رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
تقارير وتحقيقات
الأربعاء 23/مايو/2018 - 12:52 م

العشيرة المحمدية.. الصوفية بالنكهة السلفية

زعيم العشيرة قبل
زعيم العشيرة قبل وفاته
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/10799

«العشيرة المحمدية» طريقة صوفية بنكهة سلفية، وهذا ما جعلها تثير جدلاً كبيراً، فعموم الطرق تتهمها أنها فرع إخواني، وأنه لا يجوز الاعتداد بها داخل المجلس الأعلى للطرق الصوفية، أما مشايخها فهم يتهمون باقي الطرق أنهم حادوا عن طريق التصوف السليم، وما تسبب في هذه الإشكالية، هو الاندماجية والتوفيقية العجيبة، التي قام بها أتباع الطريقة بين المنهج السلفي والصوفي.

يقول، مؤسس الطريقة، الشيخ محمد زكى الدين إبراهيم، في إحدى رسائله إلى تلميذه التي جمعتها العشيرة عام ٢٠١١ في كتاب تحت اسم «يا ولدي»: «التصوف الشرعى هو التسلف الإسلامى والعكس، لا فرق في الأصل بينهما أبدًا، فكلاهما دعوة أخلاق أو ربانية أو مجاهدة أساسها القرآن وما صح عن رسول الله، الذي يراجع إسناد كبار علماء الحديث الشريف لا يوشك أن يجد فيهم واحدا إلا وهو موصول السند بالسادة الصوفية.

أما موقف «العشيرة المحمدية» من الطرق الصوفية فيوضحه الشيخ زكى إبراهيم، قائلًا: «من الحق أن نفرق بين التصوف والتمصوف، فالتصوف هو الإسلام الإيجابى الشامل في أرقى مراتبه، وان اختلفت الأسماء والمسالك، فكلها تبدأ بالتوبة وتنتهى بالمعرفة، أما التمصوف فهو ذاك الشبح الدخيل، الذي أساء إلى الإسلام وأهله، وما زلنا نعانى منه حتى الآن، ثم لندع هنا أهل التصوف الفلسفى ورجاله فلهم مجال آخر إنما نتحدث عن التصوف الخلقى والتعبدى والإنساني». ويجب أن تتأكد من أن ما عسى أن تجده في التصوف الواعى المستنير أحيانا بما قد يشبه الانحراف في ظاهره، فهو إما مؤول لا محالة، أو مدسوس على أهل الله، فمن قال إن هذه البدع والمنكرات الصريحة وهذا الانحراف المخزى هو من التصوف الصحيح، فقد ضل وغوى، ونحن نخدم بكل طاقتنا هذا التصوف الحق المنقى من الزيف والزيغ، وإليه ندعو بقدر ما نكافح هذا المتصوف الوقح بما فيه من جهلوت وكهنوت.

لم يختلف موقف أتباع «العشيرة المحمدية» من السلفية، وهو ما يقول عنه الشيخ المؤسس: «نحن حين ننقى التصوف من مستغفله ودخيلة وننقى التسلف من اندفاعه ومجازفته وتهوره وتوقحه وتنطعه، إذا نقيناهما هكذا فلن تجد بينهما خلافا أبدًا».

تابع: «إننا نفرق بين التسلف والتمسلف، وقد قررنا أنه لا فرق في الأصل بين التسلف والتصوف، فكل صوفى سلفى أصلًا، وقد لا يكون العكس، أما التمسلف فهو التهور، والتوقح الذي ينقل أحكام الحلال والحرام إلى الإيمان والشرك، والذي يحكم مجازفة على كل كل أهل القبلة بالشرك والكفر والردة، ثم هو يعمى عن الخير ولا يتتبع إلا المناقص والعيوب في شعوبية وعصبية مجنونة، ولا يأخذ الأمور إلا من وجهها المظلم.

جاء في العدد السادس في المجلة الدورية التي تصدر عن «العشيرة المحمدية»، التي تضم بعض الدراسات الخاصة بالصوفية، أن تلاميذ الشيخ المؤسس للعشيرة المحمدية يرون أن التقريب الذي تدعو إليه العشيرة لا يعنى ذوبان منهج الصوفية في آخر، وإنما إزالة الشوائب التي لحقت بكل منها، ومن ثم سيتضح للجميع أن تلك المذاهب خارجة من منبع واحد، قائلين: «حين ننقى التمسلف من اندفاعه ومجازفته وتهوره وتوقحه، وننقى المتصوف من مستغفله ومدسوسه وانحرافه، فلن نجد بين التسلف والتصوف خلافًا أبدًا، فلا يمكن أن يكون صوفيًا ما لم يلتزم الكتاب والسنة على نهج السلف الصالح، ولا يمكن أن يكون سلفيًا من لم يلتزم الورع والزهد والتوكل وغير ذلك مما اتسم به الصوفية».

في نفس العدد: «التصوف يخضع من هذا الجانب إلى النظر العقلى، ويبقى جانب الوهب أو الذوق أو الوجدان، بوصفه ثمرة تهذيب النفس بالشريعة وتربية القلب بالطريقة (أي الإيمان)، فهو لا يخضع للنظر العقلى، ولكن لا يعنى ذلك أنه ليس منضبطًا من الناحية العلمية. كما يظن البعض، ممن اعتقدوا أن التصوف هو الجانب العاطفى في الإسلام، إذ أن المذهب العاطفى أدنى مرتبة من المذهب العقلي «يمثل مرحلة من مراحل التراجع في تاريخ الفكر البشري».

رغم هذه التوفيقية بين (التمسلف) و(التصوف)، فالعشيرة هي طريقة معتمدة كصوفية رسميًا، بالقرار الجمهوري المصري، رقم 750 لسنة 68 (من الهيئات ذات النفع العام)، ومشهرة بالشؤون الاجتماعية برقم 675، أسسها الشيخ محمد زكى إبراهيم، رائد الإصلاح الصوفي، عام 1930م.

المكتب الفنى للعلاقات والإعلام، للطريقة أصدر منشوراً بان فيه، أن الطريقة تقترب بشكل ما ما مما تفعله جماعة الإخوان، وبنفس طريقة البنا، قال البيان: إن العشيرة هيئة إسلامية ، من أكبر الهيئات الإسلامية بمصر والعالم، ما تسعى إليه هو بناء الإنسان المسلم والمجتمع المسلم، على قواعد الربانية والتزكي، والمحبة والسماحة، حتى يؤدى حق ربه وأسرته وأهله، ووطنه ودينه، باعتبار أن ذلك كله عباد، وتخدم العشيرة مذهب التصوف الإسلامى ورسالته، علميًا وعملياً بصفة عامة، ولا نظر فيها إلى شيخ معين أو طريقة محدودة، فالكل دائر فى محيط التصوف الإسلامي، وهي هيئة تخدم كل الطرق الشرعية، وتحتويها في محيط الكتاب والسنة، وتنقيها من شوائبها ومعايبها المختلفة بكل الحكمة والسماحة، وتستمر بكل الطاقات والإمكانيات فى المحافظة على أن تكون العشيرة المحمدية، خط الدفاع الأول عن التصوف الحق فى العالم الإسلامى كله، وهى مرجع براهينه وأدلته الحاسمة، (راجع مؤلفات الإمام الرائد واطلبها من المركز الرئيس للعشيرة وفروعها) فهى حجة التصوف الشريف اليوم وغداً، كما أنها سوط عذاب على التصوف الباطل وأهله، ومنهج العشيرة هو: الدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والتزام الوسطية الإسلامية، والتماس العذر فى الخلافات الفرعية ، والبعد عن الفتن والشكليات، وأهدافها: تقديم أفضل مستوى من الخدمة الإسلامية العامة لجميع أفراد وطوائف الأمة، والعمل على سيادة شرع الله، والعمل على ضم أكبر عدد من كرام الشخصيات الصوفية، أو المحبة للتصوف أو المرتبطة بطريقة من مختلف الطرق الصوفية الى الهيئة العليا للعشيرة المحمدية ومجلسها الإداري، كما قال الإمام الرائد: (كن كما شئت مذهباً ومشرباً ، ولكن كن محمدياً).

تقريباً الأهداف التي وضعها الشيخ محمد زكي إبراهيم، هي ذاتها التي وضعها حسن البنا، وحين البحث في الهدف الأخير، سنرى أن الطريقة ضمت بالفعل كبار الشخصيات، وفي مجلس إدارتها الحالي: محمد عصام الدين محمد زكى إبراهيم، والدكتور أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، الدكتور أحمد زكى بدر، وزير التعليم الأسبق، الأستاذ الدكتور، جودة المهدي، نائب رئيس جامعة الأزهر، ومحمد فؤاد شاكر،أستاذ ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة عين شمس، والدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية المصرية السابق، والستاذ الحالي في الأكاديمية العالمية لدراسات التصوف وعلوم التراث، التي أنشاتها العشيرة المحمدية.

الطريقة تصدر مجلة المسلم، ومجلة الدراسات العلمية الصوفية المحكمة، التي جاء في عددها الأخير، عن الصوفي في العشيرة، أنه يمتاز عن عامة المسلمين، فالقاعدة الاسلامية هنا هي (العمل)، فإذا عمل الصوفي بمقتضى ما يتعين عليه كقدوة وداعية امتاز بمقدار جهده، شأن كل متخصص، وإلا فهو دون كل الناس إذا انحرف أو شذ، بل إن تجاوز، فالصوفية يجعلون (خلاف الأولى) في مرتبة (الحرام) اتقاء الشبهات، واستبراء العرض والدين، وهم يعرفون كيف أن السلف كانوا يتركون تسعة أعشار الحلال خوف الوقوع في الحرام، فهم يؤمنون بهذا ويحاولون العمل به، وهذا هو الصوفي، وأما اذا كان المراد بان مادة التصوف لم تعرف الا بعد هذه المدة فالخطأ هنا يستحيل الى خطيئة فمادة التصوف من حيث العبادة والخلق على أوسع معانى العبادة والخلق موجودة مشهودة في الكتاب والسنة شان بقية مواد مختلف العلوم، فإذا لم يكن لفظ (التصوف) موجودا في هذا العهد فقد كانت العبادات والاخلاق وتربية النفس ووسائل العلاقة بالله، والارتفاع بإنسانية الانسان كل هذه مسجلة في دين الله وهى هي التصوف (سماه الناس كذلك) فالاسم حادث، والمادة قديمة بقدم الكتاب والسنة شان بقية علوم الدين سواء بسواء.

ويرى موقع صوت السلف لسان حال الدعوة السلفية بمصر، أن العشيرة المحمدية تهدم الدين، وتنشر البدعة، ونقلت في مقال، أن رائد العشيرةالمحمدية فى كتابه "من هم أهل السنة؟" رأى أن أهل السنة فى اصطلاح علماء الدين هي قول النبى صلى الله عليه وسلم، أو عمله، أو إقراره، فهى شعب ثلاث، من عمل بإحداها ولو مرة واحدة من عمره أصبح من أهل السنة، وهذا خطأ فادح.

الغريب أن «العشيرة المحمدية» رأت التقريب بين المذاهب، وهو ما قال عنه رائد العشيرة في إحدى رسائله إلى أحد تلاميذه: «أهل القبلة جميعهم إخواننا، فلا خصومة شخصية أبدا بيننا وبين أي مذهب من مذاهب أهل «لا إله إلا الله»، سواء كانوا أحنافا أو مالكية أو شافعية أو حنابلة أو ظاهرية أو هادوية أو زيديين أو إمامية أو سلفية، فإن الاختلاف في الفروع ضرورة طبيعية، كما يستحيل استحالة مادية جمع الناس كلهم على مذهب واحد».

رائد العشيرة كذلك دافع عن ابن تيمية دفاعا مستميتاً وقال: «بمناسبة شيوع هيستريا تكفير المسلمين وتبديعهم، وتشريكهم وردتهم وتفسيقهم أحياء وأموات، من قبل العاملين باسم ما يسمى السلفية، الذين يعتبرون كل المسلمين من غير جماعتهم إما مشركًا أو كافرًا أو مرتدًا أو وثنيًا، فحن نقدم لهم نصوصًا من كلام إمامهم الأعظم أحمد بن تيمية، إذا كان لم يقنعهم حديث رسول الله الذي قدمناه، حيث يقول ابن تيمية «من البدع تكفير الطائفة وغيرها من طوائف المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم، وهذا الأمر عظيم»، وذلك فيما نقله عنه تلاميذه بمجلة دراسات التصوف.

توفى رائد العشيرة في ١٠ يوليو ٢٠٠٨ عن عمر يناهز ٩١ سنة، وفى ٢٠١١ أسست العشيرة لمؤتمر ضخم برعاية وزارة الأوقاف المصرية تحت عنوان «التصوف منهج أصيل للإصلاح»، حضره الدكتور على جمعة مفتى الديار المصرية آنذاك، ووزير الأوقاف الدكتور محمد عبد الفضيل القوصى وقتها، والدكتور عبدالهادى القصبى شيخ مشايخ الطرق الصوفية، لتستمر الطريقة، التي يقول عنها الصوفيون إنها سلفية الصوفية.