رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
السبت 04/يناير/2020 - 11:59 ص

تنقيّة التصوّف من الأدعياء واجب

بدرى المدنى
بدرى المدنى
بقلم : بدرى المدنى
aman-dostor.org/29233

يعيش التصوّف حالة مخاض في ظلّ التهجّم عليه نتيجة من التصق به من الشطحات وتشويهات الأدعياء الذين يتوجّب علينا التصدّي لهم وإيقاف نزيف إضرارهم ..اليوم نحتاج تسويق صورة ناصعة عن التصوّف ذلك الذي عرّفه  الإمام الغزاليّ  رحمه الله تعالى وركّز على الصوفيّة بأنّهم السّالكون لطريق الله تعالى خاصّة، وأنّ سيرتهم أحسن السّير، وطريقهم أصوب الطُّرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيّرُوا شيئا من سيرهم وأخلاقهم، ويُبدِّلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا. فإنّ جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبّوة، وليس وراء نور النبّوة على وجه الأرض نور يستضاء به. كما عرّفهم ذو النّون المصريّ " بأنّهم قوم آثروا الله على كلّ شيء فآثرهم الله على كلّ شيء."وعرّف سهل التُستريُّ الصّوفيّ بأنّه من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر وانقطع إلى الله عن البشر، واستوى عنده الذّهب والمدر.


فالصوفيّة إذن هم الواقفون على قواعد الشريعة التيّ لا تنهدم، حيث قعد النّاس على الرّسوم. ظاهرهم في مجاهدة، وباطنهم في حضور ومشاهدة. صفت قلوبهم فأطلعهم الله على حقائق التّوحيد، وأنطقهم بالحكمة، "أُولئك هم أهل الوُصول، أمّا المتصوّفة، فهم الذين عاشروا الصوفيّة وجالسوهم، وتأدّبوا بآدابهم، وأخذوا من أقوالهم، واقتدوا بأفعالهم، لكنّهم لم يتحقّقوا بحالهم. "وهؤلاء هم أهل التبّرك".

جاء في الرّسالة القشيريّة  قال الأستاذ:" هذه التّسمية غلبت على هذه الطّائفة فيقال رجل صوفيّ وللجماعة صوفيّة ومن يتوصّل إلى ذلك يقال له متصوّف وللجماعة متصوّفة.اهـ

وقال السّهروردي  :" ومن تطلّع إلى مقام المقرّبين من جملة الأبرار فهو متصّوف ما لم يتحققّ بحالهم فإذا تحقّق بــحالهم صـار صـوفيّا ومن عـداهما، متشبّه...إلى أن قال  :" فالمتشبّه صاحب إيمان والمتصوّف صاحب علم لأنّه بعد الإيمان إكتسب مزيد علم بطريقهم وصار له من ذلك مواجيد يستدلّ بها على سائرها والصُّوفيُّ صاحب الذّوق. فللمتصّوِف الصَّادق نصيب من حال الصّوفيّ وللمتشبّه نصيب من حال المتصّوف".اهـ

وأطلق بعض الكتّاب كلمة مُتصّوفة على كلّ من تشبّه بالصّوفيّة تشبُّها سلبيّا فوافقهم في بعض الأقوال وخالفهم في الأفعال والأحوال "وهؤلاء هم الأدعياء"، وقال الشيخ عبد القادر عيسى  :" لقد شوَّه التّصّوف رجال مغرضون تزيّنوا بزيِّه، وانتسبوا له، فأساؤوا إليه بأقوالهم، وأفعالهم، وسيرتهم، والتّصّوف منهم براء".

وقال أيضا:" هناك فرق كبير بين المتصوِّف والصّوفيّ وليس المتصّوِف بانحرافه وشذوذه ممثّلا للتّصّوف كما أنّ المسلم بأفعاله المنكرة ليس ممثّلا لإسلامه ودينه. ومتى كان في شريعة الحقّ والدّين أن يؤاخذ الجار بظلم الجار؟ وأن يتحمّل الإسلام في جوهره النقيّ أخطاء المسلمين المنحرفين؟ وأن تنسب إلى هذه الفئة الطيّبة النّقيّة أخطاء المتصوِّفة الشّاذّين؟"اهـ

وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله:" إنّ المحققّين قالوا :" لو رأيت إنسانا يطير في الهواء ويمشي على الماء، وهو يتعاطى أمرا يخالف الشّرع، فاعلم أنّه شيطان"، وقد تستعمل اليوم كلمة متصّوف ويراد بها معنى آخر غير الذي سبق ذكره من المعاني إذ هي تطلق على الشّخص الذي لا يتجاوز تصوُّفه لسانَه وعقلَه، ولأنّه أخذ بدراسة الكتب والمؤلفات، دون ممارسة أو إدراك قلبيّ.

فالتّصّوف النّظريّ هو الذي أسّسته فلسفة عقليّة، ووضع للدّرس والمطالعة فقط، لا للعمل بمحتواه، وهو محيط واسع يخوضه العقلانيّون، ولقد قام كثير من الباحثين بدراسة آثار الصّوفيّة، واعتنوا بها عناية فائقة، فحقّقوا الكثير منها وقدّموا لها، معجبين تارة، وناقدين طورا، ومحذّرين أو منكرين تارة أخرى.

ومن بين أُولئك الباحثين نجد المستشرق الفرنسيّ ماسينيون حيث ألّف كتابا سمّاه الأصول القديمة للتّصّوف الاسلامي  دافع فيه عن التّصوّف ونشأته الإسلاميّة، وفنّد فيه آراء المستشرقين الآخرين الذين ادّعوا أنّ للتّصوف جذورا مسيحيّة أو يهوديّة أو بوذيّة...

وهكذا يبقى التّصّوف النظريّ مقتصرا على التحليل العقليّ المجرّد، خاليا من دواعي التأثير على القلوب، إلّا أنّه ربّما يؤدّي ببعض الدّارسين من المستشرقين إلى إعتناق الإسلام، كأمثال: رينه جينو من مفكّري العصر الحاضر، أســلم وســمّى نفسه عبد الواحد يحيى، كان إسلامه ثورة كبرى هزّت ضمائر الكثيرين من ذوي البصائر النيّرة، فاقتدوا به، واعتنقوا الاسلام، وكوّنوا جماعة مؤمنة تعبد الله في معاقل الكاثولكيّة في فرنسا و سويسرا، وقد بيّن هذا الحكيم سُموّ التّصّوف الإسلاميّ وروعته،  فدار اسمهُ في أوروبا قاطبة، وفي أمريكا.

وخلاصة القول، إنّ التّصّوف ركن تقرّه النّصوصُ الشرعيّة، وتفرضه حاجة النّاس الأكيدة إلى قوت روحيّ، يحيي القلوب، ويغذّي الأرواح، ويروي النّفوس، وينير البصائر، ويوقظ الضّمائر، ويطهّر السّرائر، ويهذّب المشاعر...قوت يتوصّل إليه عن طريق ترويض الرّوح على يد الأشياخ العارفين، ولا يتأتّى هذا إلّا بسلوك طريق الصّوفيّة.

والطّرق الصّوفيّة، بفضل الله، منتشرة بانتشار الأرض، باقية ببقاء الإسلام، ولن تزال طائفة من الأمّة ظاهرين على الحقّ، لا يضرّهم من خالفهم حتّى يأتي أمر الله.وشيوخ التصوّف الصادقين منتشرون والأدعياء سيسقطون ذات يوم ..