رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
وجهات نظر
الأربعاء 07/مارس/2018 - 05:59 م

محمد محمود حبيب يكتب: التنمية البشرية وعدم مشروعية الشعارات الدينية في العمل السياسي

محمد محمود حبيب يكتب:
aman-dostor.org/8446

الشعارات مهما كانت حارة أو مؤثرة فهى لا تنصر دينًا، ولا تنشئ دولة، ولا ترفع شخصًا، إنما ينتصر الدين وتزدهر الدول ويسمو الأشخاص بالخُلق القويم والعلم الشامخ والكفاح المشرّف، واستغلال الشعارات الدينية فى العمل السياسى يعرّض تلك الشعارات للابتذال وجعلها ككلام البشر الذى قد يصدق أو يكذب، ولا يخفى على أحد أن هناك الكثيرين من مؤيدي الإسلام السياسي يستخدمون الشعارات الدينية في السياسة، وكذلك يوجد الأكثر منهم لا يدرون ولا يجيدون الرد عليهم بحجج قوية وكأن الأمر أصبح رأيًا فقهيًا؛وفقط لا يناسبنا، وهو في الحقيقة أمر غير شرعي، لأنه لم يأت أى دليل شرعى يوضح مشروعية ذلك ( وهو التسربل بشعار دينى في العمل السياسي ).

ومن واقع عملى كأول مدرب تنمية بشرية متخصص في تعديل الفكر المتطرف يحتم عليّ الأمر أن أضع ردودا شرعية لإقناع مؤيدى ومستخدمى هذه الشعارات في مناطق كثيرة في العالم من منظور التنمية البشرية تعتمد على المقارنة مع الحالات المشابهة لفعل النبي (صلى الله عليه وسلم ) من النهى عن التعصب أو النهى عن قداسة البشر وكلماتهم، بأمور وأدلة يتفق عليها الجميع ولا يكون فيها أي مجال للخلاف أو وجهات النظر، وبطريقة الاعتماد على مرجعيتهم وهى القرآن والسنة، وهذه المداخل والوسائل هي صُلب وأساس التنمية البشرية ومن هذه الأدلة التي يمكن أن تقنعهم:

1-نبين لهم معنى قوله عز وجل ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾، آيه 94 سورة النحل.

ففي الآية بيان المخاطر المترتبة على عدم الوفاء بالعهد الذى تم ربطه بالدين وما يحدثه ذلك من تنفير الناس من الدين !! وسأنقل تفسير هذه الآية من كتاب تفسير القرآن لأحد قادة الإسلام السياسى وهو سيد قطب فى كتابه ( فى ظلال القرآن ج ٤ ص ٤٨٧ ) فيقول:

" واتّخاذ الأيمان غشًا وخداعًا يزعزع العقيدة فى الضمير، ويشوه صورتها فى ضمائر الآخرين، فالذى يقسم وهو يعلم أنه خادع فى قسمه لا يمكن أن تثبت له عقيدة، ولا أن تثبت له قدم على صراطها وهو فى الوقت ذاته يشوّه صورة العقيدة عند من يقسم لهم ثم ينكث ويعلمون أن إقسامه كان للغش والدَخل، ومن ثم يصدهم عن سبيل الله بهذا المثل السئ الذى يضربه للمؤمنين بالله، ولقد دخلت فى الإسلام جماعات وشعوب بسبب ما رأوا من وفاء المسلمين بعهدهم ومن صدقهم فى وعدهم ومن إخلاصهم فى أيمانهم، ومن نظافتهم فى معاملاتهم " انتهى كلام سيد قطب !!!

2-نؤكد على تحذير النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأصحابه من السعى إلى تولى الإمارة أو الحكم وهو ما يعنى بالدليل القاطع عدم مشروعية استخدام شعارات دينية للوصول لذلك لأنه كيف ينهى ( صلى الله عليه وسلم ) عن شيء أو يحذر من السعى إليه ويسمح بشعار ديني للوصول إليه؟، ومن هذه الأدلة قوله (صلى الله عليه وسلم) للصحابي عبد الرحمن بن سمرة " لا تَسْأَل الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا.. "( أخرجه البخاري ومسلم ).

3-نلفت الانتباه إلى وجود نهى عن التسمية بأسماء فيها تزكية مثل حجة الله أو ملك الأملاك وما شابه، فقد صح عنه (صلى الله عليه وسلم ) أنه قال " أَخْنَعُ الأسماء عند الله يوم القيامة رجل تسمى مَلِكَ الأملاك لا مالكَ إلا اللهُ "( أخرجه البخاري ومسلم ).

ونبين أن المستفيد من ذلك عدم جواز التسربل بشعارات دينية من شأنها أن تضفى قداسة وشرعية على صاحبها.

4-نذكّرهم بثبوت رفع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) شعارًا مدنيًا فى المعاملات كالبيع والشراء (بخلاف العبادات ومنها الحج مثلًا ففيها كثيرًا من الشعارات الدينية ) وهذا الشعار المدنى هو" لاَ خِلاَبَةَ " أى لا غش ولا خداع، وقصته أن النبى (صلى الله عليه وسلم ) مر على بائع فوجده يغش فقال له " إذا بايعتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ " ( أخرجه البخاري ومسلم ).

وننبهم أن النبى (صلى الله عليه وسلم ) لم يأمر برفع شعار ديني مثلًا كشعار " البيع على الطريقة الإسلامية".

5-نبين تحذير النبى (صلى الله عليه وسلم ) من التعصب للطوائف التى لها فضل وقدر دينى فعن جابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجلٌ مِنْ الْمُهَاجرِينَ رَجلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ!! وَقَالَ الْمُهَاجرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجرِينَ !! فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ( مَا بَالُ دَعْوَى الْجاهِلِيَّةِ ؟ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجلٌ مِنْ الْمُهَاجرِينَ رَجلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ." ( أخرجه البخاري ومسلم )
ونوضح لهم أن المستفيد من هذا الحديث أن النهى عن التعصب ليس مرده التعصب القِبَلى فقط ولكن يشمل التعصب على أساس طائفى !!!حيث أن لكل من المهاجرين والأنصار فضائل.