رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الثلاثاء 15/سبتمبر/2020 - 04:30 م

«الحكم قبل القراءة».. ما لم ينشر عن صدامات الأدب بالجماعات الإسلامية (ملف)

الارهابيين والادباء
الارهابيين والادباء
ايهاب مصطفى
aman-dostor.org/33563

- هكذا حاول الإسلاميون قتل كل من يفكر بالتكفير والاغتيال ودعاوى الحسبة

- أحدهم حاول اغتيال محفوظ ولم يقرأ.. وآخرون حكموا على لويس عوض بالمصادرة


صدام هائل هو الذي تصدى له الأدباء في مصر ضد الجماعات المتطرفة، وسجال طويل ما بين الاتهامات من قبل الجماعات، والدفاع والمقاومة من قبل الأدباء، وتطور الأمر إلى محاولات للمنع والاغتيال ومصادرة الفكر وحرق الكتب ودعاوى الحسبة، وغيرها مما تعرض له الكثير من الكتاب وأصحاب الفكر، أمثال محفوظ ولويس عوض وفرج فودة ونصر حامد أبوزيد وغيرهم.

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

- محاولة اغتيال نجيب محفوظ

في 21 سبتمبر 1950 بدأ نجيب محفوظ نشر رواية "أولاد حارتنا" مسلسلةً في جريدة الأهرام، ثم توقف النشر في 25 ديسمبر من العام نفسه، بسبب اعتراضات هيئات دينية مشيرة إلى أن محفوظ تطاول على الذات الإلهية، لم تُنشر الرواية كاملة في مصر في تلك الفترة، واقتُضي الأمر 8 سنوات أخريات حتى تظهر كاملة في طبعة دار الآداب اللبنانية، والتي طبعتها في بيروت عام 1967.

وفي أكتوبر 1995 طُعن نجيب محفوظ في رقبته من قبل شابين ينتميان لجماعة الإخوان، قررا اغتياله لاتهامه بالكفر والخروج عن الملة بسبب روايته المثيرة للجدل، والغريب أن الشابين قد أقرا بعدم قراءة الرواية من الأساس.

وكان محفوظ قد ارتبط بوعد مع "حسن صبري الخولي"، الممثل الشخصي للرئيس الراحل  جمال عبدالناصر، بعدم نشر الرواية في مصر إلا بعد أخذ موافقة الجامع الأزهر، وتقدم نجيب محفوظ بطلب وحدد ثلاثة يكتبون مقدمة للرواية، فإما الشيخ الغزالي، أو الشيخ خالد محمد خالد، أو أحمد كمال أبوالمجد، ويذكر الكاتب الصحفي إبراهيم عبدالعزيز، في كتابه "أساتذتي.. نجيب محفوظ"، أن خالد محمد خالد قد طلب معرفة الملابسات التي أدت إلى كتابة الرواية، فشرحها نجيب محفوظ شفهيًا لإبراهيم عبدالعزيز وأوردها في الكتاب.

وبالرغم من طبع الرواية في لبنان ولكن مُنع دخولها إلى مصر إلا أن نسخًا مهربة منها وجدت طريقها إلى الأسواق المصرية، لم يمت نجيب محفوظ كنتيجة للمحاولة ولكن أعصابه على الطرف الأيمن العلوي من الرقبة قد تضررت بشدة إثر هذه الطعنة، وكان لهذا تأثيرٌ سلبي على عمله حيث إنه لم يكن قادرًا على الكتابة سوى لبضع دقائق يوميًا، وفيما بعد أُعدم الشابان المشتركان في محاولة الاغتيال رغم تعليقه بأنه غير حاقدٍ على من حاول قتله، وأنه يتمنى لو أنهما لم يُعدما، وخلال إقامته الطويلة في المستشفى زاره محمد الغزالي، والذي كان ممن طالبوا بمنع نشر "أولاد حارتنا".

إحسان عبد القدوس
إحسان عبد القدوس

- إحسان عبدالقدوس وشهادته في الجماعات الإسلامية

في كتاب "إحسان عبدالقدوس بين الأدب والسياسة" نشر مؤلف الكتاب محمد الشناوي،  والذي جمعه الكاتب الصحفي إبراهيم عبدالعزيز من مجلة الجيل، تفاصيل لقاء إحسان عبدالقدوس مع حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان.

وقال "عبدالقدوس": "كان لقائي الأول مع حسن البنا في بدايات عمل جماعة الإخوان، وكان مبعث اهتماي بالإخوان تأكيدهم على مبدأ الشورى المعروف في الإسلام، الذي يرفض ضمنيا النظام الملكي الوراثي فقررت التعرف عليهم عن قرب، فكنت أول صحفى يلتقى بحسن البنا وأجريت معه الحديث المشهور الذي نشر بعنوان (الرجل الذي يقود نصف مليون)".

وأوضح: "كان الهدف الأول من اللقاء التعرف على حقيقة هذه الجماعة ومدى ثوريتها وفهمها لظروف المرحلة التي يجتازها الواقع المصري، كنت أريد معرفة طريقة تفكير البنا ومنهجه إلا أننى لم أجد لدى جماعة الإخوان ما كنت أبحث عنه، كنت أريد خطوطا واضحة مفصلة ولم أجد لديهم سوى وجهة نظر عريضة وغائمة في كثير من نواحيها، كما أننى لم أجد من يقنعني هناك سوى شخصية حسن البنا نفسه، رغم أننى أخذت عليه يومها محاولته إقحام النصوص الدينية في الحوار بشكل يفرض علىّ الاستسلام لوجهة نظره، وهو أسلوب لا أستريح له في أي مناقشة فكرية، وإن إدخال ما لا يقبل الجدل والمناقشة ضمن الحوار بين طرفين فيه نوع من الإرهاب الفكرى ويسلب الحوار حرية الحركة بين المتحاورين، كما أننى رفضت بشدة كل المحاولات العديدة التي حاولها حسن البنا لضمي إلى جماعة الإخوان كعضو منظم فيها".

وتابع "عبدالقدوس": "أعتقد أن محاولة البنا ضمى للجماعة كان عملا تكتيكيا، أراد به المرشد أن يكسب لتنظيمه عضوا من عالم الصحافة، ولأني مسلم ونشأتي الأولى كانت في حضانة جدى الشيخ أحمد رضوان، ما أرسى في نفسي قاعدة ثابتة للوازع الديني وهو أمر أحس به المرحوم حسن البنا منذ أول لقاء".

وفي مقال كتبه إحسان عبدالقدوس فى 20 نوفمبر 1954، كخطاب بخط يده إلى عضو مجلس الثورة "جمال سالم"، رئيس محكمة الشعب، بعد أن علم إحسان برغبة سالم فى معرفة رأيه فى حريات كان الإخوان يطالبون بها ويرفعون شعاراتها فى ذلك التوقيت، وكان رأي "عبدالقدوس": "لم تكن الحرية أبدا هى حرية القتل وحرية الإرهاب وحرية الإفساد، بل إن الثورة لم تقم إلا لأن الحرية التى كانت سائدة فى العهد الماضى- إذا صح أن نسميها حرية- لم تكن إلا حرية الإفساد وحرية الاعتداء على حريات الآخرين".

لويس عوض
لويس عوض

- لويس عوض وأزمة "مقدمة في فقه اللغة"

كتب توفيق الحكيم خطابًا إلى الدكتور لويس عوض، بتاريخ 18 مايو 1981، يقول فيه: "عزيزي الدكتور لويس عوض، قرأت كتابك الضخم عن فقه اللغة العربية، وأعجبت بالكد والاجتهاد مع الصبر الطويل، على صعوبة البحث، فمن الواضح أنه ليس كتابًا لعامة القراء، ولا حتى لأكثر المثقفين، بل هو مما لا يتوافر عليه إلا قلة المتخصصين، ولا شك أن اللغة العربية لجديرة أن يبحث في جذورها وأصولها وفروعها المفكرون الجادون أمثالك، ولقد سبق أن بحث في ذلك المفكرون الأقدمون، فقد ذكر المفسرون أن القرآن الكريم هو عربي صريح وجد فيه من الألفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات.. وقد قال في ذلك ابن عطية وهو من جهابذة الفقهاء المفسرين: (حقيقة العبارة عن هذه الألفاظ إنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه، وقد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وبرحلتي قريش وكسفر مسافر بن أبي عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة، فعلقت العرب بهذا كله ألفاظًا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الصحيح ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل القرآن)، هذا نص ما قاله ابن عطية، فالبحث إذن في أصول اللغة العربية مما يستلزم قيام المفكرين بالبحث عنه، وكل بحث منذ وجدت الأفكار ونشأت العلوم يستوجب الخلاف والاتفاق، ومن هذا الاحتكاك العقلي في التحاور نفتح الأذهان وتتوهج العقول وتزدهر الحضارات وهذا ما عرفته حضارة العرب والإسلام في أزهى عصورها، لذلك سررت غاية السرور أن يقوم مفكر مثلك بالبحث في فقه اللغة ليسير في طريق الأسلاف الباحثين بهذا الصبر والجلد والإقدام دون إحجام أمام الصعوبات، وأكرر لك الشكر والإعجاب والتقدير.. توفيق الحكيم".

جاء ذلك الخطاب من توفيق الحكيم على إثر الزوبعة التي أثارها صدور كتاب "مقدمة في فقه اللغة العربية" للمفكر لويس عوض، وحكاية هذا الكتاب أن لويس عوض توجه يوم 19 مايو للهيئة المصرية العامة للكتاب وكان يمثلها في هذا الوقت الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور، وقدم الدكتور لويس عوض كتابه " مقدمة في فقه اللغة العربية"، وفي عام 1981 صدر الكتاب في 5 آلاف نسخة، ووزع على المكتبات وطرح بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وعلى إثر صدور الكتاب وتوزيعه تقدمت إدارة البحوث بالأزهر الشريف بمذكرة لمنع الكتاب من التداول ومصادرته، كتبها الشيخ عبدالمهيمن محمد الفقي.

وبسبب مذكرة إدارة البحوث أبلغت جهات الأمن، وصدر أمر بضبط الكتاب ومصادرته والتحفظ عليه في كل الأماكن التي يوجد بها، تمهيدا لحرقه في حضور مندوبي هذه الإدارة ووزارة الداخلية ومؤلف الكتاب، وكانت التهم التي وجهت إليه قد بلغت حد التكفير، واتهامه بالتهجم على الإسلام، وتزوير اللغة العربية، واستهداف الثوابت الإسلامية، خاصة فيما يتعلق بأصل العرب ولغتهم، والتهجم على القرآن الكريم وعلى الإسلام، وقال الناقد الكبير نبيل فرج، في مقال له نشر بمجلة الناقد عام 1989، إن المذكرة حددت لهذه التهم صفحات 69 و85 و86 من الكتاب، وحورت كلمة "صمد" في صفحة 305 لتعني التثليث وليس التوحيد.

وفي حوار معه، أكد الدكتور لويس عوض أن الذين طالبوا بمصادرة الكتاب ونجحوا في ذلك في ظل الجو الغوغائي الذي ساد مصر، هذه الفترة من تاريخها بدعوى مخالفته العقيدة وأصول الدين، هؤلاء لم يقرأوا الكتاب، ولو أنهم قرأوا صفحاته الـ650 لأدركوا أن المؤلف لم يخرج عما جاء في أقوال كبار فلاسفة المعتزلة، وعدد من المستشرقين الذين يعتد بهم، حول  طبيعة القرآن الكريم بين أن يكون قديمًا قدم الله، أو مخلوقًا محدثًا، وهذا معناه أن المذكرة لم تصادر نصًا معاصرًا خالف الإجماع الماضي، وإنما صادرت نصًا يمضي في سياق هذا الماضي، أي صادرت تراثًا عربيًا للسلف العظيم، لا شك في قيمة ورفعة مستواه، هو تراث السنة والأشاعرة، كما صادرت آراء عدد من المستشرقين الكبار مثل فلهاون، الذي قام الدكتور عبدالرحمن بدوي بترجمة بعض مؤلفاته للغة العربية.

وكان حكم القضاء النهائي الذي لا استئناف بعده، جاء بعد سنوات مؤيدًا للمصادرة وكانت اللجنة التي قررت المحكمة تشكيلها في أثناء نظر القضية تتكون من الشيخ أحمد حسن الباقوري، وعبدالرحمن الشرقاوي، والدكتور توفيق الطويل، ولكن الأزهر رفض هذه اللجنة.

وهاجم الدكتور محمد عمارة الدكتور لويس عوض وكفّره بعد ذلك، وهو الأمر الذي دعا الكاتب الكبير نجيب محفوظ إلى إرسال خطاب إلى لويس عوض جاء فيه: "يسعدني أن أخبرك بأنني فرغت اليوم من قراءة كتابك"مقدمة في فقه اللغة العربية" ورغم أن فقه اللغة من المواد التي أقاربها برفق ومن بعيد، فقد بهرني منهجه العلمي ودقته الكبرى في البحث والتقصي، وبهرني أيضًا أن يصدر مثل هذا العمل الفذ في هذا الجو الثقافي الراكد، فهذه هزة نرجو أن تستمر وتزداد قوة حتى ترجع مصر إلى سابق موقعها العلمي في الوسط العربي، ولعل كثيرين يخالفون بعض الآراء التي وردت في مقدمة الكتاب ولكنه الخلاف المثمر الذي يفضي عادة إلى المعارك الفكرية فتخصب الفكر والبحث، وتؤيد قضية حرية الفكر التي طالما أينعت في مصر".

وكانت رسالة الحكيم ومحفوظ ضمن الوثائق التي قدمها أحمد شوقي الخطيب، محامي الدكتور لويس عوض، للمحكمة، ويقول نبيل فرج: "يبدو أن حكم المحكمة كان جاهزًا وإلا لما استهانت بحجم اثنين هما توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، ولويس عوض نفسه، وإن تحريم كتاب لأستاذ في حجم لويس عوض قضى إعداده نحو عشرين عاما هو فعل ضد الحضارة ومصادرة الفكر والحرية فعل مضاد لحركة التاريخ".