رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
مرصد الفتاوي
الأربعاء 16/سبتمبر/2020 - 10:31 ص

بدأ من عهد الصحابة.. «كيف نشأ الخلاف الفقهي» (1- 3)

مفتي القدس
مفتي القدس
أميرة العناني
aman-dostor.org/33596

أعد الدكتور الشيخ محمد أحمد حسين، مفتي القدس، دراسة تحت عنوان "الإطار التنظيري للإدارة الحضارية للخلاف الفقهي"، شملت نشأة الخلاف الفقهيّ في الفكر الإسلاميّ، والضّوابط العامّة لإدارة الخلاف الفقهيّ، ومعايير انضباط الخلاف الفقهيّ في مقابلة التفلّت، ودور الخلاف الفقهيّ في مواجهة التّشدّد.


نشأة الخلاف الفقهيّ في الفكر الإسلاميّ
أرجع مفتي القدس نشأة الاختلاف في الأحكام الشّرعيّة إلى نشأة الاجتهاد في الأحكام، الذي بدأ يسيرًا في زمن النّبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، حيث استغنى الناس بالوحي المنزّل على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ توسّع بعد ذلك بوفاة النّبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، بتوزّع الصحابة، رضوان الله عليهم، في الأمصار.

وأكد أن الخلاف طبيعيّ حيث اقتضت حكمة الله، عزّ وجلّ، أن تكون كثير من نصوص القرآن والسّنّة محتملةً لأكثر من معنى واحد، إذ أُنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، واحتمال الألفاظ في اللغة العربية أمر تمتاز به لغتنا عن اللغات الأخرى، كما اقتضت حكمته في خلقه أن يجعلهم متفاوتين في عقولهم ومداركهم، ليكمل الكون، ويبرز ميدان التفاضل والتمايز بالعلم والعقل.

ويقول الإمام الزّركشيّ: "اعلم أنّ الله تعالى لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلّة قاطعة، بل جعلها ظنّيّة قصدًا للتّوسيع على المكلّفين، لئلّا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدّليل عليه".

وأضاف أن اختلاف الصّحابة في الأحكام الفقهيّة كان جليًّا وواسعًا، ومن الأمثلة العمليّة عليه الاختلاف في حكم الصّلاة في الطّريق إلى بني قريظة، فقد قال ابن عمر، رضي الله عنهما: قال النّبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، يوم الأحزاب: «لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ»، فأدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ في الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حتَّى نَأْتِيَهَا، وقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذلكَ، فَذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ، صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ واحِدًا منهمْ.

ولعّل أوّل اختلاف جرى بين الصحابة، رضي الله عنهم، بعد وفاة الرّسول، صلّى الله عليه وسلّم، اختلافهم في مسألة الإمامة الكبرى، ومّن هو الأحقّ بها بعد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، في أمّته؟ ثمّ توالت الاختلافات في الأحكام الفقهيّة تبعًا لأسباب كثيرة.

ومن مسائل الاختلاف ميراث الجدة، فعن قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: «جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا؟ فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُوبَكْر،ٍ ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلَّا لِغَيْرِكِ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ، وَلَكِنْ هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا».

ثمّ تطوّر الخلاف الفقهي، واتّسعت دائرته بعد عصر أئمّة المذاهب المشهورة، وبدأ أتباع المذاهب يفرّعون على مذاهبهم، وتعددت الاختلافات في المذهب الواحد؛ وذلك تبعًا للحوادث الجديدة، والمسائل المستحدثة، التي تحتاج إلى بيان الحكم فيها من جهة، وتبعًا لانتشار الفقه الفرضي من جهة أخرى، فكان اتّساع الاختلاف في الأحكام الشرعيّة أمرًا طبيعيًا، اقتضته طبيعة الحياة العلميّة والعمليّة آنذاك.