رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الثلاثاء 15/سبتمبر/2020 - 12:29 م

محمد الهواري يُشرِّح ما وجده بـ«معهد الجزيرة».. ويكتب: المعايير المهنية لـ«إعلام العنف»

الكاتب الصحفي محمد
الكاتب الصحفي محمد الهواري
aman-dostor.org/33579

تطالع يوميًا عشرات اللقاءات التليفزيونية والتصريحات الصحفية حول أداء المنصات الإعلامية الداعمة للعنف والإرهاب والمحرضة على الانقسام وتفكيك الدول، أنا مثلك تمامًا، أتابع التحليلات، مللتها، كما مللت متابعة تلك المنصات، التي تخبرك دائمًا أنك في البلد الخطأ، وأن الظلم والفساد وصلا أبعد مدى، وأن الكذب والتدليس حولك في كل ذرة هواء تتنفسها.

 

لن أخبرك أن أداء تلك المنصات له أجندات سياسية وأيديولوجيات، ويقف وراءه جهد منظم، وتمويل يستطيع إقامة دول، بدلًا من مساعي هدمها.. لن أختلف معك في أن منصاتنا الإعلامية تخطئ أيضًا، لأنها تترك ثغرات لـ"المنصات العدائية"، تستطيع من خلالها النفوذ إلى عواطفك، ومداعبة عقلك، وتضخيم أصغر مشاكلك، لتصيبك باليأس والقلق.

 

هنا أذهب معك إلى نقطة أبعد وأتحدث إليك وإلى إعلام بلادي، أحدثك اليوم عن "مطبخ صناعة العنف"، لك أن تعرف أنه مثلما يحتاج الإرهابي منصات للفتاوى الشاذة، التي توفر له "الغطاء العقائدي" لإجرامه، يحتاج "إعلام العنف" منابر أكاديمية، توفر له "معايير مهنية ومدونات سلوكية"، تعمل على تبرير دعمه للعنف والإرهاب والقتل.

 

لن أحدثك عن "الجزيرة" القطرية، بل عن معهدها، الذي يقدم عشرات الدورات التدريبية والتأهيلية، ويصدر عشرات الأدلة التدريبية، والتقارير، والدراسات، عن الإعلام.. تحمل عناوين يقشعر بدنك حين تسمعها، من إعداد أسماء تتسع حدقة عينك حين تراها، لا تخلو الأسماء من متهمين بالإرهاب، ولا تخلو النصوص من سم معسول.

 

في دليله "تغطية قصص اللاجئين"، يطالبك معهد الجزيرة بتحديد نوع القصة التي تغطيها، أمر مهني لا شك، ويضرب مثلًا: "هل تنقلون حدثًا إخباريًا أدى إلى حصول نزوح كبير؟ مثلًا هجوم منسق للقوات الحكومية على منطقة تسيطر عليها المعارضة أدى إلى فرار الآلاف من الناس عبر الحدود إلى بلد مجاور".

 

هكذا يتم التأصيل للأمر، "قوات حكومية"، تهاجم آلاف الناس، وتعرضهم للخطر، و"معارضة" تسيطر على منطقة، في وضع دفاعي، ما يؤدي لحدوث نزوح كبير، عليك تقبل الأمر، إنه يحدث في العالم، هنا مكمن الخطورة، لا يفترض أن تكون هناك "معارضة مسلحة"، تسيطر على أراضٍ من وطن، لكن "الجزيرة" تريدك مستعدًا لقبول الفكرة، وتبررها لك.

 

قد تتهمني بأنني أتصيد من انطباعات مسبقة، لكنني قلت لك من البداية إنه سم معسول، لا مانع أن يضم الدليل قواعد مهنية وفقًا لمعايير دولية مجربة في إطار من أخلاقيات الإعلام، كما أنه لا مانع من سطور قليلة تثبت في ذهنك وتبرر لك تغطيات "منحازة"، مغلفة بكل ما سبق.

 

في إصدار يحمل عنوان "صحفيون خلف أسماء مستعارة"، يتجاهل محرر التقرير حقيقة الوضع الإعلامي والحقوقي في قطر، وفي الحليفة تركيا.. مقدمة الإصدار تتحدث عن انتهاكات تعرض لها عدد من الصحفيين، وتذكر مصر تحديدًا: "سجن صحفيون دون محاكمة، لمجرد أنهم تجرأوا على انتقاد الزعماء السياسيين، كما يحدث كل يوم في مصر".

 

أنت كقارئ يقرأ إصدارًا "مجانيًا" مبهرًا، على الإنترنت من "معهد" له سمعته، يجب أن تعلم أن مصر تسجن "كل يوم" صحفيا "تجرأ" على انتقاد "الزعماء السياسيين"، كلام سيداعب مشاعرك، وتتناقله دون تفكير، ولن تفكر في الدخول على الإنترنت واستخدام محرك البحث "جوجل"، وكتابة "حرية الصحافة في قطر/تركيا"، ومتابعة النتائج الصادمة.

الإصدار ذاته يضم ما تم وصفه بأنه "شهادات" لصحفيين وصحفيات من العالم العربي توثق "انتهاكات تحد من حرية الصحافة"، وياللمصادفة، فكر معي ما أول تلك الشهادات؟، نعم إنها شهادة تهاجم "الجيش" أي جيش في عالمنا العربي، تخبرك أنه "يتمدد في التجارة والسياسة، يجهض آمال الشعوب في التغيير، يقمع، يستثمر، يستحوذ على الامتيازات".

 

الجيش مرة أخرى، "قوات حكومية" تهاجم آلاف الأبرياء، وآخر "يقمع".. طبعًا يختفي كاتب "الشهادة" خلف "اسم مستعار"، ومع المقدمة، التي تجعلك قلقًا متوترًا، وربما ناقمًا، ستصدق كل ذلك، وتردد الكلام، هنا أنت لست قارئًا عاديًا، أنت صحفي وإعلامي ومعد برامج وأخصائي "سوشيال ميديا"، وقبل ذلك "مواطن"، ستردد كل ذلك دون وعي أو تفكير.

 

لن أطيل عليك أكثر من ذلك، هناك عشرات الأمثلة، وأنت ستستمر على كل حال في متابعة "إعلام العنف" ومنصاته "الأكاديمية"، لكن ظني أنك ستبذل جهدًا بسيطًا اسمه "التفكير"، وستتبعه بمهارة مدفونة بداخلك اسمها "البحث"، ستبحث في مؤسسات أكاديمية وتدريبية وإعلامية، ذات مصداقية، وتقرأ ما لديها من "أدلة تدريبية عن المعايير المهنية والمدونات الأخلاقية".

 

ستدرك وقتها كم كنت "مستهدفًا" ضمن عملية "غسيل مخ"، تعيد بناء "خريطة عقلك" لتقبل أفكارا تقول لك إن "اللا دولة" أمر طبيعي، والجيوش الوطنية "تجار ومغتصبون"، وإن "المعارضة" لا تعمل بالسياسة وإنما "ترفع السلاح" وتسيطر على مناطق، وإنك بإعلائك كل ذلك تصير "مهنيًا"، وتصبح ترسا في آلة "إعلام العنف"، كما تصبح ضحية له.

 

* استشاري التدريب والتخطيط الإعلامي