رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
مرصد الفتاوي
الأربعاء 16/سبتمبر/2020 - 10:39 ص

دراسة مفتي القدس: التعامل مع الخلاف الفقهي أسهل من العقدي (2- 3)

مفتي القدس
مفتي القدس
أميرة العناني
aman-dostor.org/33597

يستكمل " أمان" نشر الجزء الثاني لدراسة الدكتورالشيخ محمد أحمد حسين، مفتي القدس، حول "الإطار التنظيري للإدارة الحضارية للخلاف الفقهي"، وشملت نشأة الخلاف الفقهيّ في الفكر الإسلاميّ، والضّوابط العامّة لإدارة الخلاف الفقهيّ، ومعايير انضباط الخلاف الفقهيّ في مقابلة التفلّت، ودور الخلاف الفقهيّ في مواجهة التّشدّد.

وأرجع مفتي القدس نشأة الاختلاف في الأحكام الشّرعيّة في الجزء الأول من الدراسة إلى نشأة الاجتهاد في الأحكام، الذي بدأ يسيرًا في زمن النّبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، حيث استغنى الناس بالوحي المنزّل على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ توسّع بعد ذلك بوفاة النّبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، بتوزّع الصحابة، رضوان الله عليهم، في الأمصار.


ويستعرض «أمان» في الجزء الثاني من الدراسة الضوابط العامّة لإدارة الخلاف الفقهيّ:

وقال مفتي القدس إن التّعامل مع الخلاف الفقهيّ أسهل وأرفق من التّعامل مع الخلاف العقديّ، أو الخلاف في شئون الحكم، فالنّصوص كثيرة في المسائل الفقهية، وكذلك أفعال النبي، صلّى الله عليه وسلّم، وأفعال الصّحابة، حيث تُعتبر منارات هادية ومرشدة في الجدل الفقهيّ.

وأضاف أن للتعامل مع الخلاف الفقهيّ وإدارته مجموعة من الضّوابط والرّكائز منها:

1- إخراج العوام من دائرة الاصطفاف المذهبي: اختلاف أهل العلم والاجتهاد سعة ورحمة، أما اختلاف العامة وأشباههم فهو باب للتعصب والقول على الله تعالى من غير فقه ولا علم، ومن هنا كان ما ذهب إليه جمهور الأصوليين، من أن مذهب العامي هو مذهب مفتيه، وما ذهبوا إليه من أن العامي لا مذهب له يشكِّل خطوة مهمة على طريق ترشيد الاختلاف، وكسر الاصطفاف المذهبي، حيث إن الناس في بعض مراحل تاريخنا انقسموا إلى ما يشبه الطوائف، وصارت المذاهب الفقهية أشبه بالأحزاب، حيث المفاصلةُ في أداء بعض الشعائر، والجدلُ غير المؤسس على معرفة موثوقة.

عملية الاجتهاد عملية ممدوحة، وإن لمن يجتهد في معرفة الأدلة والبراهين ولمن يستخدمها في الاستنباط واستخراج الأحكام أجرًا ومثوبة إذا أخطأ، وأجرين إذا أصاب، هذا بالنسبة إلى طلاب العلم المؤهَّلين للاجتهاد، ولا يجب على العالم ممارسة الاجتهاد ولو كان مالكًا للأهلية، وذلك لأن العالم قد يكون مشغولًا بأمور أخرى، وقد لا يظهر له وجه الحق، بسبب تكافؤ الأدلة، أو غموض موضع النزاع، أو بسبب فقده النشاط لممارسة الاجتهاد، لكن إذا اجتهد العالم المؤهل للاجتهاد، وبان له وجه الحق كان عليه لزوم ما أفضى إليه اجتهاده، ولا يجوز له في هذه الحالة تقليد غيره.

أما العامي، والمتخصص في غير علوم الشريعة، وطالب العلم الشرعي الذي لم يبلغ مرتبة الاجتهاد، فهؤلاء ليس أمامهم سوى تقليد أهل العلم، ويكون عليهم استفتاء من يثقون بعلمه ممن شهد له علماء زمانه بالتمكن الفقهي وإتقان الفتوى، ويثقون كذلك بدينه وتقواه، ويستحب للجميع أن يعرفوا أدلة من يستفتونه، ويقلدونه حتى يكون اتباعهم لأقواله وفتاويه عن علم وعلى بصيرة، فهذا يحول بينهم وبين التورط في التعصب لمن يقلدونهم.

2- عدم تصفير الاختلافات: إنّ مشكلتنا ليست مع الاختلافات العلمية، ولكن في طريقة التّعامل معها، فمعظم نصوص الكتاب والسّنّة ظنّيّة الدّلالة، وهذا يعني أنّ الاختلاف لا بدّ منه، والحقيقة أنّ خلود الشّريعة يعني أن تتّسع لأحوال البشر على اختلاف الزمان والمكان، وهذا لا يناسبه تطابق آراء أهل العلم، بل إنّ تطابق العقول يشير إلى الجمود والتوقف عن الاجتهاد، وفي هذا مدعاة لتحلل النّاس من أحكام الشّريعة، ومسوّغ لسعيهم إلى البحث عن حلول خارج أطرها العامّة، ولهذا فإنّ اختلاف أهل العلم يظلّ موضع ترحيب، لكنّه يحتاج إلى أن يدار من خلال جعل الخلاف الفقهيّ مبنيًّا على الإنصاف والعلم.

3- لا إنكار في مسائل الاجتهاد: لو فُتح باب إنكار المختلفين بعضهم على بعض، لصار المجتمع ساحة للتشنيع والتلاوم، وربما التدافع والتقاتل، وفي هذا ما لا يخفى من البلاء والسوء، وعدم الإنكار مرتبط بتسويغ الاجتهاد، وليس في كلّ اجتهاد، يقول الإمام النّوويّ: "قال العلماء: ليس للمفتي، ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه، إذا لم يخالف نصًّا، أو إجماعًا، أو قياسًا جليًّا".

4- مراعاة المصالح الشرعية في الإنكار: في بعض الأحيان تكون أدلّة المخالف ضعيفة أو متهالكة، ممّا يجعل السّكوت عن الخلاف من مصادر تشويه الدّين وطمس التّشريع، وفي هذه الحال يندرج الإنكار على المخالف في جملة الأعمال الإصلاحية، التي شأنها شأن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، تخضع للموازنة بين المصالح والمفاسد، فإذا كان التّحدّث عن مسألة خلافيّة سيؤدّي إلى مفاسد عظيمة من الاقتتال والتنابذ، أو فتح الثغرات لمكائد الأعداء، أو كسر وحدة صف المسلمين في أوقات وظروف حرجة، فإنّ عدم التّحدّث عن الخلاف يكون هو المطلوب، ويكون ذلك من باب الموازنة بين المصالح والمفاسد.

5- حكم الحاكم يرفع الخلاف: هذه القاعدة تشكّل واحدًا من التدابير التي تساعد على الحدّ من الخلاف، وتحول دون الوقوع في أشكال من الانقسام والشّقاق الاجتماعي، الذي يمكن أن ينشأ عن اختلاف الفقهاء والمفتين، ومعنى هذه القاعدة هو أنّ الحاكم سواء أريد به السلطة التنفيذية أم السلطة القضائية، إذا تبنّى رأيًا من الآراء الاجتهاديّة في الشّريعة، يرتفع به النّزاع بين النّاس، ويلزمهم العمل بالقول الذي ارتضاه، وهذا ليس على إطلاقه، وإنّما هو مقيَّد فيما تجري فيه الدّعاوى والخصومات، وما يتعلّق بتنظيم الحياة الاجتماعيّة فقط، وذلك مثل الحقوق الماليّة والجنايات والحدود والعقود.

فإذا اختار الحاكم التنفيذي أو القاضي أحد القولين في هذه المسائل ونحوها، ارتفع باختياره الاختلاف، وصار على النّاس الأخذ بقوله فيما تنازعوا فيه.

وهذا لا يعني أنّ الاختلاف يرتفع بذلك كليًّا، بل يبقى الخلاف على المستوى العلمي، حيث لا يحجر الإسلام على الآراء المستندة إلى الأدلّة والبراهين، وكذلك ليس من حقّ السّلطة التنفيذيّة أو القضائيّة منع تعليم الآراء والأقوال الفقهيّة المخالفة لاختيارها، وتداولها وانتشارها، فقد خالف بعض الصّحابة عمر وعثمان وعليًا، رضي الله عنهم، في كثير من أقوالهم، وخالف العلماء من بعدهم الحكامَ والقضاة كذلك، وكان التّسامح مع المخالف هو سيّد الموقف في معظم الحالات.