رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 21/مايو/2018 - 01:04 م

ساهر رافع: لسنا في حاجة لدار الإفتاء «لأن الفتوى لله فقط»- حوار

ساهر رافع: لسنا في
عمرو عبد المنعم
aman-dostor.org/10751

العقل السلفي متجمد والأزهر في مأزق كبير
لا يوجد تعارض بين "العقل" و"النص المقدس"
كل مذهب اعتبر أنه الموقع عن رب العالمين ومن يخرج عنه يستحق القتل
التعامل مع الآخر الهدف منه الوصول بالمجتمع إلي مرحلة الجدارة الإنسانية
الأزهر والسلفيون يخلطون بين مقام النبي وكلام الرسول
القرآن ليس به ما يحض علي العنف والتسامح هو جوهر الإسلام

من الشبهات التي يثيرها البعض في الداخل والخارج التناقض المزعوم بين “العقل” و”النقل” والادعاء بأن الإسلام لا يحترم العقل، وأن الثقافة الإسلامية نقلية فقط. 

مشروع المفكر ساهر رافع الذي تناوله في معظم مؤلفاته وخاصة كتابه الأخير "العقل والنقل.. تحرير العقل المسلم" يحاول أن يفض الاشتباك بينهما، وخاصة تلك المفاهيم السائدة حول الاجتهاد والتقليد، والعقل والنقل،  والمقدس وغير المقدس في الفكر الإسلامي المعاصر، حول هذه المفاهيم وموضوعات أخرى كان هذا اللقاء:


هل ترى أن هناك تناقضًا بين العقل والنقل في الفكر الإسلامي؟

التناقض حاصل بين العقل والنص التراثي (المكتوبات البشرية والأقاويل البشرية مهما كان قائلها) وخاصة ما تم الاتفاق عليه بين خاصة وعامة المسلمين على إطلاق اسم كتب الصحاح والمسانيد عليها، ومن أهم هذه الكتب صحيح البخاري ومسلم وابن ماجة والترمذي.

فبعض هذه الكتب بها تناقض مع العقل لذلك نجد أن المنقول التراثي هو الذي يسبب الأزمة في الفكر الإسلامي ومن ثم لا توجد مشكلة بين العقل والنص المقدس اذا ما تم إعمال العقل فيه، بينما النقل نجد أنه لم يبلغ أصل وجوهر الشريعة والدين الإسلامي.

وهل هناك تعارض بين العقل والنقل في الإسلام ؟

لا تعارض مطلقا بين النقل من حيث هو نص وبين العقل، أما النص التراثي فهو ليس مقدسًا، وجوهر النقل قائم على حتمية إعمال العقل والدليل، ذلك لأن الإيمان في الإسلام أساسه عقلي ويعتمد اعتمادا كليا على الأدلة التي تصل بالفرد إلي حالة اليقين، فالشريعة تقدم للعقل مادة في الإيمان ويجب أن نفكر في ذلك لأن العقل آلية لتطوير المجتمع.

المفكر ساهر رافع
المفكر ساهر رافع مع الزميل عمرو عبد المنعم

كيف تفرق من وجهة نظرك بين التراث والمقدس؟

يجب أن نفض الاشتباك بين المفهومين من حيث أن التراثي هو ناتج إنساني، فما يشرحه الإنسان من النص يعتبر غير مقدس ويجب أن يكون النص الإلهي بين أيدينا نعمل فيه العقل وعلى ذلك فإن آليات ووسائل التعامل مع كل من المقدس والتراث واضحة لكن ما يحدث من اختلاط بينهما الآن يرجع إلي أن هناك آراء كثيرة من المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي تعتبر تلك المكتوبات التراثية ــ كتب الصحاح ـ نصوصا مقدسة ومن ثم فإن ذلك أدى إلى اختلال النظرة وبالتالي القدرة على الفهم وهو ما يؤثر بالضرورة فى الإدراك للمسائل.

هل نحتاج إلى إعادة فهم النصوص الخاصة بالمرأة وكيفية التعامل معها ؟

نعم يحتاج العقل الإسلامي إلى تحديث وخاصة في قضايا المرأة وهي من أكثر المسائل تعقيدا، فبعض هذه النصوص التراثية اعتبرتها كالكلب الأسود وبعد النصوص اعتبرتها هي الشيطان ذاته وتم الابتعاد عن المقاصد القرآنية التي تعتبرها هي الأهم فى الحياة واعتمدنا علي الأفكار والرؤي التراثية ومن ثم دفع النص التراثي بالمرأة نحو اتجاه يعاكس بالكلية الفهم الذي يريده الشارع العليم الحكيم. 

وقد تحدثت في كتابي "المرأة في جمهورية أفلاطون" عن أدوار المرأة العصرية، وما ساعد على انتشار هذه الأفكار المغلوطة والنظرة الأحادية العقلية المتجمدة في الفكر الإسلامي الذي يحتاج إلى تطوير وإعمال للعقل.

كيف ترى معالجة قضايا الآخر في النصوص التراثية المقدسة ؟ 

الخلاف بين الأنا والآخر يعود على قدرة الأنا على إعمال العقل وليس نتيجة ميزة إلهية أو اصطفاء إلهي. القرآن أوضح دائما أن كل ذات مسئولة عن آرائها والمثال علي ذلك قوله تعالي ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، وآية (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) وهذا يدل على أن الذات المسلمة قادرة على التعامل مع الذات المختلف معها، سواء في العقيدة والتوجه حيث إن الهدف هو الوصول بالمجتمع إلي مرحلة الجدارة الإنسانية.

ومن ثم فإن القسط والعدل هنا يكون هو معيار قوة المجتمع المسلم، فحصول كل ذات على مع ما يخصها هو القسط والعدل، وبينهما يكون دائما للتعارف والتواجد والتعاون.

غلاف كتاب العقل والنقل
غلاف كتاب العقل والنقل الصادر حديثا للمؤلف

من وجهة نظرك لماذا العقل الإسلامي متجمد ؟

الآن العقل المؤسسي متجمد، لقد استشهدت بتقولات من مفكرين مستنيرين أمثال الشيخ شلتوت والشيخ محمد الغزالي في كتابي "العقل والنقل" وكان ذلك من منطلق" وشهد شاهد من أهلها " لأن كتاباتهما تقول إنها ليست كتابات مستنيرة بالقدر المناسب، وقد يكون كلاهما متقدما خطوة عن أقرانه ولكنهما بمقتضيات الاستنارة من المتأخرين.

ألا ترى أنك بمقولتك هذه تفتح على نفسك النار؟

الفيصل هو الدليل وما ألزمت به نفسي هو البحث عن الدليل من الكتاب، والقرآن وهو المقدس الوحيد الذي يتفق عليه أي مسلم لأنها مسألة محسومة، وعلى من يريد أن يحاججنني أنا موجود وسوف أطرح عليه الدليل من القرآن لأنه النص الملزم لي ولكل من يعتقد أنه مسلم.

لماذا وصلنا إلى حالة العنف التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية؟

القرآن ليس به نص يحض على العنف، هذا قولا واحدا، المشكلة في الذهنية الإسلامية والفكر الإسلامي، ويرجع السبب في ذلك إلى أن العقلية المسلمة اعتبرت المكتوبات التراثية مكتوبات مقدسة وتم التعامل مع التراثي باعتباره النص الثابت والنهائي وهذه هي الكارثة. 
التراث يخص زمانه ومكانه فقط، لأنه يخاطب الناس على قدر عقولهم وما وصلوا إليه من علم، لا يوجد نص في القرآن يسمح للمجتمع أن يقتل المرتد لكن تجد النصوص التراثية مليئة بالموضوعات التي تدعو إلى القتل.

البعض يقول إن هذه أحاديث الرسول والبعض يقول أحاديث النبي وهذا يعني أنهم لا يدركون ما هو الفارق بين الرسول والنبي وما يترتب على هذا الفارق من نتائج، فالرسول هو الذي ينطق بالمقدس أي بآيات القرآن فقط، بينما النبي هو الشارح لها وهذا يعني ان شرح المقدس ليس بمقدس.

ومن هنا على الفرد أن يعدل سلوكه وتصرفاته واتجاهاته للدرجة التي تتوافق مع أهداف الجماعة البشرية التي ينتمي إليها، وهذا سيتحقق بفهم النص الإلهي وليس النص التراثي الموروث البشري وهذا هو مأزق وجذور العنف في الفكر الإسلامي المعاصر، الذي أتحدث عنه في بعض مؤلفاتي لأنه يعتمد علي التراثي ويقصي المقدس ولو استمر الأمر على هذا الحالة فستكون نتيجته النهائية التمرد والعداوة والانعزال والانفعال والعنف والقسوة في المجتمع. 

ساهر رافع: لسنا في

هل تعرضت لاضطهاد أو تضييق بسبب ما تقول؟

بالفعل نالني بعض التضييق، فعندما يعجز البعض عن التعامل مع الدليل فيحدث صدام وبشكل مباشر، ورغم ذلك فتأتيني كل فترة ردود أفعال إيجابية علي كتبي ومحاضراتي وأحاديثي سواء في التليفزيون أو الراديو. 

كيف تري حال الفتوى في الإسلام ومؤسستها الآن؟

الله هو الذي يفتي وليس البشر (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ) الإسلام لا يحتاج إلي مفتٍ ولا مؤسسة إفتائية، نحتاج إلى مؤسسة رأي لا نريد دارا للإفتاء أو الأزهر وإجابة أي مؤسسة فى الدين هو رأي، الفتوى لله فقط بنص القرآن ذاته وعلي الجميع أن يرجع إلي تلك الآيات ليفهم منها من الذي يفتي. 

سوف أعطيك أمثلة علي خطورة اعتبار أن الرأي هو فتوى في الإسلام والمثال فتوى التضييق علي النصارى وأهل الكتاب في الطرقات، كارثية كيف أضيق عليهم في الطرقات وهناك نص في القرآن يقول إنه يجوز لي أن أتزوج من مسيحية أو يهودية أليست هذه الفتوى ضد القرآن وضد قوله تعالي (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ) وآية (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
وفتوى إرضاع الكبير أيضًا تتعارض مع نصوص القرآن الصريحة وكذلك مبادئ العلم واتجاهات السلوك السليم أليست عملية ارضاع الكبير ضد قوانين الطبيعة أليست ضد الأعراف الإنسانية والاجتماعية، إذن مثل هذه الفتاوى إن هي إلا آراء تحتمل الصواب والخطأ، والأهم فى الرأي أنها غير ملزمة. 

كيف تري المعتزلة وموقفهم من العقل والنقل؟

المعتزلة طرحوا منذ البداية أفكارهم العقلية على خلفية تأييد سياسي، لكنهم أخطأوا في الهجوم على المذاهب والآراء الأخرى، وأخذوا دعم السلطة في العصر العباسي وهذا ما يتنافى مع أعمال العقل. 
التأويل والتفسير اجتهادات بشرية قابلة للنقد، فالمذهبية أحضرت وشرعنت العنف التي اعتبرت من خلاله كل فرقة إسلامية هى الدين الصحيح وأن الآخرين علي خطأ ومن ثم فإنهم خارجون عن الدين. وهذا يعني وجوب قتالهم. 

كل فرقة اعتبرت نفسها هي الموقع عن رب العالمين ومن يخرج عنها يستحق الموت والقتل، ولو استوعبنا أن هذه الرؤية حق والآخر أيضا حق، ونتقاطع مع الجميع ونختلف مع الجمع سيكون لنا مخرج من هذه الكارثة.

كيف ترى السلفية الآن؟

المنهج السلفي قائم علي استلهام أفكار ورؤى الماضي وهذا يعني أنهم يصرون علي توقف الزمن حيث إن كل استشهاداتهم من الماضي والذي لا يعني دائما صحته، وإن كان النص صحيحا فقد يكون غير ملائم للعصر الحالي الذي نعيش فيه. 

يجب أن نعي أنه لا مذاهب أو فرق في الإسلام، فقط قدرتنا تكون في إعمال العقل من أجل الوصول إلي الحقيقة التي أراد الله لنا أن ندركها.