما أوتي من علم وبصيرة، في اختلاف الصّحابة سعة ورحمة، فيقول: "لا يسرّني أنّ أصحاب محمّد، صلّى الله عليه وسلّم، لم يختلفوا؛ لأنّهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة، أي أنّهم باختلافهم أتاحوا لنا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم، كما أنّهم سنّوا لنا سنّة الاختلاف في القضايا الاجتهاديّة، وظلّوا معها أخوة متحابين.

وممّا ينبغي الحرص عليه في مواجهة التشدد وإزالة الجفوة، اتباع المنهج الوسط، الذي يتجلّى فيه التوازن والاعتدال، بعيدًا عن طرفي الغلو والتفريط، وهو الصراط المستقيم، الذي نسأل الله أن يهدينا إليه، كلّ يوم في صلاتنا «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ».

وكذلك من لوازم اتباع المنهج الوسط في الخلاف الفقهيّ، تجنّب التنطّع في الدّين والأحكام، وهذا التنطّع هو الذي أنذر النّبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، أصحابه بالهلاك، فروى عنه ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا، قال النّوويّ في شرحه: المتنطّعون أيّ المتعمّقون، الغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

وتيسير الصّحابة والسّلف وإنكارهم على المتنطّعين، جعلهم يتسامحون في الفروع الجزئيّة، ولا تضيق صدورهم بالخلاف فيها، بل كانوا ينكرون على مَن يجعل البحث عن هذه الأمور شغله الشّاغل، ولا يرحّبون بهذا النّوع من السّؤال، الذي لا يأتي من ورائه إلّا التّشدّد.

وممّا يساعد على التّسامح وتبادل العذر فيما اختلف فيه، وعدم التشدّد، الاطّلاع على اختلاف العلماء؛ ليعرف منه تعدّد المذاهب، وتنوّع المآخذ والمشارب، وأنّ لكلّ منهم وجهته، وأدلّته التي يستند إليها، ويعوّل عليها، وكلّهم يغترف من بحر الشّريعة، وما أوسعه، من أجل ذلك أكّد العلماء وجوب العلم باختلاف الفقهاء، كوجوب العلم بما أجمعوا عليه، فإنّ اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجّة.

وأخيرًا إذا أريد للخلاف الفقهيّ أنّ يواجه التّشدّد والتطرّف، فلا بدّ من الإخلاص لله- عزّ وجلّ- والتجرّد من الأهواء، وأن يكون التجرّد للحقّ وحده، وأن يتحرّر المرء من التّعصّب لآراء الأشخاص، وأقوال المذاهب، وانتحالات الطّوائف، فلا يقيّد نفسه إلا بالدّليل، فإن لاح له بادر بالانقياد له، وإن كان ذلك على خلاف المذهب الذي يعتنقه، أو قول الإمام الذي يعظمه، أو الطّائفة التي ينتسب إليها؛ لقوله تعالى: «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ»، [النّور: 54].