رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 14/سبتمبر/2020 - 11:53 ص

«كنت الجنرال الذى درّب جيش القاعدة».. إرهابي سابق يروي رحلته من التشدد للاعتدال بين مصر وجبال تورا بورا

بن لادن وعصام عبدالجيد
بن لادن وعصام عبدالجيد والظواهري
أحمد عاطف,أحمد عاطف
aman-dostor.org/33560

كان نحيفا وضئيل البنيان يرتدي قميصاً وبنطلوناً، قصير القامة ذا لحية بيضاء بفعل الزمن، تستقر على رأسه «طاقية» بيضاء بهت لونها من استمرار ارتدائها، وترتكز على وجهه نظارة طبية، عندما اصطحبه أحد أفراد الأمن الإداري في مبني جريدة الصباح بشارع الثورة بالدقي فى الجيزة، حيث كنت أعمل حينها.

حدث ذلك في نوفمبر 2012، وكان اسمه عصام عبدالجيد، وكانت تلقبه الجماعات الإرهابية بـ«الجنرال المصري في تنظيم القاعدة»، لأنه شارك في أكبر معركة حربية بأفغانستان ضد الشيوعيين الروس وهي موقعة «مأسدة» لصد فرقة لواء الجيش الشيوعي، ولقطع الطرق على من سماهم «المجاهدين الأفغان» وتناقلتها وكالات الأنباء ووسائل الإعلام العالمية حينها على أن العرب هزموا الروس، ليتم تصعيده بعدها ويحمل لقب «الجنرال» على الرغم أنه لم يكن يوماً عسكرياً.

تنظيم القاعدة
تنظيم القاعدة

«عبدالجيد» كان مسئولاً عن تدريب المجاهدين العرب في تنظيم «القاعدة» الذي أسسه أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، لينتهي أمره بمصر ويستقر في السجون المصرية بتهم الإرهاب لمدة 17 عاما.

 

ويقول عصام عبدالجيد دياب إنه- حينها في 2012- كان لديه محل بقالة صغير يعمل به ويتاجر فيه بعد رحلة طويلة من المصاعب، وهو من مواليد العمرانية بالجيزة 1962، وينتمي لأسرة ملتزمة دينيا، ليتدرج في دراسته ويلتحق بمدرسة أحمد لطفى الثانوية العسكرية، وبدأ في الالتزام بصلاة الجمعة خلف الشيخ إبراهيم عزت، قائد جماعة التبليغ والدعوة حينها، وبدأ يتأثر بمنهج التبليغ والدعوة، وأخذ يدعو في المدرسة زملاءه الطلاب للصلاة والالتزام، فيقول: «كنا نتتبع الحصص الفارغة للأساتذة المتغيبين وندخل مكانهم لننصح الطلاب وهدايتهم إلى الله، حتى أصبحت نصف المدرسة تصلى في الفناء تأثرا بنا»، لكن ناظرها حينها، ويدعى «طاهر»، كان يتصدى لهم ويتعمد مجموعة التبليغ ويراقبهم بنفسه بحجة أنه يخاف أن يحدث معهم مثل الإخوان الذين تم اعتقالهم، ثم أصبح قعيد الفراش بمرض خطير، وقام شباب التبليغ بزيارته فبكى بشدة، قائلا لهم إنه يعتذر لهم عما فعله بهم ويطلب السماح لأنه كان يضربهم أثناء الصلاة.

 

وانتهت دراسته في الثانوية العسكرية بعد أن تدرب على فك السلاح وتركيبه وتعلم ضرب النار والالتزام بالزي العسكري والتخطيط للعمليات العسكرية، والتحق بالمعهد الفني التجاري بالعباسية، وحينها كان حادث مقتل الرئيس السادات يهز أرجاء مصر عام 1981، وكان علاء الدين شتا، أحد أصدقائه المقربين، متورطا في اغتيال السادات.

 

عمل «عبدالجيد» في شركة الريان بجانب الدراسة، وتأثر بفكر تنظيم الجهاد وما وجده في طارق وعبود الزمر والدكتور أيمن الدميري (قيادات الجهاد حينها) من علم وحماسة، حيث فتح الأزهر الشريف حينها باب الجهاد لأفغانستان، وعلقوا كشفا باسم المتطوعين للجهاد الأفغاني بمسجد صلاح الدين بالمنيل «رسمي من الدولة» ضد الروس الشيوعيين، وتقدم بتسجيل اسمه على قوائم الأزهر، لكنه سافر بمفرده بعد أن حضر جلسات دينية للشيخين عبدالفتاح الزيني ومحمد إسماعيل عن أهمية الجهاد الأفغاني، وما أثار حماسته بعد مشاهدته فيديو عن المجاهدين العرب في أفغانستان، بجانب فتاوى علماء السعودية مثل ابن باز وغيره عن الجهاد.

 

سافر إلى السعودية عام 1985 لعمل عمرة وظل شهرا كاملا هناك، حيث كانت بها بيوت ضيافة مخصصة لاستقبال المجاهدين العرب، وتميزت بالإقامة الكاملة وتخفيض أسعار تذاكر الطيران إلى باكستان لـ75%، وطار إلى باكستان ونزل مع المجاهدين في إسلام أباد، وركبوا سيارات لبيوت الضيافة عند الشيخ السياف، الذي كان أميرا للجهاد الأفغاني وتمت مبايعته من 7 أحزاب إسلامية من داخل الكعبة، والسياف كان ضخما ولحيته كبيرة، وعلى كل من يسافر إليه لا بد من التدريب 15 يوما في معسكرات الجهاد بمنطقة «بابي» بولاية بيشاور، وحيث إن «عبدالجيد» كان لديه خبرة عسكرية من أيام دراسته، فدخل الجبهة في «جاجي» رغم أنه لم يتدرب، وهي منطقة حدودية بين باكستان وأفغانستان، وعاش بها شهرا كاملا، حيث كانت مراكز المجاهدين في الجبال على هيئة كهوف محفورة بالأسفل وعلى السطح يتم تثبيت مدافع مضادة للطيران خاصة مدافع «داشكواز وزيجوباك» وطلقاتها كبيرة وتصيب من بُعد طويل، حيث كان التواجد الروسي حينها في قلعة «تشاوني»، وكانت كبيرة جدا ومليئة بعساكر الروس بالقرب من «جاجي» حيث لا يوجد بتلك القرية سوى المجاهدين والقلعة ويصعب اختراقها بسهولة.

الإرهابيين
الإرهابيين

قطن من سماهم هو "المجاهدين" ونسميهم نحن "الإرهابيين" جبال «هندوكوش» القريبة من القلعة، حيث كانوا يخرجون بعد التنسيق بينهم بأسلحة «هاون» و«آر بي جيه» لقذف قلعة الروس بعد عمليات استطلاع لطوابير جنود الشيوعيين صباحا، ويتم قذفهم وإصابتهم بشدة يوميا.

 

ويستطرد «عبدالجيد» حديثه في نشوة كبيرة: «ثم عدت مرة أخرى إلى باكستان وظللت أسبوعا في بيت الضيافة التابع للشيخ السياف، حيث التقيت بعض السعوديين الذين طلبوا دخول الجبهات فدخلت معهم ولاية «لوجر»، حيث كانت طبيعة العمليات الجهادية بها هي الإشراف على الطريق الدولي بين كابول وباكستان، وتم الخروج على القوافل العسكرية الشيوعية الذاهبة لمعسكرات القلعة، وكانت كل قرية أفغانية حينها لا بد أن تقذف دبابة وسيارة مجنزرة وسيارة ذخيرة، واستمررت أجاهد هناك مع السعوديين لمدة شهرين، وحينها وصلتنا أنباء بأن هناك قافلة عسكرية شيوعية كبيرة جدا ستمر لتدمير الطريق والتوسع في قلعتهم الحصينة، لكن القافلة لم تأتِ بعد أن انتظرناها لأنهم دخلوا مدينة «موسهى» للتفتيش عن مجاهدين وقتلهم، فذهبت جحافل المجاهدين لها، وانقسمنا نصفين، الأول يشتبك والثاني رفض المشاركة، إلا أن السعوديين طلبوا الاشتباك، فتجمع الفريقان، واحد يدور حول القرية والآخر يدخلها، وكان دوري في أول القرية لعمل كمين في مجرى مائي، واستترنا خلف شجرة لننتظر الاشتباك، وفي الصباح وجدنا الدبابات الروسية قد دخلت وتوجهت لضربنا مباشرة بعد أن نسفنا عربة مصفحة بجانبها، حيث كان معي أخ سعودي كان والده هو وزير التعليم هناك حينها، وقد مهدت أسرته له السفر إلى أمريكا لإكمال تعليمه هناك، لكنه شاهد شريط فيديو للمجاهدين في أفغانستان وغيّر رأيه، وسافر للجهاد مع الإخوة وأقنع أهله بأنه مسافر لأمريكا، واتجه لباكستان ومنها إلى أفغانستان، رغم أن أهله لم يعرفوا شيئا عنه، وقد أصيب من قذف الدبابة بإصابات بالغة في يده وجسده، فأمر قائد العملية، ويدعى «سيف أغا» الأفغاني الذي كان عمره 23 عاما ويقود ولاية جهاد كاملة، بالانسحاب بعد إصابة الشاب السعودي، حيث نقلوا المصابين على سرائر مصنوعة من الليف وتجرها الأحصنة، وعدنا إلى «لوجر» ومنها إلى «بيشاور» حيث أرسل أهل السعودي ليأخذوه ويعالجوه في الخارج».

 

وأضاف: «حينها قررت العودة لمصر عام 1985، ومكثت 8 أشهر فقط، وبدأت أتاجر في العملة وتعاملاتها وجمعت مبلغا كبيرا وسافرت به إلى الأردن حيث موسم العمرة قد انتهى بالسعودية، ومن الأردن لباكستان، وأرسلت لأولادي الثلاثة وزوجتي للعيش معي بباكستان، وعملت بالهلال الأحمر السعودي هناك، وكنت مسئول الحسابات، وبين الحين والآخر أدخل جبهات الجهاد حتى عام 1987، وذهبت الى «جاجي» من جديد، حيث معسكرات أسامة بن لادن، الذي اعتبروه أول معسكر لتدريب المجاهدين العرب بأفغانستان، واسم المعسكر هو «مأسدة الأنصار» حيث كان بن لادن هو من يمول كل عمليات الجهاد، فقد ورث من أسرته 32 مليون ريال سعودي ولم يتخذ منها شيئا لنفسه لكنه أنفقها على الجهاد».

 

وأكد «عبدالجيد» أنه التقى «بن لادن» في إحدى المعارك، حيث كان الشيعة هناك والروس يتفقون ضد الأفغان والعرب لقطع الإمداد عنهم، مضيفا: «وجدت أخوة ملثمين بسيارة لاند كروزر كبيرة وتحمل السلاح ويجلس بها بن لادن، حيث أخذني معه إلى «جاجي» واجتمع مع قيادات الجهاد حينها، وهم: عبدالله عزام وتميم العدناني وأبوعبيدة البنشيري وأبوحفص ورباني وحكمت ديار، بعد أن أمدتهم المخابرات الباكستانية بالعملية العسكرية الكبرى التي تنظمها قوات الروس، وكان حينها بصفوف المجاهدين مديرو الكليات الحربية بالدول العربية يساعدون بن لادن في التخطيط ضد تلك الحملة، وقرروا الانسحاب من معسكر بن لادن الذي طالب من يريد الاشتراك بتلك المعركة الكبرى بأن يسجل اسمه بفرقته، لكنه اختار 40 مجاهدا من بين 120 ممن لديهم خبرة التخطيط والتعامل العسكري، واختارني بن لادن ضمن فريقه للمعركة الكبرى، وخرجنا بسيارات مليئة بالسلاح خاصة «مدافع 107 أرض أرض» وسمينا المعركة «المأسدة» عام 1987، واستمرت لمدة 23 يوما لم ننم فيها، واستشهد بها مصريون مثل أبوالسهل الصغير من الإسكندرية وعادل وعلي وحسن من ليبيا وسعودي ويمني، فلقد منعنا الروس من قطع الطريق وعدم التوسع في معسكراتهم، وكنا نستخدم اللاسلكي ونتحدث بلغة شفرة، وهذا ما جعل الروس يستخدمون الشيوعيين العرب لفك تلك الشفرات بعد أن يجندوهم، خاصة بعد أن تأكدوا أن لواء من الجيش المصري ساعد المجاهدين في التخطيط، وقتلنا 300 شيوعي روسي حينها، وتناقلت وكالات الأنباء حينها صورا لتوابيت الموتى الشيوعيين في مطار كابول بالطائرات العسكرية، وتلك المعركة جعلت للمجاهدين العرب كلمة كبيرة في أفغانستان وقيمة، وبدأ إنشاء معسكرات للمجاهدين العرب فقط بجانب معسكرات الأفغان».

بن لادن
بن لادن

وتابع: «حينها بدأ «بن لادن» بعمل تنظيم القاعدة، وكان معه سيد إمام وأيمن الظواهري وأنا، وارتبطت بالقاعدة وكنت المسئول عن تدريب المجاهدين على القتال واستخدام السلاح والتخطيط، فأطلقوا علىّ لقب «جنرال القاعدة»، وكان اسمي الحركي هو «أبوالفدا»، وسمينا أنفسنا بالقاعدة حتى لا يكون لها أي مسمى آخر وتصبح قاعدة الانطلاق لكل الإسلاميين فلا ترتبط بجنسية أو بأرض، وكان رئيسا الجناح العسكري لبن لادن هما أبوعبيدة وأبوحفص اللذان استشهدا في مدينة «خوست» التي كان بها مطار كبير، حيث تتمركز القاعدة العسكرية للروس، وكان الشيخان يستهدفان الطائرات حينها ويسقطانها، ولن أنسى الشيخ جلال الدين الحقاني، الذي اعتبرناه أقوى المجاهدين العرب علما وأدبا وتواضعا، وكان ضابطا مهندسا بالجيش المصري، حيث اخترع ضرب الصواريخ 107 بسلك من حجر بطارية بدل قواعد الصواريخ، ووحده ضرب طائرة عسكرية بها 14 قيادة روسية منهم 4 جنرالات روس، وهي ما أسمعت العالم كله بنا، وكنت أنا جنرال التدريب لمدة عامين، حتى عدت لمصر في التسعينيات، فألقى أمن الدولة القبض عليّ في ميناء نويبع، وكانت جماعات الجهاد متورطة بحادث قتل المحجوب، وكان أمن الدولة مشغولا بملاحقة المتورطين في تلك العملية، وأودعوني فرع أمن الدولة بجابر ابن حيان بالجيزة لمدة 13 يوما، ولم أفيدهم بشىء، واعتقلوني بسجن استقبال طرة ثم سجن العقرب الذي افتتحته بنفسي، فكنا أول من دخله، وتم تصميمه مثل سجون المافيا في إيطاليا (سجون داخل السجون) وسُمك الزجاج للزيارة 10 سنتيمترات، وكان معي 80 أخًا معتقلًا وظللت به حتى 1994، ومنه لسجن أبوزعبل ومنه لمعتقل النطرون، وخرجت بعد 17 عاما من الاعتقال، عام 2007 في عهد مبارك، لأتحسس خُطايا من جديد، حيث كان الأمن يمنعني من الخروج من بيتي إلا بعد إذن منهم أو العمل بأي شيء دون معرفتهم، ولكني تواصلت مع "الإخوة" (يصف زملاءه الإرهابيين)، ممن خرجوا من الجماعات الإسلامية».

ويضيف «عبدالجيد» أنه لا يعجبه واقع الجماعات الحالي، ووصف أفعالهم بأنها «غير صحيحة»، قائلا: «الدعوات لهدم أبوالهول والأهرامات لأنها أصنام لا يعرف أصحابها  أن عمرو بن العاص افتتح مصر وبها تلك الأهرامات وأبوالهول ولم يكسرها أو يدمرها، ورسالتي لجماعات القرن الحالي: اتركوا المظاهر واتقوا الله في مصر وأهلها، ابذلوا قصارى جهدكم في الدعوة إلى الله».

الظواهري
الظواهري

وأكد أنه لا يوجد لتنظيم القاعدة فرع في مصر، ولا اتصال بين المتطرفين في مصر والظواهري، حيث إنه رفض عمليات قتل رئيس الوزراء عاطف صدقي والألفي، مؤكدا أنها تمت من وراء ظهره، مضيفا: «نصح قادة تنظيم القاعدة جماعة الجهاد والجماعة الإسلامة، في اجتماع أخير بأفغانستان حضره عبدالآخر حماد مفتى الجماعة الإسلامية الآن، ومحمد شوقي الإسلامبولي شقيق قاتل السادات، والشيخ عمر عبدالرحمن- بعدم وجوب عمليات في مصر لأنها ليست مثل أفغانستان، إلا أنهم رفضوا الموافقة أو الانضمام سويا».

 

كما لم ينس عبدالجيد الضابط المصري السابق عصام القمري، الذي لازم الظواهري في تنظيمه، حيث كان أصغر رتبة قيادية في مصر، وأصبح المسئول العسكري للقاعدة بعد ذلك، حيث إنه نصح الظواهري بخطورة العمل العسكري ضد نظام مبارك، ونصح جهاديي سيناء الذين كانوا معه بالمعتقل بأن ما يفعلونه في سيناء خطأ كبير وعليهم العمل الدعوي وليس الجهاد الذي دون فائدة ولا تربطه ضوابط.