رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
قراءات
الأربعاء 01/نوفمبر/2017 - 08:23 م

النْص وَالرّصَّاص .. موجز تاريخ الإسلام السياسي

النْص وَالرّصَّاص
aman-dostor.org/755

يوقع الباحث العراقي الأكاديمي حسام كصاي هذه الأيام كتابة الجديد بعنوان "النْص وَالرّصَّاص: موجز تاريخ الإسلام السياسي " عن دار أكتب بالقاهرة . يقع الكتاب في حدود (300) صفحة من القطع المتوسط، موزعا على سبعة فصول، تناول الفصل الأول ظاهرة الإسلام السياسي وجذورها وأبعادها، ومفهوم الظاهرة الدينية بعد صعودها فى الأوساط السياسية مؤخراً . والفصل الثاني ركز على أبرز أسباب بروز الظاهرة والعوامل الداخلية والخارجية التي مرت بها، بينما إهتم الفصل الثالث على أبرز دعاة الإسلام السياسي بدءا من جمال الدين الأفغاني مروراً بتلميذه عبده إلى البنا والمودودي وسيد قُطب والغنوشي والترابي وآخرين وصولاً إلى الآن.  


كما تناول الفصل الرابع الحركات الإسلامية ودورها فى عدم استقرار المنطقة، خاصة بعد الربيع العربي، في حين خرج الفصل الخامس متحدثا عن دور الطائفية كنتاج لحالة نشاطات الإسلام السياسي في العالم العربي، وصولاً إلي الفصل السادس حيث تناول موضوعه الدولة وأنواعها وتداخل الدين في السياسة، وأما الفصل السابع والأخير فقد تناول نظرية الحاكمية وأسباب عدم قابلية تطبيق الشريعة وتعذرها في المجتمعات المعاصرة، وشكل الحكم والخلاص الأبدي للعالم العربي. التيارات بين النص والرصاص يقول كصاي: " يعد أهم اتجاه في تيارات الإسلام السياسي هو من يتبنى العنف والإرهاب والترهيب وعلى أسنة الرماح وفَوُهات البنْادق وأناشيد من الفولكلور الجاهلي ورقصات الجُثث، مُعتقدين _ جُزافاً _ أنْ الإسلام يرفض طاولة الحوار البناء والدعوة بالتي هي أحسن، ولن يستقيم على قوادمهُ بدون مزيد من إراقة الدماء وعَصّف المُفرقعات، ودوّي النابالم وقصف قذائف المورتر والمدافع الرّشاشة، ومنصات دينية لإطلاق "فتاوى إلكترونية" عبر منابر ضرار من أجل جهادٍ سياسي عقيم". يشرح كصاي طرق و أدوات العنف الأصولي والتي تستخدمها التيارات الآن وفق نظرية (النص والرصاص) الذي اعتمدها منذ البداية، من خلال التفسير الحرفي للنصوص الدينية التي تتعلق بها تيارات العنف دون مراعاة الظروف والنوازل والمستجدات التي تتغير مع مرور الزمن, أو مراعاة العوامل الداخلية والخارجية التي تُحيق بالعالم العربي الإسلامي، والتعاطي معها من منطلق إنها رهانات حقيقية لا يمكن تجاوزها أو إن القفز عليها فيجعلنا لا نصل إلى حل قانوني أو تفكير علمي يفضي إلى مخرج آمن للأمة العربية والإسلامية، ومن ثم ينتج شروخ كبيرة و فجوة عميقة أكبر بين النص والواقع، نتيجة لجمود تفسيرات هؤلاء لشريعة وغلق باب الاجتهاد لديهم الذي يُعد "المادة النص" أصل لا يمكن تجاوزه، بينما الشريعة تعطي النص جمالية ومرونة عالية الدقة لتجاوز الجمود والتصلب الذي تعاني منه التيارات العنيفة، وهي علي ما يبدو ليس إلا خصيصة من خصائص المعتقدات القبلية والبدوية البالية والمنقرضة، وهو نفس ما ذهبت إليه فِرقة الخوارج (داعش اليوم) التي رأت أن التطبيق النصي للقرآن دون العودة للاجتهاد أو التفسير الواقعي أو مراعاة الوضع الراهن ومعطيات الحال امر ثابت في معتقداتهم. تفسيرات الموتى اعتمد كتاب كصاي على ما اسماه مفهوم "تفسيرات الموتى" والتي تبنته جماعات العنف في طروحاتها المتشددة الأمر الذي أحدث ثِلمة في الإسلام عبر التاريخ، وهي تنخر وجداننا قبل أجسادنا، عقولنا قبل قلوبنا، وأعمالنا قبل أقوالنا، وفي كُل عصر تأتينا بحُلةٍ جديدة وها هي اليوم تأتي باسم "الطائفية" تارة، وباسم "الإسلام السياسي" تارة أخرى والنتيجة عرقلة مسيرة التقدم الحضارية للإسلام وتثبيط مشروعه النهضوي، وجعله مشروعاً عاجزاً عن مواكبة التطلعات العصرية. 

 إذ عمد حزب الخوارج _ أول حزب سياسي في الإسلام _، بحسب حسام كصاي إلى التحايل على الدين والالتفاف على الحقائق تزويرها وتلفيقها وتشوّيه الشريعة بالتفسير المنافي لأسس الاجتهاد الحقيقي، أو لاختصار القرآن الكريم فى آيات كـ "آيات السيف" (أو آيات القتال).

 فدفعهم التفسير المغلوط لحمل السلاح علي الناس، فكانوا يحاولون إصلاح الناس دون مراجعة أنفسهم وتقويمها وتهذيبها وترويضها من طروحات التطرّف الديني الأعمى، في حين كانوا متمسكين في النْص بالنواجذ دون مراعاة الشريعة أو الأخذ بها بما يصلح حال العباد والبلاد، الأمر الذي جعل الخوارج مركز ومنبر يعتدي به الكثير من جماعات الإسلام السياسي ويتبنى طروحاتهم ويسير على خطاهم، من حمل المصاحف على أسنة الرماح، أو وضعها على الرؤوس تشبيهاً خوارجياً، أو التشبث بعض النصوص وهجرة أخريات غيرها أو إلغاءها أصلاً بحجة النسخ, أو قلب سُلم أولويات الإسلام وتفضيل السُنة على الفرض والتمسك بثانويات الإسلام ومجافاة ثوابته ونصوصه القويمة، الأمر الذي جعل فِرقة الخوارج الأم التي خرج من رحمها كم هائل من الحركات الإسلامية ذات البُعد السياسي والدنيوي الرّاديكالي القتالي من أحزاب وفِرق وجماعات وحركات يغص فيها المحيط العربي والإسلامي بكل رتابه. 

 مدافع الفتوى وبارود الأفكار وفي الختام كتاب حسام كصاي عن علاقة "النص والرصاص" في فكر وتواجد الجماعات الإسلامية المعاصرة فأكد أن مشكلة الإسلام السياسي ليس في النص ذاته، وإنما في عقليته التي رفضت التجديد ووظفت الإصلاح الديني بعملية التغيير السريعة الإنقلابية لإبدال الفكر الإسلامي بقشور مع المحافظة القصوى على أفكارها البدوية التي لا تناسب إلا زمانها وعصرها, والتي غالبا ما تكون أفكار الفتنة الكبرى في بدايات التاريخ الإسلامي ، وما تلاها من حروب ودماء ؛ فالنص الديني يكفل الحريات العامة والحقوق التامة حتى لغير المسلمين بمعنى إن النص القرآني ليس إشكالاً وإنما مُفسريه أو الذين يحاولون ركوب موجة الدين من أجل الدنيا وحب ملذاتها, فنظرية النْص والرّصاص ليست ذات حضور قوي في المخيال العربي الإسلامي، لو لم يُجر النْص إلى تفسيرات تقبل الممارسات المشينة وتتجاوز خطوط الأخلاق والقيم النبيلة.  

وتبقى نظرية "النْص والرصاص" هي جدلية القرن المقبل بلا شك خصوصاً بعد تحول الأصولية الدينية المعاصرة من حل إلى معضلة أو مشكلة أستنبتت قيمها في المخيال العربي والإسلامي وتحول الإسلام الرسولي إلى إسلام حزبي (الجماعة ـ التنظيم ) والتي تربط بين المقدس والمدنس بدون خطوط حمراء تفصل بين المحرم والمباح، فيفصل بين النص والواقع؛ ويقارب النص مع الرصاص لتحويل بعض التفسيرات النصية للدين إلى ثقافة ثأر وانتقام وإرغام الناس على عبادة وأتباع ما لم يقروه بجوارحهم ومشاعرهم، وعدم عرضها على سونار الواقع، أو العكس عرض فقه الواقع على النصوص الدينية وبالتالي خلف فجوة عميقة أربكت المسار السياسي للأمة العربية والإسلامية جعلها تتوقف وترواح مكانها من إتمام مسيرة المشروع الحضاري النهضوي الذي جاء به الإسلام منذ بداياته من أجل خير وصلاح البشرية.

 قراءة كتاب حسام كصاي الباحث العراقي الذي عاش حياته في مدينة "تكريت" العراقية متعة لا غني عنها للمتخصص والباحث في المجال بشكل عام، وتحمل دلالات أفكاره بالطبع بعض النقد وخاصة في تناولة لأسباب الفتنة الكبري في التاريخ الإسلامي وان الجماعات الإرهابية تستقي منها جملة من أفكارها. 

 وفي النهاية تبقى مدافع الإسلام السياسي على حد وصف الكاتب هى الأكثر فاعلية وتدميراً في واقعنا المعاصر من أدوات الاستعمار على حد وصف الكاتب ، لأن بعضها لا يخلو أولاً: من كونها صناعة أمريكية من الطراز الأول، وثانيها: إنها محشوّة بأغلى أنواع البارود وهو "الفتاوى الدينية" القاتلة والسامة والمُتسببة بوفيات جماعية.