رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 14/سبتمبر/2020 - 03:11 م

رحمة ضياء تكتب: لم تأخذ قلبى أول نظرة للكعبة

الكاتبة الصحفية رحمة
الكاتبة الصحفية رحمة ضياء
aman-dostor.org/33561

لم تأخذ قلبي أول نظرة للكعبة رغم عذوبتها، بينما شغفتني اللحظات التي سبقت اللقاء، حينما كنا نسير نحوها جماعة نلبي بصوت عالٍ "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك".

 

كنت أشعر مع كل خطوة تقربني لرؤيتها كأنني أنزع عني الدنيا، فيغدو قلبي أكثر خفة.

 

يخرج صوتي، من بين شفاه بللتها دموع اللهفة، مرتجفًا.. أحاول أن أحسم سريعا أي دعوة من دعواتي اللحوحة، سأبتهل بها إلى الله، عند النظرة الأولى للكعبة، يقال إنها لا تُرد.

 

استشعر بأنني على وشك إجراء أهم مقابلة في حياتي، فها أنا أخيرا على أعتاب بيت الله المحرم وفي حضرته وإن لم أره.. سأخطو حيث خطا نبيا الله إبراهيم وإسماعيل، رضوان الله عليهما، ليطهرا بيته للطائفين والعاكفين.. سأرى الحجر الأسعد، الذي حمله حبيبنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وربما سعدت أنا أيضا بلمسه وتقبيله.. سأنال فرصتي كاملة لأشكو بثى وحزني إلى الله، وأرجوه رجاءً لا يخيب، وأحمده، وأزداد وصلا به.

 

سأقتفي خطوات السيدة هاجر، بذات اليقين "لن يضيعنا الله"، قاطعة سبعة أشواط، يأتي من بعدها فرجٌ لا ينحسر أبدا، فأغتسل بماء زمزم من كل ذنب، وأشرب حتى تقر عيني.

عبرنا بوابة الدخول فتجمدت كل الأفكار في ذهني، وانتهينا من التلبية، مبتهلين إلى الله أن يفتح لنا أبواب رحمته.

 

أخفضت عيني إلى الأرض بينما نتقدم حتى أصبح أمام الكعبة مباشرة.. رفعت نظري إليها فانقشعت الدموع وحلّت السكينة.

 

كان أول ما رأيت من الطائفين حمامًا يرفرف متوجًا رأسها، في سماء غربت شمسها.

 

نزلت بعيني لأسفل فرأيت، ما أحسبه مشهدًا مصغرًا ليوم الحشر، جموعًا من الناس جاءوا من كل فج عميق، استجابة لدعوة سيدنا إبراهيم، عليه السلام.. "واجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم".

 

ظننت أني سأشعر بالرهبة والضآلة أمام الكعبة، إلا أنني وجدتها أصغر حجمًا مما تبدو لي على الشاشات، ومما أتذكرها حينما جئت إليها طفلة، ومن ثم أكثر ألفة ودفئًا وترحيبًا.

 

اقتربت حتى ارتاح كف يدي على حجر مكشوف من أحجار الكعبة، ثم مسحت به على صدري لعله ينشرح فلا يعرف بعدها حزنًا.

 

منذ ذلك الحين، وقلبي معلقٌ على كسوة الكعبة، لم يعد معي إلى الوطن، شيء تغير في داخلي ولم أعد نفس الشخص بعدها.

 

لم أتوقف بالطبع عن اقتراف الذنوب، فكل ابن آدم خطاء، ولكني صرت أكثر خجلا من الله واستشعارا لوجوده حولي في كل وقت، وتضاعف حنيني لزيارة بيته مرات ومرات بعدما ذقت حلاوة القرب، لاسيما حين أغلقت أبواب الكعبة أمام الزائرين في الأشهر الماضية، وصارت حلمًا صعب المنال.

 

أتوقف كثيرًا عند هذه الزيارة أو هذا التشريف الذي اختصني الله به، والدروس التي علمني ربي خلالها، وأتذكر بكائي وإصراري على القيام بها في أواخر العام الماضي رغم ظروف عائلية استدعت التأجيل، وأتساءل: ماذا لو كنت أجّلت الزيارة وقلت لنفسي سأعوضها في وقت لاحق، من أي نعمة كنت سأحرم نفسي؟ وأي ندم كنت سأشعر به الآن؟!